نصلكم بما هو أبعد من القصة

شتاء أوروبي مختلف

شتاء أوروبي مختلف

من كان يصدق في الشتاء الماضي أن المفوضية الأوروبية ستناشد الدول الأعضاء فيها توفير استهلاك الطاقة في الشتاء المقبل؟ لا بد أن الأمر يستدعي التحذير الذي وجهته رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، من أن الشتاء المقبل سيشهد غياباً كاملاً أو جزئياً بالنسبة للغاز الروسي، بسبب تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، والعقوبات الغربية ضد موسكو. وحددت دير لاين التخفيض المتوقع بنحو 15 في المائة «لكي يكون الشتاء المقبل أقل برداً على المواطنين الأوروبيين». وتشمل الطاقة الغاز والنفط المستورد من روسيا.
ولا تنفع الاستدارة إلى الفحم لتخفيف وطأة الأزمة؛ فقد كانت القارة الأوروبية تستورد نحو 32 مليون طن من الغاز الروسي سنوياً، علاوة على أن إنتاج روسيا من الفحم الملوث للبيئة تراجع عدة ملايين من الأطنان في السنوات الأخيرة، حسب بيانات شركة «بي بي» البريطانية. وتُقدر احتياطيات الفحم في روسيا -وهو أقدم طاقة عرفها الإنسان- بنحو 162 مليار طن في نهاية عام 2020.
المشكلة الأساسية في استيراد الطاقة والوقود من روسيا، أن العقوبات الأميركية والأوروبية منعت استخدام الدولار في التعامل التجاري، في الوقت الذي ترفض فيه الدول الأوروبية استخدام الروبل الروسي الذي تفضله موسكو لرفع قيمة الروبل.
وقد أطلقت وكالة الطاقة الدولية بالتعاون مع المفوضية الأوروبية خطة جديدة لتقليل الاعتماد على الوقود الروسي، وخفض استهلاك الطاقة. وذكرت الوكالة أن من شأن تنفيذ هذه الخطة توفير 220 مليون برميل من النفط سنوياً، بالإضافة إلى توفير 17 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الذي يكفي لتدفئة ما يقرب من 20 مليون منزل. ويشمل التخفيض التدفئة والتكييف والأجهزة المنزلية الأخرى في المطابخ والحمامات، وكذلك اللجوء إلى نقل العمل من المكاتب إلى المنازل، وتطبيق نظام العمل عن بُعد في الظروف التي تسمح بذلك. وهناك اقتراح للوكالة يدعو إلى تخفيض أيام العمل إلى 3 أيام أسبوعياً في مواقع أخرى لا يمكن نقل تخصصاتها إلى المنازل.
وسيلجأ الأوروبيون إلى وسائل تقنين الوقود التي سبق أن طبقناها في سنوات الحروب أو الحصار الاقتصادي، في العراق وسوريا واليمن ولبنان وليبيا، مثل تجميع الرحلات الفردية في سيارة واحدة، مع الجيران والأصدقاء وتلاميذ المدارس، لتوفير الوقود والمال؛ بل إن أمهاتنا وجداتنا وزوجاتنا حولن المدافئ الفحمية أو النفطية إلى أفران لإعداد الخبز والطعام وتسخين مياه الغسيل، والحاجة أُم الاختراع.
سيتندر الأوروبيون كثيراً وهم يعانون من الحر في الصيف والبرد في الشتاء، كما تندرنا في حروبنا وصولاتنا.
سيعود الأوروبيون إلى المشي على الأقدام أو ركوب الدراجات، تحت شعار «المدن الخالية من السيارات» يوم الأحد من كل أسبوع، كما ورد في تعليمات وكالة الطاقة الأوروبية التي أكدت أن 14 دولة في الاتحاد الأوروبي لديها حافز مالي ضريبي لدعم شراء واستخدام الدراجات الهوائية. وفي أحوال ضرورية يفضل استخدام القطارات على الطائرات في مسافات تقل عن 1000 كيلومتر. ونصحت الوكالة باللجوء إلى «الاجتماعات الافتراضية التلفزيونية» بدلاً من السفر إلى دول مجاورة لحضور هذه الاجتماعات.
طبعاً روسيا ليست في منأى عن عواقب هذا الصراع القائم بينها وبين دول الغرب؛ بل إنها تعاني مثل أوكرانيا من تكلفة الحرب والدمار والقتلى والمخيمات واللاجئين. لكن ما يخفف الوطأة إلى حد ما أن روسيا هي ثالثة أكبر الدول المنتجة للنفط عالمياً بعد الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، وهي الثانية بعد السعودية بين أكبر الدول المصدرة للنفط الخام.
من الدول التي ستساهم في تعويض النقص في إمدادات الطاقة، كما ذكرت الصحف: مصر والجزائر وليبيا، بعد أن طلبت الولايات المتحدة من دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط زيادة إنتاجها من الغاز، لتزويد أوروبا من خلال أنابيب جاهزة عبر إيطاليا وإسبانيا. لكن هذا الأمر قد يحتاج إلى موافقة ضمنية من روسيا، الأمر الذي قد يؤدي إلى تحالفات ومواقف إقليمية جديدة ومعقدة وحساسة.
وعلى صعيد الدول الإسكندنافية -وهي بعيدة إلى حد ما عن جبهة الحرب الأوكرانية- بدأت أجهزة الإعلام والاتصالات العامة ترسل نصائح عامة لمواجهة «شتاء من دون كهرباء». ويقدم التلفزيون السويدي نصائح «ذكية» حول ما يمكن أن يفعله السويديون للتخفيف من «الصدمة الكهربائية»؛ حيث من المتوقع أن تنقطع الكهرباء عن المنازل والشركات في السويد في الشتاء الذي هلّت رياحه الباردة، بسبب نقص الإمدادات الخارجية، نتيجة العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا. إنها عقوبات ذات اتجاهين.
ومن هذه النصائح للسويديين وبقية الإسكندنافيين: ارتداء الملابس الخارجية داخل المنزل هذا الشتاء (وربما الشتاءات التالية) والامتناع عن الاستحمام المتكرر، والتعود على البرد قليلاً داخل المنزل. والرسالة العامة إلى المواطنين هي: «إننا نحتاج إلى تغيير عاداتنا إلى حد كبير، مثل تلك الموجودة في العالم الثالث والدول النامية؛ حيث يوجد نقص كبير في الكهرباء».
من قال إن في بلداننا نقصاً كبيراً في الكهرباء يا تلفزيون السويد؟ نحن لا نحتاج إلى الكهرباء أساساً خشية الصعق المميت. ولا نحتاج المياه للاستحمام لأن إيران وتركيا قطعتها عن العراق وسوريا، بعد أن أنشأت عشرات السدود على الأنهار الدولية التي كانت جارية طوال قرون طويلة.
ومن نصائح مستشار الطاقة السويدي لارس إيجيكلينت في شركة كهرباء «فاتنفال»: ضرورة تغطية النوافذ، وإغلاق فتحات المنزل، وتغيير رأس «الدش» إذا أطلق أكثر من عشرة ليترات ماء في الدقيقة، وتقليل التدفئة تحت أرضية الحمام، وتنظيف الأسنان بالفرشاة العادية وليس الكهربائية. ويمكن إضفاء ملامح رومانسية على المنزل باستخدام الشموع، بدلاً من المصابيح، لتوفير الكهرباء وتجنب قطعها لفترات متكررة، كما جرت العادة في بعض دول الشرق الأوسط ذات الكثافة الميليشياوية.
ندع بلداننا العربية جانباً ونسمع المستشار الألماني أولاف شولتس يصف الحرب الأوكرانية بأنها «تهديد غير مسبوق»؛ سواء على الصعيدين الأمني والاقتصادي. كل العالم يعاني من تداعيات هذه الحرب، حتى في الولايات المتحدة عبر المحيط الأطلسي، فالأميركيون، كما قالت وكالة «سكاي نيوز» يعانون من ارتفاعات غير مسبوقة في تكاليف الوقود والأغذية، دفعت الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الإفراج عن كميات قياسية من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، قدرها مليون برميل يومياً لمدة 6 أشهر من دون جدوى. ويقول المحلل الاقتصادي الإيطالي جورج إدمون، إن روسيا كانت تعلم أن هناك عقوبات في الطريق؛ لذلك استعدت جيداً عبر محاور عديدة، مستغلة الثغرات في الهيكل الاقتصادي والمالي العالمي، وفعلاً تسببت الحرب في اضطرابات في الأسواق العامة وأسعار النفط الخام والغاز الطبيعي. ومن دون أي لف أو دوران، قال المحلل العسكري البريطاني سيمون جنكينز إن العقوبات الغربية ارتدّت إلى صدور الدول الأوروبية. وأضاف في مقال نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية، أن تلك العقوبات الواسعة النطاق على موسكو أدت في الوقت نفسه إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة، وزيادة التضخم، وشيوع المجاعة بين ملايين البشر في الدول الفقيرة.
وخلص المحرر البريطاني إلى أن «العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا ليس لها أي مبرر؛ لأنها غير مجدية، ولم تحقق أهدافها، ولم تجنِ منها الشعوب سوى المعاناة والخراب».
وبصراحة حذر جنكينز من أن «الرئيس الروسي بوتين بإمكانه تجميد أوروبا بأسرها خلال الشتاء المقبل» بتقليص إمدادات الطاقة السابقة بما يقرب من 80 في المائة، وإبطاء إمدادات الأغذية لدول شرق أوروبا وأفريقيا وآسيا، ما يتسبب في معاناة الملايين من البشر، كما أدت فوضى العقوبات الأميركية إلى أن يصبح الروبل الروسي واحداً من أقوى العملات على مستوى العالم حاليا.


نقلا عن الشرق الأوسط


كاتب المقال: داوود الفرحان كاتب عراقي


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية

أخبار مميزة