في حوار مع "جسور بوست"

أمين الجمعية النرويجية للعدالة والسلام: جرائم إسرائيل في غزة ستفرض عليها عزلة دولية

أمين الجمعية النرويجية للعدالة والسلام: جرائم إسرائيل في غزة ستفرض عليها عزلة دولية

طارق عناني: شباب أوروبا وأمريكا باتوا يعرفون الحقيقة.. والسوشيال ميديا أنهت السردية الإسرائيلية 

الصراع لم يبدأ في السابع من أكتوبر.. والفلسطينيون ذاقوا عذابات 75 عاماً من الاحتلال

دعم أوكرانيا وسلوكيات بعض المهاجرين أدى لصعود اليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي 

ازدواجية المعايير تضرب ثقة الناس في حقوق الإنسان والمنظمات الدولية

أجرى الحوار: سلمان إسماعيل

تتربع القضية الفلسطينية وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي وارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق سكان قطاع غزة على مدار 8 أشهر على عرش الاهتمامات الدولية، ودفعت المشاهد القادمة من غزة، والفيديوهات التي توثق المجازر اليومية بحق المدنيين واستهداف الأعيان المدنية مثل المستشفيات والمدارس والجامعات ودور العبادة، عددًا من الدول الأوروبية إلى الاعتراف رسميا بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

ومن بين الدول الأربع التي أعلنت اعترافها بالدولة الفلسطينية من جانب واحد، تأتي النرويج المعروفة بتاريخها الطويل في دعم حقوق الفلسطينيين، والمطالبة الدائمة بتطبيق حل الدولتين وإنهاء الاحتلال، ووقف الانتهاكات التي تكررت في الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة، وآخرها حرب الإبادة الجارية على مرأى العالم.

وبالتزامن مع اشتعال الشرق الأوسط بالحرب الأبرز التي راح ضحيتها ما يقارب 38 ألف قتيل، بينهم 15 ألف طفل، شهدت انتخابات البرلمان الأوروبي موجة صعود لأحزاب اليمين المتطرف في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية، ما يعيد للأذهان، البيئة والأحداث التي سبقت الحرب العالمية الثانية، وسط تقارير دولية تحذر من الارتداد على صعيد حقوق الإنسان الأساسية وعلى رأسها حقوق المرأة.

الأمين العام للجمعية النرويجية للعدالة والسلام في أوسلو طارق عناني، تحدث إلى "جسور بوست" حول موقف دولة النرويج من انتهاكات الاحتلال، وأهمية قرارها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ورؤيته للمكاسب التي حصدها اليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي، وأثرها على السلم والأمن الدوليين، ودور الأمم المتحدة ومجلس الأمن في التعاطي مع العدوان على غزة، وتأثير ازدواجية معايير الغرب على عمل المدافعين عن حقوق الإنسان.

- في البداية.. كيف ترى العدوان المتواصل على قطاع غزة منذ 8 أشهر؟

سكان غزة يتعرضون لعدوان بشع، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين بين قتيل ومصاب انتهاك صارخ للاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تنظم الحرب، وخصوصا اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 المتعلقة بحماية المدنيين خلال الحروب والنزاعات المسلحة، فوفقا لرصدنا بالتعاون مع الشركاء في فلسطين وما تنشره الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، فقد اقتربت أعداد القتلى من 38 ألفا بينهم 15 ألف طفل، فضلا عن عشرات الآلاف من المفقودين، وكذلك آلاف الضحايا الذين باتوا يعانون إعاقات دائمة بسبب إصابات الحرب.

- ذكرتم أن القانون الدولي ينظم الحرب.. كيف يتحقق ذلك؟

بعد الحرب العالمية الثانية، توصلت دول العالم إلى أن الحروب تشهد انتهاكات ومجازر بحق المدنيين غير المنخرطين في العمليات العسكرية، ولهذا جرى وضع عدد من الضوابط في الصكوك والمعاهدات الدولية ومن بينها اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تنص على حماية المدنيين خلال الحروب، وهي اتفاقية ملزمة حتى للدول التي لم توافق على اتفاقيات جنيف الأربع، لأنها أصبحت من العرف وهو جزء من القانون الدولي، وعليه، يجب على الدول احترام هذه الصكوك الدولية، لتقليص الخسائر بين المدنيين خلال الحروب.

- وما سبب التعاطف الشعبي في الدول الأوروبية مع القضية الفلسطينية من وجهة نظرك؟

الشعوب تتعاطف مع بعضها، وثقافة التضامن منتشرة بشكل كبير في الدول الأوروبية، لكن الزخم الكبير والحراك والتظاهرات التي شهدتها الجامعات والشوارع في المدن الأوروبية والأمريكية مرده إلى قوة وسائل التواصل الاجتماعي التي تفوقت على وسائل الإعلام التقليدية في نقل معاناة الفلسطينيين في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، فأصبح لدى الشباب هنا وعي أكبر بما يدور في الشرق الأوسط، وانتهت السردية التي تروج لها إسرائيل بأنها دولة يهودية وسط مجموعة من الأعداء العرب الكارهين لليهود والذين يريدون تدميرها ومحوها من الوجود.

