مدارس مغلقة ورواتب لا تكفي.. أزمة المعلمين تتفجر في شمال سوريا

مدارس مغلقة ورواتب لا تكفي.. أزمة المعلمين تتفجر في شمال سوريا
احتجاجات المعلمين في إدلب

مع انطلاق الفصل الدراسي الثاني في الشمال السوري، فوجئ آلاف الطلاب في محافظة إدلب بأبواب مدارس موصدة وصفوف فارغة، في مشهد يعكس عمق الأزمة المعيشية التي يعيشها المعلمون، بعدما دخل مئات منهم في إضراب مفتوح احتجاجا على تدني الرواتب وتآكل القدرة على تأمين أبسط متطلبات الحياة اليومية، ما وضع العملية التعليمية برمتها أمام مفترق طرق حاسم.

ووفق تقرير بثته قناة "سوريا الآن" الاثنين، فإن الإضراب شمل مئات المدارس في إدلب وريفها، حيث امتنع المعلمون عن التدريس في خطوة وصفوها بأنها صرخة أخيرة بعد سنوات من الصبر على أوضاع اقتصادية تتدهور باستمرار، في ظل غياب حلول عملية ومستدامة من الجهات المسؤولة عن قطاع التعليم في المنطقة.

إضراب بدافع الكرامة

المعلمون أطلقوا على تحركهم اسم إضراب الكرامة، في إشارة إلى أن مطالبهم لم تعد ترفا أو تحسينات هامشية، بل باتت مرتبطة بالحد الأدنى من العيش الكريم، ويؤكد المشاركون في الإضراب أن رواتبهم الحالية لم تعد تكفي لتأمين الغذاء الأساسي لأسرهم، ناهيك عن تكاليف الإيجار والدواء والتعليم.

أحد المعلمين أوضح أن دخله الشهري أصبح عاجزا عن تغطية احتياجات أطفاله الغذائية، مشيرا إلى أن الوعود بزيادة الرواتب تتكرر منذ أكثر من عام دون أن تتحول إلى قرارات فعلية أو أرقام واضحة، ما عمق شعور الإحباط وفقدان الثقة.

مدارس بلا تعليم وأبناء في الصفوف المغلقة

المفارقة المؤلمة في هذا الإضراب أن بعض المعلمين المضربين لديهم أبناء يدرسون في المدارس ذاتها التي توقفت فيها العملية التعليمية. معلمة مشاركة في الإضراب أشارت إلى أن ابنها محروم من الدروس بسبب توقف التعليم، لكنها رغم ذلك اختارت الاستمرار في الإضراب، معتبرة أن استمرار الوضع المعيشي على ما هو عليه يعني مستقبلا أكثر قتامة لأبنائها وللطلاب جميعا.

وتوضح هذه المعلمة أن المعلمين صبروا لسنوات طويلة على أوضاع صعبة، إلا أن موجات الغلاء المتلاحقة وارتفاع تكاليف المعيشة جعلت الاستمرار دون تحرك أمرا مستحيلا، مؤكدة أن الإضراب لم يكن خيارا سهلا بل ضرورة فرضتها الظروف.

رواتب تتآكل وغلاء متصاعد

يقارن المعلمون بين ما كان يعرف سابقا بالمعاش الشهري، والذي كان يتراوح بين 130 و150 دولارا ويكفي الأسرة طوال الشهر، وبين القيمة الفعلية للراتب اليوم، والتي باتت لا تغطي سوى جزء من الاحتياجات ولا تكفي لأكثر من نصف شهر، بحسب تقديراتهم.

هذا التراجع في القوة الشرائية للرواتب جاء نتيجة تدهور العملة وارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات، في وقت لم تواكب فيه الأجور هذا الارتفاع، ما دفع شريحة المعلمين إلى حافة الفقر والعوز.

وعود مؤجلة وثقة مفقودة

ويشير معلمون إلى أن هذا الإضراب هو الثاني خلال عام واحد، إذ سبق أن نفذت الكوادر التعليمية تحركا مشابها في نهاية الفصل الدراسي الأول، حصلوا خلاله على وعود وُصفت حينها بالنوعية، تتعلق بتحسين الرواتب والأوضاع المعيشية.

غير أن تلك الوعود بقيت شفهية وغير موثقة، وصيغت بعبارات عامة مثل قريبا وفي أقرب وقت، دون تحديد جداول زمنية أو نسب زيادة واضحة، الأمر الذي أدى إلى تآكل الثقة بين المعلمين والجهات المسؤولة، ودفعهم إلى العودة للإضراب بشكل أوسع وأكثر تصميما.

مستقبل الطلاب على المحك

هذا التصعيد يضع مصير العام الدراسي في إدلب أمام سيناريوهات مقلقة، إذ إن استمرار الإضراب لفترة طويلة قد يؤدي إلى ضياع فصل دراسي كامل على آلاف الطلاب، في منطقة تعاني أصلا من آثار الحرب والنزوح ونقص الموارد التعليمية.

ويرى تربويون أن أي تأخير إضافي في معالجة مطالب المعلمين سينعكس سلبا على جودة التعليم واستقرار العملية التربوية، محذرين من أن خسارة التعليم في هذه المرحلة الحساسة قد تترك آثارا طويلة الأمد على جيل كامل.

موقف السلطات المحلية

في رد على دعوات الإضراب، أكد محافظ إدلب محمد عبد الرحمن تقدير السلطات المحلية لصبر المعلمين وإدراكها حجم الضغوط التي يواجهونها، مشددا على أن دورهم أساسي في بناء مستقبل الأجيال في المنطقة.

وأضاف أن تحسين أوضاع المعلمين وزيادة رواتبهم مطلب محق، مشيرا إلى أن هناك توجها لرفع الأجور وأن الزيادة قريبة، دون أن يحدد موعدا زمنيا دقيقا أو تفاصيل حول آلية التنفيذ، وهو ما قابله المعلمون بحذر في ظل التجارب السابقة.

قلق مجتمعي واسع

الإضراب لم يقتصر أثره على المدارس فقط، بل أثار قلقا واسعا في أوساط الأهالي، الذين يجدون أنفسهم بين تعاطفهم مع مطالب المعلمين المشروعة وخوفهم على مستقبل أبنائهم التعليمي.

عدد من أولياء الأمور عبّروا عن دعمهم لمطالب المعلمين، معتبرين أن تحسين أوضاعهم سينعكس إيجابا على التعليم، في حين دعا آخرون إلى إيجاد حلول عاجلة تضمن حقوق المعلمين وعدم ضياع حق الطلاب في التعلم.

يعمل قطاع التعليم في محافظة إدلب ضمن ظروف استثنائية منذ سنوات، نتيجة الحرب المستمرة والنزوح الواسع وتراجع الدعم المالي، حيث يعتمد آلاف المعلمين على رواتب محدودة تقدمها جهات محلية أو منظمات داعمة، ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، باتت هذه الرواتب غير كافية لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، ويأتي إضراب المعلمين الحالي في سياق سلسلة أزمات تضرب القطاعات الخدمية في شمال سوريا، ما يجعل ملف التعليم أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمع المحلي، في ظل غياب حلول مستدامة تضمن كرامة المعلم وحق الطالب في التعليم.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية