نصلكم بما هو أبعد من القصة

النجاح والإخفاق الدولى فى COP27

النجاح والإخفاق الدولى فى COP27

افتتح مؤتمر اتفاقية التصدى لآثار التغير المناخى بمدينة شرم الشيخ، يوم ٦ نوفمبر، بعد مرور ثلاثين عامًا على التوصل إلى الاتفاق الإطارى، ومع يقين أوضح وأشمل لتداعيات التغير المناخى والإجراءات الواجب اتخاذها للتصدى له، ومع توافر أدلة علمية قاطعة بضرورة التحرك الجماعى والعاجل لخفض الانبعاثات السامة، لتجنب ارتفاع درجات الحرارة، وفى ظل قناعة واسعة بأهمية توفير الدول المتقدمة الدعم للأطراف النامية للتعامل مع تداعيات تلك المشكلة، لتتمكن من الإسهام في هذا الجهد.

وانعقد الاجتماع في ظل مناخ دولى بالغ الصعوبة، وسحابة ضبابية من الاستقطاب والشيطنة بين الدول الكبرى، وتوقعات أن الاقتصاد العالمى أو على الأقل اقتصاديات الدول الكبرى منه على حافة الانكماش الاقتصادى، توترات ومشاكل تفاقمت نتيجة للحرب الأوكرانية- الروسية، وأثرت على استقرار سلسلة التوريدات لسلسلة التطوير والإنتاج الصناعى والاقتصادى، وشهدنا ارتفاع الأسعار والتضخم عامة، وخاصة للسلع الغذائية والطاقة، أوضاعا قاسية على الدول النامية.

ومن خصائص التغير المناخى أنها قضية متعددة الجوانب الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، ولا بديل إزائها عن التعامل معها سويا بروح تعاونية يشارك فيها الجميع بدرجات وأساليب مختلفة، ومع مراعاة أن الدول الصناعية هي التي تتحمل المسؤولية الرئيسية فيما وصلنا إليه، وأن الدول النامية لها حق مشروع ومنطقى في أن تواصل جهودها التنموية، لتلحق بركب التطور والتنمية الذي أطلقته الدول المتقدمة من قبلها، وفى الكثير من الأحيان على حسابها باستغلال خيراتها ومواردها.

كان هناك اهتمام عالمى واسع ورغبة للتعامل مع تداعيات قضية المناخ، لذا شهدنا حضورا دوليا واسعا في شرم الشيخ، رغم غياب قادة بعض الأطراف المؤثرة مثل الهند، والصين، وروسيا، وأستراليا.

وحضر عدد كبير من ممثلى المجتمع المدنى والمؤسسات الاقتصادية والمالية، للتفاوض حول تخفيض الانبعاثات، ودعم قدرات الدول في التعامل مع تداعيات التغير المناخى، وتأمين الدعم الفنى والمالى للدول النامية في هذا المجال على وجه الخصوص.

وباستثناء تنامى اليقين بخطورة تجاهل المشكلة وبأهمية وعجالة التصدى لها انعقد المؤتمر في أسوأ ظروف سياسية واقتصادية دولية ممكنة، وصفتها في مناسبة أخرى بأنها عاصفة مكتملة.

في ظل كل ذلك ماذا يمكن استخلاصه من نتائج من إنجازات وإخفاقات دولية خلال مؤتمر المناخ في COP27؟

أولا أعتقد أن مصر نجحت في استضافة المؤتمر، رغم بعض الشكاوى والملاحظات السلبية المتكررة في الإعلام الغربى، وخاصة البريطانى، كما نجحت الأمم المتحدة في تنظيمه، رغم التفاعلات العصبية المتناثرة، علما أن التجمعات الكبرى التي تجمع عددا هائلا من ممثلى الحكومات والمجتمع المدنى سويا من الصعب إدارتها، لتباين الممارسات والمصالح والتوقعات من قبل المشاركين.

ورغم عدم اهتمامى أو ثقتى كثيرا بما وقع من مذكرات تفاهم باعتبارها خطابات نوايا غير ملزمة، ولنا تجربة غير حميدة معها بعد المؤتمر الاقتصادى قبل الأخير، أعتقد أن مصر نجحت في خلق زخم لا بأس منه ويحمل مؤشرات إيجابية لها في الدفع بوسائل الطاقة البديلة، وخاصة الهيدروجين الأخضر، حتى إن لم تترجم كلها إلى حيز النفاذ، في ضوء أن عددا منها مرهون بتوفير التمويل اللازم لتنفيذها.

ومن الإيجابيات الدولية إعلان أوروبا أنها ستسرع في تنفيذ انخفاضها في انبعاثات الكربون، وكذلك استئناف المفاوضات الأمريكية الصينية حول مواجهة التغير المناخى رغم أنها لم تحقق نتائج ملموسة، وموافقة الولايات المتحدة على توفير٢٠ مليار دولار إلى دول جنوب شرق آسيا للإقلال من استخدامها للفحم، وهناك بوادر للمزيد من المشروعات حول طاقة الرياح ودعم الجهود الإفريقية في التحول إلى الطاقة النظيفة.

وتضمن البيان الختامى للمؤتمر الاتفاق على إنشاء صندوق لدعم الدول النامية من التداعيات والخسائر الناتجة عن التغيير المناخى، وخرج المنسق الإفريقى الذي قاد تلك المفاوضات وكذلك رئيسة مجموعة الـ٧٧ للدول النامية في نيويورك سعداء بهذا الإنجاز. وبادرت أوروبا بإظهار التعاون أكثر بشأنه خلال هذا المؤتمر، مع المطالبة بأن يساهم فيه كافة الدول التي تخرج عنها انبعاثات كثيرة أو لديها قدرات مالية بما يشمل عددا من الدول النامية المستهلكة للفحم وأخرى بترولية، ويعنى عدم قصر الإسهام فيه على الدول الصناعية، وهو ما أثار عددا من التحفظات، كما وضعت أوروبا حدودا وقيودا على الاستفادة من الصندوق، وعلى المجتمع الدولى استكمال هذه الفكرة، فتضمن النص أيضا إشارة إلى أهمية تطوير عمل المؤسسات المالية الدولية تسهيلا لتلك الجهود، ويجب تحديد حجم التمويل الخاص بالصندوق وإجراءاته وآلياته، حيث يلاحظ أن الولايات المتحدة وغيرها ترفض تفسير النص على أنه يحمل أطرافا ومؤسسات مسؤولية دفع التعويضات عن ممارسات محددة، لذا هناك أمور عديدة حول هذه الخطوة الإيجابية لم تحسم خلال المؤتمر وستكون محل اهتمام لجنة متابعة تم تشكيلها، ويتطلب تحقيقها توافر حسن النية، خاصة والدول الصناعية لم تستوف تعهداتها السابقة بتوفير ١٠٠ مليار دولار سنويا للدول النامية لدعم تحولها نحو الطاقة النظيفة.

وكان على رأس أهداف المؤتمر أيضا ضمان عدم تجاوز درجات الحرارة المناخية 1.5، حتى لا يتعرض سكان الأرض لدرجات حرارة ورطوبة تشكل خطرا عليهم، أو تكرار الفيضانات مثلما شهدته الباكستان أخيرا، علما بأن هناك ما يزيد عن ١٥ مليون إفريقى يعانون من ضعف الأمن الغذائى نتيجة للجفاف، ويتطلب ذلك تطوير وتغيير ممارساتنا الحياتية، التي تحمل في طياتها مخاطر جمة، ومنها التصدى للزيادة السكانية، وأعربت بعض الدول المتقدمة بحدة عن عدم رضاها عن الصياغات النهائية حول الالتزام بتخفيض الانبعاثات، لشعورها بأنها تكرار لصياغات مؤتمر جلاسجو دون إضافات طموحة، وأعربوا عن قلقهم من أن تستغل الإشارة إلى مصادر «الطاقة الأقل انبعاثا» مبررا لعدم التزام البعض أو الإبطاء في التحول نحو الطاقة الجديدة.

لذا فإن تقييم نتائج هذا المؤتمر ومدى نجاحه أو إخفاقه في التصدى لتغير المناخ يتطلب الانتظار إلى أن يتسنى تقدير مدى توافر حسن النية لدى الدول الأطراف خلال الفترة القادمة، وقد تمتد مرحلة التقييم أشهر وحتى المرحلة التمهيدية لاجتماعات COP28 في دولة الإمارات المتحدة.


نقلا عن “العربية”


كاتب المقال: نبيل فهمي


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية

أخبار مميزة