نصلكم بما هو أبعد من القصة

عز الدين نجيب.. طائر فينيق يبعث من جديد بـ230 لوحة تحكي مقاومته وحياته (صور)

عز الدين نجيب.. طائر فينيق يبعث من جديد بـ230 لوحة تحكي مقاومته وحياته (صور)

بمعرض أشبه بمتحف يتوج عز الدين نجيب مسيرة 60 عامًا قضاها منذ تخرجه في كلية الفنون الجميلة ستينيات القرن الماضي

المرأة والطبيعة والنور والظلال.. أهم عناصر معرض المقاومة والبعث لنجيب

نجيب: في مخازن اللوحات وجدت كنزي.. أكثر من 30 تجربة فنية لم تكتمل وأخرى ممزقة رممتها 

 

 

كطائر الفينيق يولد من الحريق كل مرة ويُحلق من جديد، بعث عز الدين نجيب، لم يمنعه الحريق الذي شبّ في بيته والتهم لوحاته وكتبه ومخططاته، ولا إضرابه عن الطعام في السجن حد الإشراف على الموت عن التحدي، وكانت الإرادة هي سلاح المقاومة، بها تجاوز ورسم وقدم من جديد كتاباً ومعرضاً يحوي 230 لوحة عرضت في ثلاث قاعات تحت عنوان "ستون عامًا بين المقاومة والبعث"، والذي استضافه جاليري "ضي" بالمهندسين بالعاصمة المصرية القاهرة.

بمعرض أشبه بمتحف، يتوج عز الدين نجيب مسيرة 60 عامًا من الإبداع، قضاها منذ تخرجه في كلية الفنون الجميلة بداية ستينات القرن الماضي، بين العمل الفني في مؤسسات الدولة بالمحافظات، والاشتباك مع قضايا فنية أوصلته للسجن والحرمان من الوظيفة أحيانًا، وتأسيس مؤسسات ثقافية أهلية تُعنى بالفنون ورئاستها ثم تركها، مرورًا بمؤلفات ومعارض ومقالات نقدية عديدة، كان الهم الوطني واستعادة الهوية والريادة الفنية هي ما تشغله.

عجز ومقاومة

وعن توقيت معرضه الاستعادي الآني، صرح نجيب لـ"جسور بوست": كان الهدف من إقامة المعرض هو أعمال جديدة تولدت بداخلي ورسمت بعض الإسكتشات لها خلال الفترة الماضية، حتى داهمتني محنة المرض وامتدت شهورًا وحالت دون قيامي بأي مجهود لإنتاج عمل جديد، إن المرض محنة، والمحنة امتحان للقدرة على المقاومة، وهي عصب الحياة ولا يتحدى العجز إلا المقاومة، وكان أمرًا ضروريًا بعد الشعور بالعجز الذي اتبعه اكتئاب وتباطؤ في التعافي الجسدي.

ولعز الدين نجيب فلسفة خاصة في مقاومته للمحن التي تعرض لها سنوات عديدة، حيث يرى أن العجز سجن، والسجن قهر للحرية، وتلك زاد الحياة للإنسان وضرورة حتمية للفنان، وحريتنا التي نستعيدها من قهر خارجي مهما بدا ذلك مستعصيًا يمكن تحقيقها بالإرادة البشرية، وفي مقاومة القهر تتبدى لنا المقاومة في حد ذاتها متعة.

ميلاد ومفاجآت

يحكي نجيب عن تجربته: اتخذت قرارًا ساعدني عليه صديقي هشام قنديل صاحب مؤسسة "ضي"، بحجز قاعاتها بمعرض استعادي يضم مراحلي الفنية على مدى 60 عامًا من "1962 إلى 2022"، وما أضيفه إليها من أعمال جديدة، ورحت أُقلّب في مخازن اللوحات وفي أدراج الإسكتشات عن محفزات الإبداع، وكانت في انتظاري مفاجأة أولى كبيرة، وجدت أكثر من 30 تجربة فنية لم تكتمل، ومن ثم لم يسبق عرضها، بين لوحات زيتية كبيرة ولوحات مائية صغيرة، أو بألوان الباستل أو الجواش أو الأحبار، كانت مثل خبيئة منسية، ربما حالت الظروف دون استكمالها، وكان بعضها لوحات تعرضت للتدمير في مرسم المسافر خانة 1976، وبعضها الآخر تعرض للحريق في منزلي في ديسمبر 2010، واحتفظت بأشلائها جميعًا، وهنا جاء التحدي الأعظم، سأعيد إليها الحياة بترميمها ترميمًا جزئيًا أو كليًا، وكذلك الحال بالنسبة للوحات ورقية قضت في مخبئها عشرات السنين، وجدت أن من حقها التحرر من سجنها، أو على الأقل أن أداوي تمزقاتها وجراحها بعد أن أهملتُ علاجها، مثلما أحاول اليوم مداواة جسدي من الألم العضوي.

مفاجأة ثانية صادفها الفنان التشكيلي بعد عثوره على كنزه من اللوحات أن شُفِيَ من المرض وتجاوز محنته معه بعد أن فشلت عشرات الأدوية، كما فشلت العملية الجراحية في التخلص منه، “إلى حد أنني كنت أستمر 16 ساعة أعمل في بعض الأيام، وكلما هدني التعب والألم انبثقت من الرماد ومضة حياة جديدة لإحدى اللوحات، فتنزاح آلام الجسد وكآبة الروح، وأواصل العمل فوق ما تحتمله طبيعة شيخ في مثل سني”.

ثلاثية الحرية والمقاومة والبعث

 

عن الفلسفة التي رسم بها لوحاته ودلالتها يقول: لدي استعراض للوحاتي بمراحلها الزمنية المختلفة، الخيط الرفيع الذي يربط بينها جميعًا رغم اختلاف موضوعاتها وتعبيراتها هو ثلاثية "الحرية والمقاومة والبعث"، وهذه المتلازمة هي الأصل في جوهر الطبيعة والوجود.

وتتجلى ملامح هذه المنظومة في أشكال متباينة، كأطلال بيوت مهجورة لكنها تظل مسكونة بأنفاس أصحابها الراحلين، وقد تتجلى أيضًا من خلال ساق الصبار النحيلة المحرومة من أن يرويها إنسان أو حتى السماء، فجذورها تقاوم الصحراء بالامتداد في أعماق الأرض وتستنشق قطرات الندى، فيشتد عودها وتُسن أشواكها لتكون قادرة على الدفاع عن نفسها، فإذا كان ذلك حال الجماد والنبات، فما بالنا بالإنسان سيد المخلوقات وهو يناديني ويحضني على مقاومة الانكسار والحصار؟

يرى بعض النقاد أن هذه الثلاثية "الحرية والمقاومة والبعث"، تقوم على خلفية تتجاوز المستوى المباشر للطبيعة والواقع، بل تتجاوز المعنى الأدبي والرمزي لاستخدامها في اللوحات إلى أبعاد روحانية. وهو ما يتفق معه عز الدين ويضيف: وقد نجدها عبر معالجات فنية لموضوعات إنسانية حميمية، مثل الحب والموت والأمومة والعمل ومشاعر الخوف من المجهول وانتظار الأمل وغير ذلك.

عناصر ودلالات لوحات عز الدين نجيب

لوحات نجيب في هذا المعرض تحمل من السمات الأدائية والتعبيرية والرمزية الكثير، بها وفرة من مشاعر الخوف والمقاومة، خطوط اللوحات جميعها دائري، يوحي بالاحتضان والدفء، فليس ثمة لوحة واحدة خطوطها مستقيمة أو حادة، تعكس بشكل كبير أحلام الفنان وواقعه ومخاوفه.

 تأتي علاقة الظل بالنور موظفة بوعي ورؤية مشرقة تهب المتلقي شعورًا بالبهجة والنشاط، كما أنها ذات خصوصية تعطي المتلقي انطباعًا بالصدق والمعاناة، تتسع عناصر اللوحات لتشمل المرأة وكل ما هو طبيعي كالجبال والبحر والأمواج، والدوامات المائية والبيوت.

يرى نجيب أن اللوحات بها نوع من المجهول والذي يؤول من بعض النقاد على أنه ميتافيزيقيا، وأنها كائنات خرافية تحركها قوى غيبية، بينما في الحقيقة هي معلومة، وبالتالي أعمالي دوافعها موجودة، ولكن ما وراءها هو ما يحتاج إلى تأويل، هناك قوى غيبية وسياسات خاطئة، ولكن الإنسان دائما موجود.

عز الدين نجيب.. بأقلام النقاد

يصف هشام قنديل، مؤسس ورئيس مجلس إدارة جاليري ضي، إبداعات نجيب: "لقد أبدع نجيب في تكوين مساحة، بل ساحة فنية كبرى لها لوحاتها وقصائدها.. خيال مبدع وروح فياضة بثراء الأركان والأشكال، كلٌ على حدة".

وبعين الفنان التشكيلي حسين بيكار: "قٌدِّر للمصري أن يكون البناء الأول في التاريخ.. وإذا كان الهرم الأكبر العنوان الصارخ لطبعه وفطرة الأصيل.. فينبغي أن يظل هذا الشعار البوصلة التي توجه تحركنا إلى حيث ينبغي.. ومعرض الفنان عز الدين نجيب يؤكد هذا القول، أذكى ما في هذا المعرض هو العزوف عن مهرجان الألوان والالتزام باللون "الطيني" الذي يُكمل المعنى، ويجعل من الكل لحنًا صوفيًا يلمس الأعماق لا السطح".

ويقول الناقد سيد سعيد: “لا يزال عز الدين نجيب رغم كل الاهتزازات والانتكاسات والمحبطات مؤرقًا بقضية الواقع المأزوم، وعز الدين واحد من البنائين المهتمين بالشخصية المصرية، والتي تبحث عن جمالية تستوعب معطيات وفاعليات الثقافة المصرية بهدف استرداد ذلك الكيان”.

سيرة ذاتية للفنان

يعد الفنان عز الدين نجيب، واحدًا من أبرز المهتمين بالفن التشكيلي في مصر في الفترة الراهنة، فهو من أهم نقاد الحركة التشكيلية المعاصرة، حصل على عضوية نقابة الفنانين التشكيليين وعضو مجلس الإدارة بها ومقرر اللجنة الثقافية من (1985- 1989)، وعضو مؤسس باتحاد الكتاب المصريين، وعضو مؤسس بجمعية نقاد الفن التشكيلي 1987، وعضو مجلس إدارة وسكرتير عام جمعية أتيليه القاهرة للفنانين والكتاب (بين سنوات 1976- 1995) وانتخب رئيسًا لها 1995، وعضو مؤسس بلجنة الدفاع عن الثقافة القومية (1985- 1990)، وعضو مؤسس وسكرتير عام الجمعية المصرية لأصدقاء المتاحف 1991، ومؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية المعاصرة منذ عام 1994 وحتى ديسمبر 2000، ورئيس مجلس إدارة الجمعية الأهلية للفنون الجميلة (1996- 1998).

وبالنسبة للأعمال التي كلف بها: المشرف العام على مراكز الفنون التشكيلية (مركز الجرافيك- مركز النحت- وصب البروتر- مركز الخزف بالفسطاط) من 1982- 1990، ومدير تحرير مجلة الشموع 1991، وأسس مجمع الفنون بمدينة 15 مايو وعين مديرا عاما له (ندباً) 1990- 1992، وعين مديراً عاماً للإدارة العامة لمراكز الحرف التقليدية والتشكيلية 1992 حتى مارس 2000، وعمل مديراً عاماً للإدارة العامة لمراكز الإنتاج الفني بقطاع الفنون التشكيلية حتى أحيل للمعاش في عام 2000. وانتدب أستاذاً غير متفرغ لتاريخ الفن والتذوق الفني بكليات الفنون الجميلة والتربية النوعية بالقاهرة ومركز إعداد القادة الثقافيين الرواد بالهيئة العامة لقصور الثقافة من 1985- 2002، ورئيس تحرير موسوعة الحرف التقليدية بالقاهرة التاريخية التي أصدرت عن جمعية أصالة الجزء الأول منها 2004. 

ومن أبرز مؤلفاته الفنية: موسوعة الفنون التشكيلية ثلاثة أجزاء- (دار نهضة مصر 2008)، الأنامل الذهبية- دار نهضة مصر 2009. 

وصدرت له الكتب الثقافية التالية: "الصامتون (تجارب في الثقافة والديمقراطية بالريف المصري) 1985، مواسم السجن والأزهار (المثقف والسلطة) 1997، 1998، والمشاركات في ورش عمل دولية بدعوات خاصة مثل: مقدونيا وتونس وسويسرا، وصدر له كتاب عن تجربته في سجن طرة عام 1975، وفيه يسرد ذكرياته مع 30 من الكتاب والمثقفين الذين اعتقلوا معه بتهمة تأسيس جمعية (كتاب الغد) كواجهة للتيار اليساري الجديد، والكتاب مصحوب بمجموعة رسوم خطية وبورتريهات لعدد من النزلاء قام بتنفيذها على أوراق مهربة داخل السجن، وصدر الكتاب عام 2012، وكتاب (جميل شفيق بين الحلم والأسطورة)- الهيئة العامة للكتاب 2017، وكتاب (فجر التصوير المصري الحديث)- الهيئة العامة للكتاب 2017.

ومن بين الجوائز الفنية التي حصل عليها، الجائزة الثالثة في مسابقة الطبيعة بالمجلس الأعلى للثقافة 1985، وجائزة الاستحقاق من المعرض العام للفنون التشكيلية 1987، والجائزة الثانية في التصوير في مسابقة سيناء للقوات المسلحة 1999، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون 2014.

 


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية

أخبار مميزة