بعد 3 سنوات على الكارثة.. مأساة مهاجري كالابريا الإيطالي تعود إلى الأضواء
بعد 3 سنوات على الكارثة.. مأساة مهاجري كالابريا الإيطالي تعود إلى الأضواء
عادت واحدة من أكثر مآسي الهجرة إيلاماً في إيطاليا إلى واجهة المشهد القضائي، بعد قرار تأجيل محاكمة 6 عسكريين إيطاليين أمام محكمة مدينة كروتوني في جنوب البلاد، في قضية تتعلق بغرق قارب مهاجرين قبالة سواحل إقليم كالابريا، المحاكمة التي كان من المقرر عقدها يوم أمس الأربعاء، أُرجئت إلى 30 يناير، في خطوة أعادت إلى الأذهان مشاهد الموت التي صدمت الرأي العام الإيطالي والأوروبي قبل نحو 3 سنوات.
بحسب ما أوردته شبكة "مهاجر نيوز" الخميس نقلاً عن وسائل إعلام إيطالية استناداً إلى مصادر قضائية، فإن العسكريين الستة يواجهون اتهامات تتعلق بالإهمال والقتل غير العمد، على خلفية تعاملهم مع نداءات الاستغاثة الصادرة عن قارب المهاجرين المعروف باسم سمر لوف الذي غرق في 26 فبراير 2023 قرب بلدة ستيكاتو دي كوترو، وأسفرت الحادثة عن مقتل ما لا يقل عن 94 شخصاً، بينهم 35 طفلاً، في واحدة من أسوأ كوارث الهجرة التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة.
جاء قرار التأجيل نتيجة خطأ في تشكيل هيئة المحكمة الجنائية، إذ تبيّن أن الدائرة التي أُحيلت إليها القضية كانت منشغلة في اليوم نفسه بمحاكمة أخرى كبرى تتعلق بعصابة ندرانغيتا، ويُحاكم فيها نحو 60 متهماً. وبناءً على ذلك، تقرر إحالة ملف غرق قارب المهاجرين إلى هيئة قضائية جديدة برئاسة القاضي ألفونسو سيبونا، وعضوية القاضيين جوزيبي كولازو وجياكومو بانيتوني، ما أدى إلى إرجاء الجلسة الأولى في القضية.
اتهامات بالإهمال القاتل
تشمل لائحة الاتهام الموجهة إلى المتهمين الأربعة من شرطة الجمارك واثنين من خفر السواحل، الاشتباه في التقصير الجسيم وعدم التعامل بجدية مع التحذيرات الأولية التي وردت بشأن القارب، وتشير التحقيقات إلى أن العسكريين تلقوا معلومات مبكرة حول وجود قارب مهاجرين في خطر، في ظل أحوال جوية سيئة وبحر هائج، إلا أنهم لم يفعّلوا بروتوكولات البحث والإنقاذ في الوقت المناسب.
تعود تفاصيل الحادثة إلى ليلة 25 فبراير وصباح 26 فبراير 2023، حين رصدت طائرة تابعة لوكالة فرونتكس الأوروبية قارب المهاجرين قبالة سواحل كروتوني، وأبلغت السلطات الإيطالية المختصة، ورغم ذلك، تفيد التحقيقات بأن الجهات المعنية لم تطلق عملية إنقاذ عاجلة، ما أثار لاحقاً تساؤلات حادة حول طبيعة تبادل الاتصالات بين ضباط شرطة الجمارك وخفر السواحل، وحول أسباب عدم تصنيف الحالة على أنها طارئة تستوجب التدخل الفوري.
ضحايا من بلدان متعددة
مع بزوغ الفجر كان الصيادون المحليون أول من اكتشف المأساة. فقد بدأت أمواج البحر تلفظ جثث الأطفال والنساء والرجال على شاطئ ستيكاتو دي كوترو، في مشهد صادم لا يزال محفوراً في ذاكرة سكان المنطقة، ولم تبدأ السلطات بتفعيل إجراءات البحث والإنقاذ إلا بعد انكشاف حجم الكارثة، لكن الوقت كان قد فات بالنسبة لعشرات الضحايا من المهاجرين الذين كانوا يحلمون بالوصول إلى بر الأمان.
أظهرت التحقيقات أن القارب كان يقل مهاجرين من أفغانستان وإيران وباكستان وسوريا، إضافة إلى جنسيات أخرى، وكثير من الضحايا كانوا عائلات كاملة، بينهم أطفال صغار قضوا غرقاً على مرأى من اليابسة، ولا يزال عدد من المفقودين غير محدد حتى اليوم، ما يزيد من معاناة عائلات لم تتمكن حتى من دفن أحبائها.
شهادات إنسانية تهز الضمير
روى شهود عيان تفاصيل مؤلمة عن الساعات الأولى بعد غرق المهاجرين، وقال أحد الصيادين المحليين إنه حمل جثة طفل ظن في البداية أنه لا يزال على قيد الحياة بسبب عينيه المفتوحتين، قبل أن يكتشف أنه فارق الحياة، وأضاف أنه لم يشهد من قبل أشخاصاً يموتون بهذه الطريقة، من جهتها، قالت امرأة تقيم قرب موقع الحادثة إنها شعرت بحزن عميق، مؤكدة أن الضحايا هربوا من بلدانهم بحثاً عن السلام، لكنهم وجدوا الموت على الشاطئ.
في المقابل نفى محامو الدفاع عن العسكريين وجود أي إهمال متعمد، وقال ليون فوانت، محامي أحد المتهمين، إن التحذيرات التي وصلت لم تكن واضحة بما يكفي لتصنيف الوضع حالة طوارئ، مؤكداً أن موكليه تصرفوا وفقاً للمعطيات المتاحة في تلك الليلة، ويصر فريق الدفاع على أن تحميل المسؤولية للمتهمين يتجاهل تعقيدات التنسيق بين الجهات المختلفة.
قلق المنظمات غير الحكومية
أثار قرار تأجيل المحاكمة ردود فعل من المنظمات غير الحكومية المعنية بعمليات الإنقاذ البحري، والتي تشارك بوصفها أطرافاً مدنية في الدعوى، وأكدت هذه المنظمات أن التأجيل، رغم قصر مدته، يفرض إعادة تنظيم لوجستية معقدة لجميع الأطراف، خاصة عائلات الضحايا القادمة من خارج إيطاليا، وأعربت عن أملها في ألا يؤثر ذلك في قدرة هذه العائلات على حضور الجلسات ومتابعة مسار القضية.
شدّدت منظمات إيمرجنسي ولويز ميشيل وميديتيرانيا سيفينغ هيومنز وسي ووتش وإس أو إس هيومانيتي وإس أو إس ميديتيراني على ضرورة أن تراعي إدارة المحاكمة احتياجات عائلات الضحايا بشكل كامل، وأن تضمن حقهم في المشاركة الفعالة، وأكدت أن العدالة لا تكتمل من دون الاستماع إلى أصوات المتضررين مباشرة.
قضية تتجاوز المحكمة
تعيد هذه المحاكمة تسليط الضوء على سياسات الهجرة والإنقاذ في البحر المتوسط، في وقت أصبحت فيه سواحل كالابريا نقطة وصول رئيسية لقوارب المهاجرين القادمين من تركيا أو من شرق ليبيا خلال العامين الأخيرين، وتطرح القضية أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة حول حدود المسؤولية الإنسانية، ودور الدول الأوروبية في حماية الأرواح، والتمييز بين ضبط الحدود وإنقاذ البشر من الموت.
يشكل البحر المتوسط واحداً من أخطر طرق الهجرة في العالم، حيث لقي آلاف المهاجرين حتفهم خلال العقد الأخير أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا، وتتعرض إيطاليا، بحكم موقعها الجغرافي، لضغوط متزايدة في إدارة ملف الهجرة والإنقاذ البحري، وسط جدل سياسي حاد حول دور خفر السواحل ووكالات المراقبة الأوروبية، مأساة ستيكاتو دي كوترو في فبراير 2023 أصبحت رمزاً لهذا الجدل، إذ كشفت عن ثغرات محتملة في التنسيق والاستجابة، وعن ثمن إنساني باهظ يدفعه المهاجرون عندما تتأخر قرارات الإنقاذ. وبينما ينتظر أهالي الضحايا مسار العدالة، تبقى القضية اختباراً حقيقياً لالتزام إيطاليا وأوروبا بحماية الحق في الحياة، مهما كانت جنسية الضحايا أو وضعهم القانوني.