- لكن البعض ينظر إلى ما حدث في السابع من أكتوبر على أنه وحشية فلسطينية ضد الإسرائيليين.. كيف ترى هذا الأمر؟

يمكن تقسيم أصحاب هذه النظرة إلى فئتين، الأولى متحاملة على الفلسطينيين وقضيتهم، وليست محايدة، وتعاني ازدواجية واضحة في المعايير، والثانية ليس لديها الوعي الكافي بتاريخ الصراع، وتعتقد أن الأحداث بدأت في السابع من أكتوبر، ولا تعرف شيئا عن عذابات 75 عاما من الاحتلال والانتهاكات المتواصلة لحقوق الفلسطينيين في التنقل والعمل واحترام دينهم ومقدساتهم، وحقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس.

- اتصالاً بحديثكم.. ما الأهمية التي يمثلها اعتراف النرويج بدولة فلسطين؟

هذا الاعتراف لن يعيد للفلسطينيين حقوقهم المسلوبة منذ قرابة 8 عقود، ولن يوقف الإبادة الجماعية الجارية في غزة، ولكنه يحمل دلالة كبيرة، ورسالة مفادها أن دول العالم المتقدم تقول "لا" في وجه الانتهاكات الإسرائيلية التي فاقت الحد، وتحذيرا للسلطات في تل أبيب بأن جرائم قوات الاحتلال سوف تؤدي إلى فرض عزلة دولية على إسرائيل باعتبارها دولة وحشية لا تحترم حقوق الإنسان ولا الالتزامات الدولية، وليست ضمن دول العالم المتقدم كما تدعي، فهذه الممارسات التي نراها على الشاشات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي لا يجب أن تصدر عن دولة تقول إنها ديمقراطية ونبيلة.

- في تقديرك.. ما سر صعود أحزاب اليمين المتطرف في انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة؟

هنالك أسباب عديدة لهذا الأمر؛ من بينها الخطاب الشعبوي الذي يلهب حماس المؤيدين لهذه الأحزاب وأفكارها، كما أنها تجذب عديد الشرائح المجتمعية التي تعاني أزمات اقتصادية في حين تذهب مليارات الاتحاد الأوروبي لدعم أوكرانيا على سبيل المثال، وهو ما ترفضه أحزاب اليمين، وهنا تلتقي رؤية هذه الأحزاب مع معاناة قطاع كبير من سكان أوروبا، وكذلك ممارسات وسلوكيات بعض المهاجرين واللاجئين التي تُشعر الأوروبيين بالخطر، في وقت تعدهم هذه الأحزاب بفرض قيود على تدفق المزيد من المهاجرين، بل وترحيل كثير من اللاجئين.

- بعض الآراء المتشككة ترى أن صعود اليمين المتطرف في أوروبا إرهاص لحرب عالمية جديدة.. ما رأيك؟

في الحقيقة العالم يعيش حالة تقلبات سياسية في الشرق والغرب، وهناك أصوات متطرفة كثيرة في الأحزاب اليمينية داخل أوروبا، لكن هذه الشخصيات لم تتعد المطالبة بالانكفاء على الذات وإصلاح الاقتصاد والتعصب القومي داخل حدود الدولة، وحتى الآن لم نر أصواتا تطالب بحروب أو ما شابه، رغم أن هذه المخاوف لها ما يبررها، اتصالا بصعود النازية والفاشية في القرن الماضي والتي أدت إلى حرب عالمية راح ضحيتها ملايين البشر حول العالم. 

- وما تقييمك لأداء الأمم المتحدة ومجلس الأمن في ما يتعلق بالعدوان على غزة؟

الأمم المتحدة هي المؤسسة الدولية الوحيدة لضمان ممارسة العلاقات الدولية متعددة الأطراف، لحفظ السلم والأمن الدوليين، لكنها «عرجاء»؛ فمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يعقد الاجتماعيات ويصدر التقارير ويطلق التوصيات لحماية وتعزيز حقوق الإنسان ووقف الانتهاكات سواء في غزة أو غيرها من مناطق النزاع المسلح حول العالم، وهنا هو يلعب دور الضمير الإنساني، لكن دوره لا يتعدى التوصيات، وفي المقابل فإن مجلس الأمن مشلول بسبب حق النقض الذي تستخدمه الولايات المتحدة لمصلحة إسرائيل.

- وهل يمكن إصلاح مجلس الأمن أو تغيير آلية اتخاذ القرارات داخله؟

الأمر ليس بهذه البساطة، ويكفي أن تضرب الولايات المتحدة المثل على الالتزام بالقانون الدولي الإنساني والمواثيق والمعاهدات الدولية، وحق الشعوب في تقرير المصير والتوقف عن عرقلة الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحصولها على عضوية كاملة في الأمم المتحدة، بدلا من الانحياز الأعمى لدولة الاحتلال، وآلية اتخاذ القرار داخل مجلس الأمن سوف تبقى مع الأسف على هذا الحال، طالما بقيت تخدم مصالح الدول الكبرى، وهنا تظهر ازدواجية المعايير في ما يتعلق بالتعاطي مع قضايا حقوق الإنسان.

- في ما يتعلق بازدواجية المعايير.. كيف يؤثر هذا الأمر على عمل المدافعين عن حقوق الإنسان؟

ازدواجية المعايير تضرب ثقة الناس في المنظمات الحقوقية الدولية وقيم حقوق الإنسان ذاتها، فمشاهدة الانتهاكات على الهواء كل يوم وعلى مدار 8 أشهر دون تحرك دولي جاد يحمي حياة الفلسطينيين تضع المتابع في حيرة، وتدفعه للتساؤل: هل كل الحديث عن حماية حقوق الإنسان وضرورة صونها وحمايتها وتعزيزها مجرد شعارات تتاجر بها الدول الكبرى؟


قد يعجبك ايضا

ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية