بحملة أمنية في 81 ولاية.. تركيا تشدد الخناق على شبكات تهريب البشر

بحملة أمنية في 81 ولاية.. تركيا تشدد الخناق على شبكات تهريب البشر
الهجرة غير الشرعية

في واحدة من أوسع الحملات الأمنية التي نفذتها حكومة أنقرة خلال الفترة الأخيرة، أعلنت وزارة الداخلية التركية عن نتائج عمليات تفتيش شاملة استهدفت شبكات تهريب المهاجرين والهجرة غير النظامية في مختلف أنحاء تركيا، وجاءت الحملة في سياق تصاعد الجهود الحكومية لضبط ملف الهجرة وتعزيز الأمن العام، وسط تحديات إقليمية متزايدة وضغوط إنسانية معقدة.

وبحسب ما نقلته صحيفة “زمان” التركية الخميس عن وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا، تمكنت السلطات الأمنية من إلقاء القبض على 19 شخصاً متورطين في تنظيم عمليات تهريب المهاجرين، إضافة إلى ضبط 478 مهاجراً غير نظامي خلال يوم واحد من العمليات المكثفة التي شملت جميع الولايات التركية دون استثناء.

عمليات واسعة النطاق

وأوضح الوزير أن هذه الحملة نفذت بتنسيق مشترك بين رئاسة إدارة الهجرة وعدد من الأجهزة الأمنية المتخصصة، منها دائرة مكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر التابعة للقيادة العامة للدرك، ومديرية مكافحة تهريب المهاجرين والبوابات الحدودية التابعة لمديرية الأمن العام، إلى جانب مشاركة فاعلة من قوات خفر السواحل.

وأشار يرلي كايا إلى أن العمليات جرت في 81 ولاية، وشملت فحص هويات 372409 أشخاص، في مشهد يعكس حجم الاستنفار الأمني واللوجستي الذي رافق الحملة، ويؤكد جدية السلطات في التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية.

انتشار أمني غير مسبوق

وبحسب البيان الرسمي، شارك في هذه الجهود الميدانية 27697 فرداً من القوات الأمنية، مدعومين بـ 8702 فريق عمل، حيث توزعت نقاط التفتيش على 14261 موقعاً شملت أماكن عامة ومحطات نقل ركاب ومناطق حيوية تعد نقاط جذب أو عبور محتملة للمهاجرين غير النظاميين.

هذا الانتشار الواسع يعكس اعتماد السلطات التركية على مقاربة شاملة لا تقتصر على المناطق الحدودية فحسب، بل تمتد إلى عمق المدن والمراكز السكانية، في محاولة لتجفيف منابع التهريب وملاحقة الشبكات المنظمة أينما وجدت.

مقاربة تقوم على القانون والإنسان

وفي معرض حديثه، شدد وزير الداخلية التركي على أن بلاده تتبنى سياسة متوازنة في إدارة ملف الهجرة، ترتكز على احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والقيم الحضارية، مع إعطاء أولوية قصوى للحفاظ على النظام العام والأمن المجتمعي في تركيا.

وأكد أن هذه المقاربة لا تقتصر على البعد الأمني فقط، بل تشمل إدارة شاملة للهجرة النظامية، ومكافحة فعالة لعمليات التهريب، وإدارة متكاملة للحدود، وتوفير الحماية الدولية للمستحقين لها، وصولاً إلى ضمان العودة الطوعية والآمنة والكريمة للمهاجرين غير النظاميين.

بدء إجراءات الترحيل

وفي ختام تصريحاته، أعلن يرلي كايا البدء الفوري في إجراءات ترحيل المهاجرين غير النظاميين الذين تم ضبطهم إلى بلدانهم الأصلية، وفقاً للأطر القانونية المعتمدة، وبما يضمن احترام الكرامة الإنسانية وعدم الإخلال بالالتزامات الدولية لتركيا.

وأشار إلى أن العمليات الاستراتيجية التي نفذتها الدولة خلال الفترة الماضية أدت إلى تحول ملموس في واقع الهجرة، مؤكداً أن تركيا لم تعد وجهة مستهدفة للهجرة غير النظامية، ولا ممراً رئيسياً للعبور نحو أوروبا كما كان الحال في سنوات سابقة.

رسائل داخلية وخارجية

تحمل هذه الحملة رسائل متعددة، في مقدمتها رسالة داخلية تؤكد عزم الدولة على فرض سيادة القانون ومواجهة أي أنشطة إجرامية تستغل معاناة البشر لتحقيق مكاسب غير مشروعة، كما تحمل رسالة خارجية مفادها أن تركيا جادة في الوفاء بتعهداتها الدولية في مكافحة الهجرة غير النظامية، وحماية حدودها، والتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

ويرى مراقبون أن توقيت الحملة يعكس أيضاً رغبة أنقرة في ضبط ملف الهجرة قبل دخوله مجدداً دائرة التجاذبات السياسية الداخلية، خصوصاً في ظل تزايد النقاش المجتمعي حول أعباء الهجرة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.

واقع إنساني معقد

ورغم الطابع الأمني للحملة، فإن ملف الهجرة في تركيا يظل مرتبطاً بواقع إنساني شديد التعقيد، فالكثير من المهاجرين غير النظاميين يصلون إلى البلاد هرباً من النزاعات المسلحة والفقر وانعدام الاستقرار في بلدانهم، ما يجعل التعامل مع هذه الظاهرة تحدياً يتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.

وتؤكد السلطات التركية مراراً أنها تميز بين شبكات التهريب التي تستغل المهاجرين، وبين المهاجرين أنفسهم الذين غالباً ما يكونون ضحايا لتلك الشبكات، وهو ما تحاول ترجمته عبر سياسات توازن بين الحزم القانوني والاعتبارات الإنسانية.

تعد تركيا من أكثر دول العالم استقبالاً للمهاجرين واللاجئين، بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط بين آسيا وأوروبا، وقربها من مناطق تشهد نزاعات مزمنة مثل سوريا وأفغانستان والعراق، وخلال العقد الأخير، تحولت البلاد إلى محطة رئيسية لملايين اللاجئين، خصوصاً بعد اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، ومع تصاعد موجات الهجرة غير النظامية، كثفت أنقرة جهودها لمكافحة شبكات التهريب وتعزيز الرقابة على الحدود البرية والبحرية، بالتوازي مع تطوير منظومة قانونية ومؤسسية لإدارة الهجرة، وتؤكد الحكومة التركية أن استراتيجيتها الحالية تهدف إلى تقليل الهجرة غير النظامية، وضمان احترام حقوق الإنسان، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، في ظل بيئة إقليمية ودولية لا تزال تشهد اضطرابات حادة وتحديات متزايدة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية