تحت وطأة النيران.. المدنيون يدفعون فاتورة "خلافات البنادق" في سوريا
تحت وطأة النيران.. المدنيون يدفعون فاتورة "خلافات البنادق" في سوريا
في سوريا، لا تنتهي الحروب حين تصمت الجبهات، بل تبدأ بصوت أكثر هدوءا لكنه أشد قسوة، فتنتقل الصراعات من ساحات القتال إلى غرف السياسة، ومن أزيز البنادق إلى طاولات المفاوضات والنفوذ، فيما يبقى المدنيون وحدهم عالقين في المنتصف، يدفعون فاتورة باهظة لمرحلة انتقالية لم يُسمح لهم يوما بأن يكونوا جزءا من صياغتها.
وبعد أكثر من عقد من الصراع، لم يعد المدنيون السوريون يفرقون بين الحرب والهدنة، ولا بين المعركة والانتقال السياسي، فالنيران التي أحرقت البيوت والقرى لم تنطفئ بل أعادت التموضع، لتظهر في صورة اقتتال متقطع واغتيالات وانفلات أمني وتنافس مسلح على مناطق النفوذ، بينما تظل حياة الناس الهشة هي الهدف الأسهل.
في الأحياء المدمرة، لا يسأل الناس عن خرائط السيطرة، بل عن طريق آمن للمدرسة، وعن مستشفى يعمل، وعن ليلة تمر بلا قصف أو رصاص طائش، غير أن المرحلة الانتقالية، التي يُفترض أن تكون جسرا نحو الاستقرار، تحولت إلى ساحة اختبار جديدة لقوة السلاح لا لسيادة القانون.
ويدفع المدنيون السوريون ثمن خلافات البنادق مضاعفا، مرة حين يُستخدمون دروعا بشرية أو وقودا للضغط السياسي، ومرة أخرى حين تُهمل حقوقهم الأساسية في خضم الترتيبات الأمنية والعسكرية، فيما تتحمل النساء أعباء النزوح والفقر والخوف، ويكبر الأطفال على أصوات الرصاص بدلا من أجراس المدارس، وينتظر الشيوخ نهاية لا تأتي.
وفي غياب منظومة حماية حقيقية، تصبح الحياة اليومية مغامرة محفوفة بالمخاطر، ويغدو البقاء على قيد الحياة إنجازا لا حقا، فالمشكلة ليست في مفهوم المرحلة الانتقالية بحد ذاته، بل في الطريقة التي تُدار بها، فحين تُبنى الانتقالات السياسية على توازنات السلاح لا على العدالة، يصبح المدنيون أول الضحايا وآخر من يُسمع صوتهم.
وعادة ما تغيب العدالة الانتقالية إذا لم تقترن بالمحاسبة والقصاص، فيما يختفي الاستقرار ما لم ينحسر منطق الإفلات من العقاب، حيث لا سلام من دون الاعتراف بأن حماية المدنيين ليس بندا ثانويا، بل جوهر أي مسار سياسي، وأن تجاهل الجرائم والانتهاكات بحجة "الضرورات السياسية" لا يؤسس إلا لجولات جديدة من العنف، ويعيد إنتاج الصراع بأسماء مختلفة.
ولا تتحقق حماية المدنيين في سوريا بالتصريحات والتعهدات، بل بآليات واضحة بوقف فعلي لإطلاق النار يشمل جميع الأطراف، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بلا عوائق، وتحييد المدنيين عن الصراعات المسلحة، وبناء مسار عدالة انتقالية يضع الضحايا في قلبه لا على هامشه، فمن دون ذلك، ستظل المرحلة الانتقالية مجرد عنوان جميل لواقع دموي.
مصالح قوى دولية
ووفق ما رأه المحلل السياسي السوري عبد الرحمن ربوع، في حديثه لـ"جسور بوست"، فإن التطورات الميدانية والعمليات العسكرية الجارية تفرض على الأطراف المتصارعة اليوم ضرورة مراعاة البعدين الإنساني والأخلاقي، محذرا من أن تجاهل ذلك سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية إلى مستويات أكثر خطورة.
وأوضح ربوع أن المتضرر الأساسي من هذه العمليات هم المدنيون، الذين يعيشون اليوم بين الملاجئ وبيوتهم في حالة ترقب دائم لأي رصاصة طائشة قد تودي بحياتهم، معتبرا أن ترويع السوريين مجددا بعد سنوات طويلة من المعاناة أمر غير أخلاقي ولا إنساني.
وفي ما يتعلق بمساعي التهدئة، اعتبر ربوع أن أي خطوة باتجاه وقف إطلاق النار أو إقرار هدنة تُعد أمرا محمودا وملحا في هذه المرحلة، داعيا جميع الأطراف التي لا تزال تحتكم إلى السلاح إلى إدراك أن استمرار القتال لا يخدم حاضر السوريين ولا مستقبلهم، مضيفا "خاضت سوريا حربًا طويلة خسرنا فيها الكثير، ولسنا بحاجة إلى مزيد من الاحتراب والخسارات".
وشدد على أهمية الالتزام الجاد بوقف إطلاق النار بعد الإعلان عنه، مع إعطاء أولوية قصوى لحماية المدنيين، لافتا إلى أن الناس أنهكهم النزوح والخوف، وأن الظروف المناخية والمعيشية القاسية لا تحتمل أي تصعيد إضافي.
وأشار ربوع إلى وجود عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف، من المدنيين المحاصرين في مناطق مثل الحسكة وكوباني، مؤكدا حاجتهم الماسة إلى رسائل طمأنة وضمانات أمنية حقيقية تقدمها الحكومة، ووزارتا الدفاع والداخلية، لا أن تقتصر على التصريحات الإعلامية، بل تُترجم إلى مبادرات عملية للحل، ومنع استغلال المدنيين من قبل أي طرف لتمرير أجندات أو تصفية حسابات سياسية أو تاريخية.
وفي حديثه عن المجتمع الدولي، عبر ربوع عن عدم ثقته بدوره، مؤكدا أن التجربة أثبتت أن الدول تبحث عن مصالحها قبل أي اعتبار إنساني، مضيفا: "ما حك جلدك مثل ظفرك، وعلى السوريين أن يتولوا شؤونهم بأنفسهم"، لا سيما أن استمرار الاقتتال يخدم مصالح قوى إقليمية ودولية تتيح لها التدخل في الشأن السوري، ونهب الموارد، وتشريد المزيد من الشباب.
عودة مشروطة وحكمة غائبة
وتطرق ربوع إلى أثر الحرب على ملف الهجرة، موضحًا أن استمرار الصراع يمنع عودة السوريين المهاجرين والنازحين، إذ إن العودة تبقى مشروطة بتوفير بيئة آمنة وإطلاق عملية إعادة إعمار حقيقية، وتساءل: "كيف يمكن استعادة الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمات في ظل استمرار الاحتراب وانعدام الأمن؟".
وأشار إلى وجود ملايين السوريين في دول الجوار، إلى جانب ملايين النازحين في الداخل، بينهم أكثر من مليون نازح من عفرين والشيخ مقصود والأشرفية، إضافة إلى سكان عشرات المخيمات في إدلب وحلب، حيث يعيش نحو مليوني شخص غير قادرين على العودة إلى مناطقهم الأصلية في حمص وحماة ودمشق ودرعا، بسبب الدمار وغياب الخدمات، لافتًا إلى أن بعض المخيمات باتت أوفر خدمات من مناطقهم الأصلية.
وطالب ربوع الحكومة السورية بالشروع الجاد في إعادة الإعمار لتأمين عودة آمنة للنازحين، محذرا من أن فرض السيطرة بالقوة سيولد ردود فعل معاكسة، وأن الحكم بالسلاح لن يحقق الاستقرار، كما وجه رسالة إلى الفصائل المسلحة، داعيا إياها إلى تغليب الحكمة وتأجيل مطالبها والسعي لتحقيقها تدريجيا عبر المسار السياسي، بدل اللجوء إلى الاقتتال أو الاستعانة بقوى خارجية.
وانتقد ربوع بشدة أي تواصل مع إسرائيل، متسائلًا عن جدوى الرهان على طرف لم يكن يوما حريصا على مصلحة السوريين، على اختلاف انتماءاتهم الدينية أو القومية.
واختتم حديثه بدعوة جميع الأطراف، حكومة ومعارضة وفصائل، إلى التعقل والركون إلى السلم، معتبرا أن السلم في هذه المرحلة ليس ضعفا، بل تعبير عن الحكمة والفطنة والمسؤولية الأخلاقية تجاه شعب أنهكته سنوات الحروب.
(قسد) وراء الصراعات
بدوره اتهم الخبير العسكري والاستراتيجي ورئيس مركز رصد للدراسات الاستراتيجية، العميد عبدالله الأسعد، قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بأنها السبب الرئيسي للمعاناة التي يواجهها المدنيون السوريون تحت النيران مجددا، رغم انتهاء سنوات الصراع العنيف في عهد الأسد.
وأوضح الأسعد في تصريح لـ"جسور بوست" أن (قسد) اعتقدت أن لديها أوراق قوة كبيرة للغاية، وحاولت الاحتفاظ بها، لكن الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة، بصفتها راعية التحالف الدولي، لن تسمح بذلك، إضافة إلى رفض الحكومة السورية الكامل لهذه المحاولات، مشيرا إلى أن انتشار قسد على رقعة جغرافية واسعة جعلها غير قادرة على تغطية المناطق بشكل كامل.
وأشار الأسعد إلى محاولات قسد لاحتكار ملف السجون وعناصر داعش المحتجزين فيها، وكذلك السيطرة على المناطق الغنية بالموارد المائية والزراعية والباطنية، ولا سيما القرى والمدن التي يهيمن فيها العرب على السكان بنسبة ثلاثة إلى أربعة أضعاف المكون الكردي، مؤكدا أن جميع هذه المحاولات فشلت.
وأكد أن الحكومة السورية نجحت في تأمين المدنيين والمخيمات والسجون، والحفاظ على المنشآت الحيوية مثل السدود والجسور، مشددا على أن الإجراءات تمت بطريقة منظمة وأخلاقية وراقية وبمسؤولية عالية.
ولفت الأسعد إلى أن (قسد) حاولت استغلال المدنيين كرهائن ودفعهم نحو أرض المعركة، لكن الحكومة تصرفت بحكمة لحمايتهم، ومنعت أي تجاوز أو استغلال، مؤكدا أن حياة المدنيين كانت في صميم الأولويات خلال جميع العمليات.
وفي سوريا، تبدو المرحلة الانتقالية كأنها جسر هش بين سنوات طويلة من الدم والمعاناة، وبين حلم استقرار بعيد المنال، فالمدنيون الذين خسروا أكثر مما يمكن للكلمات أن تصفه، ما زالوا يدفعون فاتورة خلافات البنادق، ويتحملون عبء صراعات لا يملكون فيها أي أوراق قوة، أما النساء والأطفال والشيوخ فيعيشون بين الخوف من الرصاص وسوء التغذية ونقص الخدمات الأساسية، في حين تُحاك التحالفات السياسية والعسكرية بعيدا عنهم.
ويفترض أن تمنح المرحلة الانتقالية السوريين مساحة للأمل، لكنها تتحول أحيانا إلى امتداد للصراع نفسه، حين تُدار المصالح العسكرية والسياسية على حساب حياة الناس، ومع استمرار النزوح والمخيمات المزدحمة، وغياب البنية التحتية الأساسية، تصبح العودة للأراضي الأصلية والبدء في إعادة الإعمار تحديًا هائلًا، لا يمكن تحقيقه دون توفير بيئة آمنة ومستقرة.










