نصلكم بما هو أبعد من القصة

هل ستحرر مدرجات الملاعب الرياضة المرأة من أيديولوجيا الذكورة؟

هل ستحرر مدرجات الملاعب الرياضة المرأة من أيديولوجيا الذكورة؟

من علامات الساعة أن مدرجات ملاعب كرة القدم أصبحت تؤثر في المجتمع أكثر مما تؤثر فيه مدرجات الجامعة! لقد أضحى خطاب مدرجات الجامعة مبحوحاً أو انتهازياً أو مقموعاً، وفي المقابل بدا خطاب مدرج الرياضة مفتوحاً على الحرية والجرأة والتجريب والفرح.

علينا إعادة ترتيب العالم أيها العالم!  

إن الوجود الجغرافي الحيزي للمرأة داخل بعض الفضاءات الاجتماعية والعمرانية العامة في المدينة، يحدد صورة معينة على طبيعة سلّم المساواة ويحيل على سقف الحرية الذي تحوز عليه المرأة في مجتمعاتنا المكبوتة.

وفي الجزائر، لطالما ظلت الرياضة فرجة ذكورية بامتياز، من كرة القدم وصولاً إلى جميع الأصناف والتخصصات الأخرى الخاصة بالمنافسات الفردية أو الجماعية، وتبعاً لذلك ظلت الملاعب فضاء للرجال في غياب كامل للمرأة.

وفي كل الحالات، فهذا الغياب ليس عفوياً أو بريئاً، إنه إقصاء اجتماعي وسياسي وجمالي، فمحاربة الرياضة كطريق تحريري لعقل ولجسد المرأة تبدأ من المدرسة، فبعد أن وضع تيار الإسلام السياسي وبالأساس الإخوان المسلمين يده وقبضته على قطاع التربية والتعليم في الجزائر، بدأت محاربة مادة الرياضة للفتيات، فالرياضة للفتيات، في مفهوم التيار السلفي، هي فتح باب المنافسة الجسدية. الرياضة معادلة للقوة، وتلك من خصوصيات "الرجولة" فقط، وباعتبار أن المرأة تنتمي إلى مربع "ثقافة الطاعة" و"التبعية" و"الملكية" الخاصة، وباعتبار أن المرأة الرياضية هي في موقع التنافس ورفض "الإملاء"، منطلقاً من ذلك يجب محاربة الرياضة للفتاة، فالمرأة الرياضية في عيون "التفكير السلفي المتطرف" كائن ضد "الخنوع"، كائن "مكتف" بقوته الجسدية، بالتالي لا تحتاج إلى حماية "الذكورة"، وهي إذاً متحررة وغير تابعة وهذا يتعارض مع "صورة المرأة" كما يريدها الفكر "السلفي الجنساوي" المتعصب.  

لقد ظلت مدرجات ملاعب كرة القدم ولسنوات طويلة "مستعمرة" ذكورية، فالشباب والرجال على مختلف الأعمار هم من يحق لهم ارتياد الملاعب، في حين ظلت المرأة غريبة بل مقصاة عن هذه الفرجة الرياضية والفنية في الوقت ذاته.

خلال أزيد من نصف قرن، أنتجت مدرجات ملاعب كرة القدم الجزائرية خطاباً سوسيولوجياً ذكورياً مقفلاً، لا يمكن الولوج إليه إلا بالاعتماد على مجموعة من المفاتيح والكودات القائمة على أيديولوجيا الإقصاء والعنصرية الجنسية.  

لقد عرفت مدرجات ملاعب كرة القدم ثلاث لحظات جماهيرية فارقة في تاريخ الجزائر المستقلة، أولها لحظة "الحضور الموسيقي الشعبي" الخاص بالعالم المهمش، وكانت أغنية "الراي" هي لسانه، فكان الفنانون الذين يؤدون أغنية "الراي" من أمثال الشيخة الريميتي والشاب خالد والشاب حسني والزهوانية وغيرهم يملأون المدرجات على آخرها وكانت أغانيهم عبارة عن خطاب "اللوعة" ورفض "التهميش" الذي تعانيه الطبقات الاجتماعية الفقيرة في الأحياء الشعبية المنكوبة ومناطق الظل. ثانيها الحضور الذي عبّرت عنه حركة الإسلام السياسي ممثلة بالأساس  بـ"الفيس"، الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي تمكنت في تسعينيات القرن الماضي من تحويل ملاعب كرة القدم ومدرجاتها إلى منصات سياسية مركزية لتكريس وجودها الأيديولوجي والشعبي القائم على الدجل والعنف والتهويل والتخوين والتكفير، والكل يتذكر كذبة تلك الصورة الضوئية لعبارة الجلالة "الله أكبر" التي كتبت بالليزر في سماء ملعب 5 جولية بالعاصمة، وقُدّمت للسذج من مناضلي هذا الحوب على أنها علامة من الله تبارك وتعالى، يبارك فيها للحزب ولقادته وللمنتسبين إليه. وثالثتها هي لحظة مخاض الحراك الشعبي، إذ كان شباب ملاعب كرة القدم هو من أبدع أهم الشعارات الأيديولوجية والأناشيد السياسية لحراك فبراير (شباط) 2019 الذي أطاح نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وزبانيته.

لقد ظلت مدرجات الملاعب مجالاً أساسياً للاستثمار السياسي من قبل السلطة كما من قبل المعارضة، فالجميع يريد أن يؤكد سلطته ويهيمن على الشارع، انطلاقاً من زرع بعض شعاراته وأناشيده في المدرجات التي هي الوعاء الانتخابي الأهم.

على مدرجات الملاعب الرياضية، نمت الأحزاب، وعلى مدرجات الجامعة، نامت الأحزاب!  

كلما تغير طيف من أطياف مدرجات الملاعب أو تبدل إلا وتغير أو تبدل معه سلوك المجتمع بأكمله، وهو ما ظل يشغل السلطة والمعارضة على حد سواء، إذ الجميع يريد أن يكسب شعارات المدرجات ويتحكم في هذه القوى البشرية الشابة في غالبية الأحيان، يكسبها بالمال أو بالشعارات الدينية أو الشعبوية الطبقية.  

الأفق الجديد

في الأفق شيء ما يحدث، يتغير، يتبدل، ومؤشرات هذا الأمر الانقلابي تجيء من مدرجات الملاعب الرياضية لا من مدرجات الجامعة "العالِمة".

ما لاحظناه في المدة الأخيرة، هو أن المجتمع كلما توجه إلى المعرفة الإلكترونية في معاملاته الاقتصادية والثقافية والرياضية والتجارية، قلّت التفرقة الجندرية وحققت المرأة حضوراً فاعلاً ومتميزاً.

وأول ملاحظة نراها مشحونة بدلالة اجتماعية وسياسية وثقافية وحضارية هي أنه وبمجرد أن وضع المسؤولون عن الرياضة منصة إلكترونية لبيع تذاكر الدخول إلى الملاعب لحضور المباريات، خرجت الأسرة والمرأة من عزلتها، من صمتها، من هامشها، لتقتني بطاقة وتجلس في المدرجات. لاحظنا ذلك بوضوح في مقابلة الجزائر مع الكاميرون التي جرت بمدينة البليدة على بعد 40 كلم غرب العاصمة، فللمرة الأولى وبعد إطلاق هذه المنصة الإلكترونية لاقتناء التذاكر، "غزت" المرأة والأسرة وبشكل واضح مدرجات الملاعب وكسرت أيديولوجيا الحضور الذكوري التي كانت تهيمن عليها.

والغريب أن هذا الوجود الأنثوي والأسري لا يمنح المرأة حريتها ويخرجها من الهامش ومن العزلة فقط، ولكنه يهذب سلوك الأيديولوجيا الذكورية أيضاً ويكبحها، بحيث تتراجع ثقافة العنف في الملاعب، كل أشكال العنف اللغوي والجسدي. وفي ظل هذه اللحظة الاجتماعية الرمزية الجديدة، يبدأ تشكل خطاب مختلف للتعبير عن الفرحة الفردية والجماعية العابرة للحدود الجنسية، كانت الفرحة رياضية أو سياسية أو اجتماعية، خطاب يقل فيه العنف ويظهر فيه التأمل والرمز والاحترام والجمال.

والمؤكد أن وجود المرأة في مدرجات الملاعب يحرر المرأة نفسها ويحرر معها الرجل أيضاً، تحرير سلوكي ولغوي وذهني وأحلامي أيضاً. وجود يغير بنية الوعي، ويعيد النظر في المفاهيم المُسطّرة في المجتمع والتي شيد أسوارها العنصرية الفاصلة الفكر الذكوري القمعي.  

في هذا الحضور، حضور في مدرجات الألعاب الرياضية، تتحرر المرأة من ذهنية المطبخ وذهنية السرير لتدخل بشكل واعٍ أو غير واعٍ، بشكل حماسي أو بتأمل، منطقة جديدة تتحقق فيها القيم الإنسانية العامة، وتتم فيها مراجعات لقيم كثيرة، ظلت تعتقد بأنها من المسلمات.

في هذا الحضور الأنثوي، في حيز ظل "مستعمرة" ذكورية منذ نصف قرن على الأقل، تتأسس بداية ثقافة جديدة مختلفة عن ثقافة "الحريم" و"سوق النساء" وما إلى ذلك من الأحباس التي وضعت فيها المرأة منذ قرون ولا يزال الإعلام العربي والمغاربي الذكوري يؤكدها ويسوق لها.

من خلال هذا الحضور، في هذا المربّع الذي ظل طويلاً مربعاً ذكورياً، تخلق المرأة بشكل عفوي علاقات جديدة مع وجوه جديدة وحركات جديدة ولغة جديدة وأوكسجين جديد.

بعد المقابلة الرياضية، سيتغير من دون شك الخطاب داخل الأسرة نفسها، مفردات الحديث بين الزوجة وزوجها، بين الأخت وأخيها، ولن تشعر المرأة بأنها مبعدة عن التعبير عن جماليات معينة جديدة.

بعد دخول المرأة إلى مستعمرة الذكورة، أي مدرجات الملاعب الرياضية، ستتغير لغة الأسرة وستعود لغة هذه الأسرة لتؤثر في خطاب الشارع، وسوف يتراجع منسوب الكراهية تجاه النساء، بل وسوف يسقط بعض إن لم أقُل كثير من الأحكام المسبقة ضد المرأة التي زرعتها أيديولوجيا موروثة من حلقات ثقافة الإقصاء والعزل والتهميش والاحتقار.

مدرجات وهران بوابة الأمل للمرأة الجزائرية  

في دورة ألعاب البحر المتوسط المنظمة التي تجري بوهران، في دورتها التاسعة عشرة 2022، تحضر المرأة بشكل بارز ووازن وشجاع ومسؤول، تحضر كرياضية ومنظمة وصحافية ومضيفة ومتفرجة، وهي في كل هذه الوضعيات تمارس خلخلة صورة تقاليد الذكورة، ويرافق هذا الحضور في المدرجات حضور في وسائل الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي.

حين شعرت ميليشيات أيديولوجيا الذكورة بأن مجالها اخترق وأن المجتمع يسجل انعطافة حضارية وقفزة نوعية جديدة وجميلة، جنّدت ميليشيات إلكترونية متطرفة للهجوم على هذا الحضور النسوي وتشويهه، بدا ذلك من خلال السب والشتم والقذف لرياضيات جزائريات ظهرن في صورة باللباس الرياضي المطلوب والطبيعي، معتبرين ذلك من "قلة الحشمة" و"قلة الحياء"، وظهر ذلك أيضاً من خلال حجم الكراهية والخطابات العنصرية ضد مجموعة من النساء ظهرن في فيديو وهن في طابور للدخول إلى منافسة في رياضة الملاكمة، حين نقرأ التعليقات على الصورة والفيديو بما تحمله من منسوب الكراهية الجنسية ومن الكلام البذيء، نتأكد أن هناك هزيمة ما تعيشها الأيديولوجيا الذكورية على مدرجات الملاعب وليست على مدرجات الجامعات، مع العلم أن نسبة الإناث في المدرجات الجامعية أكبر من نسبة الذكور؟

وإذ ضرب زلزال مدينة وهران وهي في خضم عرسها الرياضي المتوسطي الكبير والجميل، دورة ألعاب البحر المتوسط، والحمد لله لم يخلف هذا الزلزال أي ضرر لا مادي ولا بشري، خرجت علينا أصوات غريبة تعيش خارج التاريخ وفي معاداة مع العلم ونظام الطبيعة، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لتصبغ على هذا الحدث الطبيعي تفسيراً غريباً وسخيفاً وهو أن الزلزال سببه خروج النساء من فضائهن المعهود إلى فضاء الرجولة، وهو ما جعل السماء تسخط على المدينة الجميلة، وربما أحسن رد على أصوات الجهلاء هذه هو ذلك التعليق القائل: "إذا كان تفسيركم لسبب زلزال وهران هو خروج المرأة لممارسة جميع أصناف الرياضة، فكيف تفسرون الزلزال الذي ضرب أفغانستان حيث المرأة بالبرقع؟"، وحيث النظام الحاكم هناك نظام ديني سياسي ذكوري سلفي؟

يوم يلتحق وعي مدرجات الجامعات بوعي مدرجات الملاعب الرياضية، سنحقق قفزة حضارية كبيرة وسيتحرر الإنسان. وتحية للمرأة التي تجلس في المدرجات متفرجة وتنافس في القاعات الرياضية بكل حرية ومسؤولية.


مقلصا عن “إندبندنت عربية”


كاتب المقال:

أمين الزاوي كاتب و روائي و مفكر يكتب باللغتين العربية و الفرنسية أستاذ كرسي بجامعة الجزائر المركزية ترجمت رواياته إلى ثلاث عشرة لغة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية

أخبار مميزة