وسط مخاوف من صعود اليمين المتطرف

القارة العجوز في مواجهة انتخابات "تحديد المصير" للبرلمان الأوروبي

القارة العجوز في مواجهة انتخابات "تحديد المصير" للبرلمان الأوروبي

وسط مخاوف متنامية من صعود اليمين المتطرف بعدة دول أوروبية، يتوجه ما يقرب من 450 مليون ناخب بالقارة العجوز خلال الفترة من 6 إلى 9 يونيو الجاري، لإجراء انتخابات البرلمان الأوروبي.

وفي مواجهة أقرب لتحديد المصير، تستقبل مراكز الاقتراع في الدول الـ27 للاتحاد الأوروبي، الناخبين لانتخاب مشرعين جدد في البرلمان، الذي يتخذ من مدينة ستراسبورغ الفرنسية والعاصمة البلجيكية بروكسل مقرين له. 

لأول مرة تقام تلك الانتخابات التي تجرى كل 5 سنوات تحت تهديدات الحرب الروسية على الأراضي الأوكرانية والممتدة منذ فبراير 2022.

وتنطلق الانتخابات يوم الخميس في هولندا، فيما تقام الجمعة في أيرلندا، والسبت في كل من لاتفيا ومالطا وسلوفاكيا، في حين تجرى الأحد المقبل في فرنسا وألمانيا وبولندا و19 دولة أخرى.

يعمل البرلمان الأوروبي كمُشرِّع إلى جانب المجلس الأوروبي، في قضايا رئيسية كالهجرة والطاقة والنقل والبيئة والأمن والاقتصاد وغيرها.

سباق انتخابي 

ويثمر هذا الماراثون -المهدد قارته العجوز بتحديات تمس الهجرة وغلق الحدود والدفاع المشترك- عن انتخاب 720 برلمانيا من بين آلاف بدؤوا حملاتهم الانتخابية في الدول الـ27 منذ أسابيع.

وتتسم هذه الانتخابات بـ"المفصلية" في تاريخ الاتحاد الأوروبي، وتعد العاشرة، منذ أول اقتراع في عام 1979، مع تنافس شرس في عام 2024، بين الأحزاب الأوروبية بجميع أطيافها، اليمين واليسار والوسط.

وتأتي هذه المنافسة الشرسة في ظل الصعود المتنامي لتيار اليمين المتطرف في معظم بلدان الاتحاد والرافض للهجرة، والذي يحاول ممثلو التيار حصد أكبر عدد ممكن من المقاعد البالغ عددها 720 مقعدا في البرلمان، لتكون لهم الكلمة العليا في تحديد أطر سياسات الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الخمس المقبلة. 

ويعد البرلمان الأوروبي، إحدى المؤسسات السبع الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، والمؤسسة الوحيدة التي ينتخبها المواطنون بشكل مباشر، ويلعب دورا رئيسيا في إقرار التشريعات والرقابة، ودورا محدودا في الشؤون المالية، وستؤدي نتائجه هذه المرة إلى انتخاب الرئيس المقبل للمفوضية الأوروبية التي تمثله حاليا أورسولا فون ديرلان، التي ترشحت لولاية جديدة. 

وقد تلفت هذه المتغيرات الأنظار نحو نسب المشاركة في اقتراع 2024، وسط أجواء أوروبية مشحونة، لا سيما على خلفية نسب مشاركة لم تتجاوز 50 بالمئة في اقتراع 2019 الذي ارتفع عن نسب كانت تصل في استحقاقات سابقة إلى 40 بالمئة.

وبحسب آخر استطلاع للرأي أجرته القناة الألمانية الأولى (ARD) فإن عينة تصل إلى 40 بالمئة من الناخبين الألمان الذين سيختارون 96 نائبا في البرلمان الأوروبي، لا يهتمون بهذه الانتخابات من الأساس.

ووفق استطلاع آخر حول انتخابات البرلمان الأوروبي، يتصدر تحقيق السلام والأمن الاجتماعي، اهتمامات الناخب الأوروبي، فيما تستحوذ قضية الهجرة على الجزء الأكبر من شواغل القارة العجوز.

وعلى عكس اقتراع عام 2019 تراجع اهتمام الناخبين بموضوع حماية البيئة والمناخ، فبعد أن وصلت نسبة الاهتمام به وتأثيره على قرار الناخب إلى 23 بالمئة في الانتخابات الماضية قبل 5 سنوات، تراجع الاهتمام به إلى 14 بالمئة هذا العام، بحسب الاستطلاع ذاته. 

وقبل أيام، كشفت مفوضة القيم والشفافية الأوروبية فيرا جوروفا، أن فرنسا وألمانيا وبولندا باتت تشكل أهدافا "دائمة" لهجمات التضليل الإعلامي من موسكو التي لها مؤيدون لسياساتها يخوضون ذلك السباق الأوروبي. 

تحديد المصير 

وبحسب الموقع الإلكتروني للانتخابات الأوروبية، يكتسب ماراثون البرلمان الأوروبي أهمية لعدة أسباب أبرزها "تشكيل مستقبل الديمقراطية الأوروبية" و"إقرار مستقبل الاتحاد الأوروبي".

ويشار أيضا إلى أهمية تلك الانتخابات نظرا لتأثيراتها على البرلمان الأوروبي من إقرار قوانين تتعلق بملفات الأمن والهجرة والبيئة والسياسات الاجتماعية والهجرة، فضلا عن دوره في انتخاب المفوضية الأوروبية، إلى جانب مواجهة التحديات العالمية في ظل عالم متزايد التعقيد وغير مستقر. 

ويقف شبح اليمين المتطرف، أمام استمرارية الاتحاد الأوروبي أمرا مطروحا، حال تحقيق صحة بعض التوقعات الأوروبية التي تمنح فرصة لتقدم أكبر داخل الاتحاد لمدة 5 سنوات مقبلة، لا سيما لحزب "التجمع الوطني" الذي تقوده الفرنسية مارين لوبان، و"البديل من أجل ألمانيا"، واللذين يتهمان بقربهما من موسكو. 

وتشير تلك التوقعات إلى أن البرلمان الأوروبي الجديد سيميل أكثر نحو اليمين، وسط تقديرات أن تزيد الأحزاب اليمينية المتطرفة رصيدها بنسبة 3 بالمئة في اقتراع 2024.

ووفق أحدث استطلاعات الرأي بشأن انتخابات البرلمان الأوروبي، تقدم مرشحو اليمين المتشدد في عدة دول أوروبية بينها فرنسا وألمانيا والنمسا والمجر وهولندا. 

وكان هذا القلق من احتمال حدوث ذلك واضحا في تصريح رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، المرشحة لولاية ثانية، قبل أيام عندما قالت "لن نسمح لهم (أي الأحزاب اليمينية المتطرفة) بتدمير ما بنيناه".

وكان القلق حاضرا مبكرا، لدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 28 مايو الماضي، عندما دعا من برلين، الأوروبيين إلى "استفاقة" لمواجهة صعود اليمين المتطرف والتهديدات الخارجية. 

وفي 29 أبريل الماضي، ذكرت فضائية "فرانس 24" أن حزب "فلامس بيلانغ" البلجيكي اليميني، "يزداد قوة"، وكذلك "الحزب النمساوي للحرية" الشعبوي". 

كما أشارت أيضا إلى أن "هذا الصعود الملموس ليس حالة فردية تخص هذا الحزب أو بلجيكا وحدها، ولكنه يعكس المشهد السياسي في أوروبا بأسرها في بلدان مثل هولندا وإيطاليا والمجر وفنلندا وبلغاريا واليونان والسويد". 

صعود محتمل

وبحسب استطلاعات الرأي، فإن هناك احتمالات كبيرة لفوز اليمين المتطرف بالمركز الأول في الانتخابات في 9 دول على الأقل، وبالمركز الثاني أو الثالث في 9 دول أخرى، وهو ما يعني أن هذا الاتجاه المتطرف سيحظى بنصيب كبير من المقاعد في 18 بلدا من أصل 27 هي مجموع دول الاتحاد الأوروبي. 

ومعظم الأحزاب اليمينية المتطرفة تركز على ملف الهجرة لأسباب دينية رافضة للمسلمين وتبني خطاب يحض على كراهية الإسلام (الإسلاموفوبيا)، فضلا عن عدم الالتزام بوحدة أوروبا وعلاقات مع روسيا.

ويضاف لذلك الإحباط من عدم تنفيذ وعود الأحزاب التقليدية، وسط وضع اقتصادي صعب، فيما يمكن اعتباره تصويتا احتجاجيا، قائم على تغيير الوجوه وليس الإيمان بالسياسات. 

وفي ظل هذه التهديدات، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطاب 26 إبريل الماضي، إلى اتخاذ خطوات نحو مزيد من الاستقلال والقوة الاقتصادية والتعامل مع المسائل الأمنية الأوروبية.

وقال جملة شهيرة في هذا الصدد: "علينا أن ندرك اليوم أن أوروبا فانية، يمكن أن تموت"، مضيفا: "خلال العقد المقبل، هناك خطورة كبيرة من أن تصاب أوروبا بالوهن، نحن نواجه نقطة تحول". 

هذا التحول الذي يطلبه ماكرون في هذا الخصوص يتجه إلى وضع استراتيجية دفاع أوروبية، تعتمد على قطاع دفاع مشترك يموله الاتحاد الأوروبي من أجل التعامل مع التهديد الذي تمثله روسيا في أعقاب حربها مع أوكرانيا.

وكل هذه السياسات التي نادي بها ماكرون، يعول عليها مراقبون أن تكون مسار البرلمان الأوروبي والمفوضية حال ابتعد عن قبضة اليمين المتطرف، وتجاوز مخاطر تداعيات حربي غزة وأوكرانيا. 

سياسات أكثر صرامة

بدوره رجح أستاذ العلوم السياسية والخبير في الشؤون الأوروبية الدكتور سعيد صادق، أن تؤثر الحرب الروسية الأوكرانية على انتخابات البرلمان الأوروبي من خلال تشكيل الرأي العام بشأن السياسة الخارجية والأمن والعلاقات مع روسيا. 

وأوضح صادق في تصريح لـ"جسور بوست" أن ذلك قد يؤدي إلى زيادة التركيز على الدفاع وفرض عقوبات على روسيا، ودعم المرشحين ذوي المواقف القوية بشأن هذه القضايا، ومع ذلك، يمكن أن يختلف التأثير المباشر اعتمادًا على السياق والأولويات المحددة لكل بلد وحزب سياسي معني.

الدكتور سعيد صادق

وأضاف: "بالتأكيد قد يؤدي صعود اليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي إلى قوانين وسياسات هجرة أكثر صرامة تستهدف المسلمين في أوروبا".

وأشار صادق إلى أن هذا التحول قد يؤدي إلى زيادة القيود المفروضة على الهجرة، ومتطلبات الاندماج الأكثر صرامة، وزيادة التدقيق في المجتمعات الإسلامية.

وبرز اهتمام الجاليات العربية والمسلمة والمسيحية بالتصويت في انتخابات البرلمان الأوروبي، إذ دعا العديد من المهاجرين عبر منصات التواصل الاجتماعي للمشاركة في الانتخابات، إذ قال أحد المقيمين في ألمانيا: "إخوتنا في كل الجاليات مهم جدا لا تتقاعس وشارك في هذه الانتخابات واختر الأحزاب المناصرة لقضايانا والتي لا تشارك أحزاب اليمين أفكارها لنعمل على توقف تمدد الأحزاب الشعبوية المتطرفة ونعطي أصواتنا لمن يتعاطف معنا ويقف بجانبنا".

فيما قال مهاجر آخر مقيم في هولندا: "جميع الحاصلين على جنسيات أوروبية وصلتهم دعوة للمشاركة في الانتخابات، وتعد أحداث غزة أكبر مثال على أهمية مشاركتنا بالانتخابات، بالإضافة إلى تصاعد قوة اليمين المتطرف سنة بعد سنة إلى الحد الذي ممكن أن يؤثر على مستقبلنا ومستقبل أبنائنا بالدول الأوروبية.. يجب علينا جميعا المشاركة".

 وأسس الاتحاد الأوروبي 6 دول في عام 1992، ثم ارتفع عدد أعضائه إلى 27 دولة في عام 2023 بعد مغادرة بريطانيا في 31 يناير 2020 في إطار ما يعرف بـ"البريكست". 

ويعتمد 20 من أعضاء البرلمان الأوروبي عملة اليورو الذي طرح للتداول في عام 1999، وكانت كرواتيا آخر دولة تدخل منطقة اليورو في عام 2023، فيما يعتمد سوقا موحدة أنشئت عام 1993، ويتنقل في إطارها الأفراد والسلع ورؤوس الأموال والخدمات. 

وتبلغ ميزانية الاتحاد الأوروبي 1200 مليار يورو للفترة 2021-2027، عبر تخصيص الدول الأعضاء حوالي 1 بالمئة من دخلها القومي الإجمالي ومن خلال مساهمات بعضها ضريبي وجمركي، ويضاف إلى هذا المبلغ 807 مليارات يورو من خطة الإنعاش الأوروبية الأولى التي اعتمدها الاتحاد في عام 2020.

 ورغم ذلك لا تزال حرب روسيا وأوكرانيا، تخصم من ميزانية الاتحاد، حيث خصصت المؤسسات الأوروبية أيضا حوالي 85 مليار يورو لمساعدة كييف حتى الآن، وفق تقديرات شبه رسمية.


قد يعجبك ايضا

ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية