غداة ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية

جان ميلانشون.. صحفي استطاع توجيه بوصلة فرنسا من اليمين إلى اليسار

جان ميلانشون.. صحفي استطاع توجيه بوصلة فرنسا من اليمين إلى اليسار
جان لوك ميلانشون

بقوله "ماكرون تعرض للهزيمة وعليه أن يعترف بذلك.. إنها نهاية اليمين المتطرف".. لوح زعيم ائتلاف اليسار الفرنسي جان لوك ميلانشون، بعلامة النصر قائلا لأنصاره ومؤيديه: "نحن جاهزون للحكم".

والأحد، انقلبت الموازين بشكل مفاجئ في فرنسا، بعد أن اتجهت التوقعات نحو فوز اليمين المتطرف في الانتخابات خرج اليساريون حاصدين الحصة الأكبر من الأصوات.

وتقدم تحالف اليسار "الجبهة الشعبية الجديدة" في نتائج الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية في فرنسا متقدما على معسكر الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون "معا"، فيما اكتفى اليمين المتطرف الذي تصدر الجولة الأولى بالحصول على المركز الثالث. 

وتصدر اسم زعيم ائتلاف اليسار الفرنسي جان لوك ميلانشون، محركات البحث في العالم، بعد أن أظهرت مؤشرات الاستطلاع الأولية للتصويت التشريعي الفرنسي أن الجبهة الشعبية الجديدة اليسارية تتجه نحو فوز مفاجئ.

سياسي مخضرم

وميلانشون، صحفي وسياسي فرنسي، يبلغ من العمر 72 عاما، ولد لأب كان يعمل في مكتب بريد وأم تعمل بالتدريس، وكلاهما من نسل الإسبان والإيطاليين الذين هاجروا إلى الجزائر الفرنسية في مطلع القرن المنصرم، حيث ولد ميلانشون في طنجة (المغرب الآن) عندما كانت منطقة دولية.

وانتقل جان لوك إلى فرنسا في سن الحادية عشرة ودرس الفلسفة، وقام بوظائف مختلفة بما في ذلك عمله كصحفي ومدقق لغوي وانخرط في السياسة التروتسكية، حيث انضم إلى الحزب الاشتراكي في عام 1976 عن عمر يناهز 25 عامًا، وتم انتخابه لمناصب تشريعية إقليمية ووطنية وأوروبية مختلفة.

وشغل ميلانشون عدة مناصب داخل الحزب الاشتراكي، حيث تم انتخابه على التوالي مستشارًا لبلدية ماسي عام 1983 ومستشارًا عامًا لإيسون عام 1985، حتى أصبح عضوا في مجلس الشيوخ الفرنسي في عام 1986، ثم أعيد انتخابه في عامي 1995 و2004.

وشغل أيضا منصب وزير التعليم المهني بين عامي 2000 و2002، في عهد الحكومة التي كان يرأسها ليونيل جوسبان، وكان جزءًا من الجناح اليساري للحزب الاشتراكي حتى مؤتمر ريمس في نوفمبر 2008، عندما ترك الحزب ليؤسس حزب اليسار مع مارك دوليز، عضو الجمعية الوطنية. 

وتولى ميلانشون في البداية منصب رئيس الحزب قبل أن يصبح رئيسًا مشاركًا للحزب إلى جانب مارتين بيلارد، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 2014، وبصفته رئيسًا مشاركًا لحزب اليسار، انضم إلى الائتلاف الانتخابي لجبهة اليسار قبل انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2009، ثم انتخب عضوا في البرلمان الأوروبي عن دائرة جنوب غرب فرنسا وأعيد انتخابه في عام 2014. 

وعقب ذلك، أسس جان لوك حزبه الحالي "فرنسا الأبية" في عام 2016، لتعزيز ترشيحه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2017 وانتخابات مجلس النواب لعام 2017.

وترشح ميلانشون للرئاسة الفرنسية 3 مرات، الأولى في عام 2012 حيث حصل على قرابة 11 بالمئة من الأصوات في الجولة الأولى، يليها انتخابات عام 2017 وحصل على حوالي 19.6 بالمئة من الأصوات، أما الثالثة ففي عام 2022 حيث حصل على حوالي 21.95 بالمئة من الأصوات.

وفي الرئاسيات الفرنسية الأخيرة، حصد جان لوك ميلانشون المركز الثالث خلفا للرئيس الحالي إيمانويل ماكرون ومنافسته اليمينية مارين لوبان في عام 2022.

وقاد ميلانشون تحالفا انتخابيا وصف المراقبون نتائجه بـ"المفاجأة" حيث تسبب في انتكاسة كبيرة لتيار اليمين المتطرف، الذي توقعت استطلاعات الرأي قبل الانتخابات فوزه بفارق مريح، قبل أن يتعاون تحالفا اليسار والوسط من خلال سحب عشرات المرشحين من السباق الانتخابي لتوحيد الجهود في مواجهة التجمع الوطني.

مواقف وانحيازات 

والسياسي الفرنسي اليساري الذي كسر حاجز السبعين عامًا طالما أعلن إعجابه بالزعيم الفنزويلي السابق هوغو تشافيز والرئيس الكوبي فيدل كاسترو، وقال من قبل إنه سيخرج فرنسا من الناتو واقترح معدلات ضريبية بنسبة 100 بالمئة على الأثرياء في بلاده.

وميلانشون المعروف بخطبه النارية، التي غالبًا ما تكون بدون شاشة تلقين أو ملاحظات ويستخدم مزيجًا مميزًا من الفكاهة والغضب، عادة ما ينتقد الرأسمالية والأسواق المتطرفة، وقد ألمح في الماضي إلى فرنسا باعتبارها دولة "ذات ثروة ضخمة يتم توزيعها بشكل سيئ".

ويستلهم ميلانشون فلسفته الفكرية من جان جوريس مؤسس الاشتراكية الجمهورية الفرنسية، حيث يقيم البعض مواقفه السياسية باعتبارها "يسارية متطرفة"، إذ طالما يدعو إلى زيادة حقوق العمال وتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية الفرنسية.

ويدعو زعيم ائتلاف اليسار الفرنسي إلى إعادة توزيع الثروة على نطاق واسع لتصحيح التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية القائمة، ويقترح فرض ضريبة دخل بنسبة 100 بالمئة على الأرباح التي تزيد على 360 ألف يورو سنويًا.

ويشدد على ضرورة سداد الدولة بالكامل لتكاليف الرعاية الصحية، وتقليص السلطات الرئاسية لصالح السلطة التشريعية، وتخفيف قوانين الهجرة، ويدعم زواج المثليين وحق المرأة في الإجهاض وتقنين تداول نبتة الحشيش المخدرة.

ويعد أيضا من أبرز المدافعين عن الأجانب واللاجئين وعن الفلسطينيين وهو يدعو باستمرار إلى مراجعة الاتفاقات الأوروبية، فيما يؤمن بأهمية التنوع والاندماج والتمازج الثقافي، حيث قال لأنصاره خلال تجمع انتخابي في ديسمبر 2021: "مهما كان جنس الشخص أو لونه أو دينه، فنحن مدعوون إلى أن نحب بعضنا البعض، ولذا فإننا نجمع أذواقنا وثقافاتنا معًا. هذا هو مستقبل البشرية". 

وينتقد جان لوك بشكل صريح سياسات الاتحاد الأوروبي، باعتباره تجسيدا لفساد الليبرالية الجديدة، إذ كثيرا ما يهاجم الاتجاه نحو العولمة الاقتصادية، باعتبارها تستفيد بشكل غير متناسب من الصناعة المالية وأصحاب الدخل المرتفع على حساب الفقراء، ما يدفعه دائما إلى التشجيع على إعادة التفاوض على المعاهدات الأوروبية.

كما يعارض ميلانشون منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي يعتبرها إهانة للسيادة الوطنية الفرنسية، وقد دعا بلاده مراراً وتكراراً إلى الانسحاب من الناتو، حيث اعتبره العديد من السياسيين الفرنسيين "رمزا للشعبوية" في البلد الأوروبي.

لكن هذا التصنيف الذي بات لا يروق لميلانشون دفعه إلى تخفيف نبرته المتشددة وتحسين صورته الثورية والراديكالية، حيث أعلن دعمه للسياسات الاشتراكية الديمقراطية والإصلاحية، وتحول نحو نهج أكثر واقعية، بدلاً من النهج الفلسفي والنظري، أثناء حملته الانتخابية في رئاسيات 2022.

الموقف من الحرب

أيد ميلانشون في البداية ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، مشيرًا إلى أن "روسيا كانت تتخذ تدابير وقائية ضد قوة انقلابية مغامرة"، وزعم أيضًا أن أوكرانيا كانت متأثرة بالنازيين الجدد.

وقبل الحرب في فبراير 2022، عارض السياسي الفرنسي فرض عقوبات على روسيا، وباعتباره عضوًا في البرلمان الأوروبي، صوت ضد جميع أشكال التعاون مع أوكرانيا، بما في ذلك التعاون العلمي.

وخلال الأزمة الروسية الأوكرانية، قال إن روسيا يجب ألا تعبر حدود أوكرانيا، بينما ذكر أنه لا ينبغي للولايات المتحدة أن تضم أوكرانيا إلى الناتو، ورغم أنه انتقد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، ألقى باللوم في سبب الصراع على ما وصفه بـ"الناتو الذي يقترب أكثر من الحدود الروسية"، وعارض تسليم الأسلحة إلى أوكرانيا.

وهذه المواقف جعلت بعض الصحفيين يعتبرون ميلانشون داعما لروسيا ومتعاطفا مع رئيسها فلاديمير بوتين، إذ قال الصحفي الفرنسي نيكولا هينين، إن “ميلانشون يقف على يسار الطيف السياسي، لكنه يدافع عن زعيم الكرملين!”، لكن الأخير سخر منه قائلًا: "من غير المرجح أن يدعم اشتراكي بيئي (في إشارة لنفسه) بوتين، أنا لست ملزمًا بأي شكل من الأشكال للسيد بوتين".

وأضاف جان لوك في معرض رده على الصحفيين: "أنا أعارض سياسته تمامًا، ولو كنت روسيًا، فلن أصوت لحزبه، بل لجبهة اليسار الروسية التي يقبع زعيمها في السجن (يقصد سيرغي أودالتسوف)".

ورغم أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، دعا مرارا إلى الحل السلمي والتفاوضي بين روسيا وأوكرانيا، فإنه انتهج سياسة متشددة في دعم أوكرانيا، حيث لم يستبعد إرسال قوات فرنسية وأوروبية إلى كييف لمواجهة موسكو، قائلا: "إن حلفاء كييف هدفهم منع بوتين من الانتصار في الحرب التي تعد مصيرية لمستقبل أوروبا وقيمها وهويتها".

ترجيحات بالاستبعاد

ويقول محللون سياسيون واقتصاديون إنه من غير المرجح أن يمنح إيمانويل ماكرون شخصية مثل جان لوك ميلانشون المثيرة للجدل وظيفة رئيس الوزراء في بلاده.

ونقلت صحف أوروبية عن أنطونيو باروزو، نائب مدير الأبحاث في شركة تينيو الاستشارية قوله: "بينما تقضي التقاليد بأن يقترح أكبر حزب في البرلمان (في هذه الحالة، ائتلاف الحزب الوطني اليساري) رئيسا للوزراء، فإن ماكرون ليس ملزما بمثل هذا الخيار".

بدوره، قال ميلانشون إن رئيس الوزراء الجديد في فرنسا يجب أن يأتي من الحزب الوطني الجديد، ورغم ذلك، ليس لدى حزب التحالف الوطني زعيم، والأحزاب التي تشكل الائتلاف منقسمة بشدة حول من يمكنها اختياره.

ومن المتوقع أن ينقسم البرلمان الفرنسي إلى 3 مجموعات كبيرة ذات برامج مختلفة تماما لم يسبق أن تعاونت مع بعضها من قبل، إذ دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى انتخابات مبكرة بعد أن مُني حزبه بهزيمة في انتخابات البرلمان الأوروبي الشهر الماضي.

 


قد يعجبك ايضا

ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية