نصلكم بما هو أبعد من القصة

لبنان.. هل تحول قانون "حق الوصول للمعلومات" إلى حبر على ورق؟

لبنان.. هل تحول قانون "حق الوصول للمعلومات" إلى حبر على ورق؟

لبنان- بلال نور الدين

- مخايل: القانون كرّس حق الوصول للمعلومات دون الحاجة إلى سبب

- شحرور: الوصول للمعلومة جزء لا يتجزأ من الحياة الديمقراطية للشعوب

- إبراهيم: الصحفيون مقصرون في حقوقهم بسبب عدم الوعي

- ذبيان: نسبة التجاوب مع طلب المعلومات ضئيلة وهناك محاولات للتسويف

- حليمة: المؤسسات لا تلتزم بنشر البيانات المطلوبة من تلقاء نفسها كما نص القانون

 

لم يكن الكثير من اللبنانيين يدركون حقيقة ما تعرضت له البلاد في عام 2019، عندما أفاق الجميع على صدمة مهولة.. انهيار اقتصادي وضع البلد وملايين المواطنين فيها على شفا الجوع والفقر، حتى من يملكون أموالا لا يستطيعون التصرف فيها ولا حتى استخدامها.

حالة قاسية عاشها لبنان، فتحت أعين الكثيرين على الحق في الوصول للمعلومات ومعرفتها، ولا سيما في ظل اندلاع المظاهرات الشعبية التي طالبت وقتها بمحاسبة كل مسؤول عن وصول لبنان إلى هذا الوضع المتأزم. 

انقسام في الشارع اللبناني

وتظهر ملامح الانقسام حول قانون الحق في الوصول للمعلومات بشكل واضح على الشارع اللبناني، حيث يرى سليمان، وهو طالب محاماة، أن القانون مهم، ولكن مشكلة تطبيقه تعود للطبقة السياسية في البلاد. فيما تعتبر مروة، طالبة إعلام، أن “هذا القانون ضروري للصحفيين كونه يساعدهم على كشف الحقائق وتعريف الناس بالقضايا التي تدور حولها شبهات، إلا أن هناك ثغرة تكمن في غياب التوعية حول حق المواطن في الوصول للمعلومة كون هذه الثقافة لا تزال غائبة عن المجتمع اللبناني”.

وقال أيمن، وهو شاب لبناني، أن "هذا القانون ليس سوى حبر على ورق، فمنذ أن سمعنا عنه منذ بضعة سنوات لم نرَ أي مسؤول يحاكم أو يسجن، وبالرغم من أن لبنان يعاني من انهيار تام منذ عام 2019، فإنه لا يوجد أحد لكي نحمله مسؤولية ما وصلنا إليه".

وحول أهمية هذا القانون، قال الخبير القانوني في مؤسسة مهارات طوني مخايل: "إنها تكمن في أنه كرس حق الوصول للمعلومات والمستندات الموجودة لدى الإدارة لكل شخص دون حاجة إلى أن يبرر أي مصلحة له في ذلك أو صفة لطلب المعلومات". 

وتابع في تصريحات لـ"جسور بوست" أن "القانون يضع إطارا تنظيميا يفرض على إدارات الدولة ومؤسساتها أن تنشر حكماً جميع العمليات المالية التي تقوم بها والتي تزيد على 50 مليون ليرة خلال مهلة محددة هي شهر، ويجب أن تتضمن هذه المعلومات المالية من هي الجهة المستفيدة، والمبلغ المدفوع والسند القانوني الذي تم على أساسه الدفع، وهو من شأنه أن يعزز الشفافية وآلية المحاسبة".

وقال مخايل، إن القانون الجديد يعزز حقوق المواطنين في المعرفة وفي الاطلاع على السياسات العامة مثل التعاميم، والمذكرات والقرارات وكذلك التقارير السنوية التي تصدرها الإدارة ويستطيع المواطن عندها أن يحدد خياراته الشخصية تجاهها.

طوني مخايل

طوني مخايل

وحول ما إذا ما كان من حق الدولة أن تتحفظ على إعطاء المعلومات، قال: "لا يمكن للإدارة أن تمتنع عن تقديم المعلومات لطالبيها ما لم تدخل هذه المعلومات والمستندات المطلوبة في أحد الاستثناءات المنصوص عنها في القانون، وهذه الاستثناءات تتعلق بأسرار الدفاع الوطني أو الأمن القومي، أو العلاقات السرية الخارجية أو حياة الأفراد الخاصة أو الأسرار المهنية". 

وقال مخايل إن “تشريعا صدر في عام 2021 ألغى الاستثناء المتعلق بالمعلومات المتعلقة بالمصالح المالية والاقتصادية للدولة وسلامة العملة الوطنية، حيث اعتبرت أن هذه المعلومات من مصلحة الشعب الاطلاع عليها ويمكن حجبها وإدخالها ضمن استثناء، وفي حال الامتناع عن إعطاء المعلومات خلال 15 يوما من تقديم الطلب يمكن لموظف المعلومات أن يمدد لمهلة مماثلة، وبعد انقضاء مهلة الشهر، كحد أقصى، يمكن مراجعة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي تم تعيينها مؤخراً للبت بإعطاء المعلومات أو حجبها بشكل نهائي”. 

آلية الوصول معقدة

المسؤول الإعلامي في "مؤسسة سمير قصير"، جاد شحرور، كشف لـ"جسور بوست"، أكد أن هناك تأثيرا كبيرا جداً على موضوع الشفافية والمحاسبة والمساءلة إن غاب موضوع حق الوصول إلى المعلومة، متسائلا: إذ لم يمتلك المواطن المعلومة فكيف يمكن له أن يقول إن شخصاً ما أتم واجباته أو لم يتمها؟ وبالتالي فإن الوصول للمعلومة جزء لا يتجزأ من الحياة الديمقراطية عند أي شعب وليس فقط في لبنان، ويجب تكريسه بالقانون". 

وتابع: "بالطبع في لبنان هذا الشيء مر كقانون، لكن حدث التفاف على آليات تنفيذه خلال فترة من الفترات، حيث كان يقال يمكنكم الوصول للمعلومة من خلال التقديم عبر مجلس الشورى، ولكن لا يأتي الرد فيصبح من الطبيعي أن يقدم طالب المعلومة شكوى بخصوص التقصير، وبالتالي، لاحقا باتت الأمور تسير من خلال تقديم طلب لتعلم المعلومة، وفي اليوم نفسه تقدم شكوى لتسريع العملية".

جاد شحرور

جاد شحرور


وتابع شحرور: "بشكل عام هناك شيء ليس له علاقة بالمجتمع الدولي بل بنا نحن كمواطنين، فلو نملك نحن المعلومة في بيوتنا، لكنا قادرين على المحاسبة بشكل أكبر، ولو أن الصحفيين قادرون على امتلاك المعلومة والوصول لها بشكل أسرع لكانوا قادرين على التحقيق أكثر في ما يجري بمرفأ بيروت وكان من الممكن تسليط الضوء على موضوع النترات، وكان من الممكن ألّا يقع الانفجار، ما يعني أن حرية الوصول إلى المعلومات تساوي حياة".

القانون جيد.. ولكن

وحول الصراع القائم بين مؤسسات الدولة والصحفيين بخصوص القانون وتطبيقه، قال الأستاذ المحاضر في الصحافة الاستقصائية والإعلام الجديد، داود إبراهيم: “يجب أن نفكر في موضوع تطبيق القانون من قبل جهتين، أولا من قبل الأجهزة والمؤسسات المعنية، وثانيا، تطبيقه لجهة محاولة الحصول على المعلومات من جانب الصحفيين”.. مضيفا أنه يوجد تقصير من الصحفيين أنفسهم بالوعي بحقوقهم أو بالآليات التي يمكن أن يتصرفوا بها، وأيضا هناك إحجام من قبل المؤسسات على تزويد طالبي المعلومات بالوصول إلى هذه المعلومة حتى يتعاملوا معها.

ويرى إبراهيم أن “على المؤسسات الصحفية أن تقوم بدورها من خلال توعية طلاب الإعلام بهذا القانون، كما يجب على الجمعيات المعنية بتطوير مهنة الصحافة القيام بورشات أكثر، لتسليط الضوء على هذا القانون”.

وأوضح أن "القانون الحالي بحاجة إلى العديد من التعديلات إذ يوجد فيه الكثير من الثغرات، لكن هو بكل تأكيد قانون يمكن الاعتماد عليه وتجربته لنرى القدرة على التهرب أو الامتناع عن تسليمنا المعلومات المطلوبة". 

وتابع: “ككل القوانين في بدايتها، فإن هذا القانون ما زال قيد الاختبار الحقيقي، بالطبع يمكن أن يتم تعديله وتطويره بحسب القدرة على الضغط من مؤسسات المجتمع المدني، التي كان لها الدور الأكبر لإقرار النسخة الموجودة حاليا في أيدينا”. 

إبراهيم

داود إبراهيم

وأشار “إبراهيم” إلى أن “هناك محاذير في بعض المواضيع، مثل الحصول على معطيات شاملة وواضحة في قضايا كثيرة، والمهل الممنوحة للمؤسسات لتبرير رفضها أو لتقديم طلب من جديد، أو حتى المؤسسات التي لم تعين حتى الآن أشخاصا لمتابعة طلبات الحصول على المعلومات التي يمكن أن يتقدم بها أي مواطن أو الصحفيون تحديداً”.

ويرى إبراهيم، أن “أداء تطبيق القانون مخيب للآمال، كما أن العمل القضائي في مجال مكافحة الجرائم المالية لم يكن بالأداء المطلوب في بلد فيه كمية هائلة من الفساد لناحية وجود دلائل ملموسة على الأشخاص في جرائم اختلاس أو هدر، وهذه مشكلة أخرى". 

وأضاف، أنه "إذا لم يتمكن الصحفيون من الوصول إلى المعلومات ومن التثبت من الأشخاص الفاسدين أو مكان الهدر أو أي تلاعب بالميزانية العامة أو بميزانية بعض المؤسسات، فلن نتمكن من محاسبة الفاسدين على جريمتهم كون أن قوانين مكافحة الفساد لم تختبر بشكل حقيقي في القضاء والمحاكم". 

وأشاد إبراهيم بدور بعض مؤسسات المجتمع المدني في إطار استغلال قانون الوصول للمعلومات، قائلا: "يمكننا أن نرى تجارب منصة غربال في هذا المجال حيث تنشر قوائم المؤسسات التي امتنعت عن تلبية طلباتها للوصول إلى المعلومات".

محاولات للتسويف

وقال الناشط في المجتمع المدني ومؤسس مبادرة "غربال"، أسعد ذبيان، إن "غربال تقوم بمبادرة لنشر تقرير دوري كل عام تكشف فيه التزام إدارات الدولة بقانون حق الوصول للمعلومات، كما تعمل على الحصول على بيانات ومعلومات وقوانين وقرارات وتعاميم وغيرها من غير المنشورة للرأي العام وتحويلها بطريقة بصرية وطريقة تفاعلية لكي يستفيد منها أكبر عدد من الأشخاص". 

وأضاف، أن “البيانات التي تنشرها غربال تتضمن معلومات عن الموازنة العامة للدولة اللبنانية، والاستيراد والتصدير، وعن بعض الأرقام المالية والعقارية”، بالإضافة إلى بيانات الانتخابات، وبيانات تخص المتعهدين والقروض والمنح التي تحصل عليها الدولة وسلف الخزينة وغيرها.

وكشف ذبيان في حديثه لـ"جسور بوست" أن طريقة عمل المبادرة مع مؤسسات الدولة تظهر  من خلال الطلب السنوي الذي تقوم بإرساله لأغلب الإدارات، حيث يمكن لأي شخص يتصفح موقع غربال أن يرى بعينه كم إدارة عامة للدولة من بين 2010 كانت متجاوبة مع المؤسسة خلال السنوات الخمس الماضية.

ذبيان

أسعد ذبيان

وأوضح أن نسبة التجاوب لا تزال ضئيلة، وهناك محاولات لتسويف القانون وتفريغه من مضمونه عبرت عنه ردود العديد من الإدارات.

يذكر أن مبادرة غربال هي شركة مدنية تأسست عام 2017 باشرت عملها سنة 2018، تحرص على أن تكون حلقة وصل بين المواطنين وبين المؤسسات والدولة اللبنانية، المشكلة من إدارات عامة ومؤسسات رسمية، بالإضافة إلى بلديات واتحادات وهيئات ومجالس وغيرها. 

نسبة الالتزام ضئيلة

من جهتها، تُفصِّل النائب في المجلس النيابي اللبناني، حليمة قعقور، مشكلة القانون، قائلة: "عندما تم إقرار القانون عام 2017، لم تكن الإدارات اللبنانية على علم بوجوده، ولاحقا تحججت تلك الإدارات بغياب المراسيم، لذا ضغطنا لكي تكون هناك مراسيم، ولاحقا ظهرت حجج كثيرة مرتبطة بكلفة طباعة التقارير والبحث عن المصلحة من تقديم الطلبات للحصول على المعلومات وغيرها من العقبات". 

النائبة حليمة قعقور

النائبة حليمة قعقور

وتابعت، أنه من أجل تذليل تلك العقبات تم الاجتماع بلجنة الإدارة والعدل والخروج بتعديل لقانون حق الوصول للمعلومات، وبات هناك نص يلزم بإرسال المعلومات التي تطلب عبر البريد الإلكتروني مجانا ومن دون صفة ومصلحة وبدون العودة إلى سلطة الوصاية، وباتت هناك أيضا آلية اعتراض في حال لم تتجاوب أي من الإدارات العامة خلال المهلة القانونية أو رفضت إعطاء المعلومات المطلوبة، فمن حق مقدم الطلب اللجوء إلى قضاء العجلة.

ورغم تلك التحديثات قالت "حليمة"، لـ"جسور بوست"، إن "الكثير من الإدارات ما زالت تتحجج بالواقع المالي وغياب الموظفين وعدم القدرة على العمل في ظل انقطاع الكهرباء، كما أن مؤسسات الدولة لا تلتزم بنشر البيانات المطلوبة من تلقاء نفسها كما نص القانون".
 


قد يعجبك ايضا

ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية

أخبار مميزة