بعد انسحاب قسد.. فراغ أمني يهدد مخيم الهول بإعادة التطرف وتهديدات داعش
بعد انسحاب قسد.. فراغ أمني يهدد مخيم الهول بإعادة التطرف وتهديدات داعش
مع انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من مخيم الهول في إقليم شمال وشرق سوريا، دخل واحد من أخطر الملفات الأمنية والإنسانية في المنطقة مرحلة غير مسبوقة من الغموض والقلق، حيث بات المخيم الذي يضم عشرات الآلاف من عوائل وعناصر تنظيم داعش خارج السيطرة الفعلية، في ظل فراغ أمني متزايد وتجاهل دولي مستمر، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من تحوله مجدداً إلى مصدر تهديد عابر للحدود.
ووفق ما نقلته وكالة أنباء المرأة، الأربعاء، فإن مخيم الهول الذي طالما وُصف بأنه أحد أخطر بؤر التطرف في العالم، يشهد تصعيداً خطراً بعد إعلان المكتب الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية، يوم أمس الثلاثاء، انسحاب قواته من المخيم، مبرراً الخطوة بحالة اللامبالاة الدولية تجاه ملف داعش وغياب أي تحرك جاد لتحمل المسؤوليات القانونية والإنسانية المرتبطة به.
قرار الانسحاب ودوافعه
أوضحت قوات سوريا الديمقراطية أن قرار الانسحاب جاء نتيجة ضغوط أمنية متزايدة وتفاقم المخاطر التي تهدد مدن وبلدات شمال سوريا، في وقت لم يعد فيه ممكناً الاستمرار بتحمل عبء مخيم يضم آلافاً من المتشددين وأسرهم دون دعم دولي، وأكدت أن المجتمع الدولي فشل في إيجاد حلول مستدامة لهذا الملف، سواء عبر استعادة الدول لرعاياها أو إنشاء آلية قضائية دولية لمحاكمة عناصر التنظيم.
لم يكن مخيم الهول يوماً مجرد مساحة لإيواء نازحين أو لاجئين فارين من الحرب، فمنذ سنوات تحول إلى ما يشبه مدينة مغلقة تعيش على وقع العنف والخوف، وتدار في كثير من جوانبها بعقلية تنظيم داعش. ومع انسحاب القوة التي كانت تمثل خط الدفاع الأخير، بات المخيم أقرب إلى قنبلة موقوتة أُزيل عنها صمام الأمان.
الجذور التاريخية للمخيم
يقع مخيم الهول على بعد 45 كيلومتراً شرق مدينة الحسكة، ويعود تاريخ تأسيسه إلى عام 1991 عقب حرب الخليج الثانية، وعلى مدى عقود، استقبل المخيم موجات متعددة من اللاجئين، قبل أن يتغير طابعه جذرياً بعد اندلاع الحرب السورية وصعود تنظيم داعش.
بعد تحرير بلدة الهول من قبضة داعش عام 2015، بدأ المخيم يستقبل آلاف السوريين الفارين من المعارك وضغوط حكومة دمشق، ثم لحق بهم لاجئون عراقيون بعد تحرير مدينة الموصل عام 2016، ومع مرور الوقت بدأت عوائل عناصر داعش تستقر داخل المخيم، ما فرض تحديات أمنية غير مسبوقة.
شهد المخيم أخطر مراحل توسعه بعد معركة عاصفة الجزيرة في مارس 2019، عقب سقوط منطقة الباغوز آخر معاقل تنظيم داعش في سوريا، حينها نُقل آلاف من عوائل عناصر التنظيم الذين استسلموا إلى مخيم الهول، ليغدو المكان أكبر تجمع لعائلات داعش في العالم.
تداعيات هجوم 2019
في أكتوبر 2019 أدى الهجوم التركي على منطقة كري سبي تل أبيض واستهداف مخيم عين عيسى إلى فرار عشرات النساء المنتميات إلى داعش. ونتيجة لذلك جرى نقل نحو 3000 امرأة وطفل من عوائل التنظيم إلى مخيم الهول، ما ضاعف من خطورته وتعقيد وضعه الأمني.
شهد عدد قاطني المخيم تقلبات كبيرة، إذ وصل في إحدى المراحل إلى نحو 80000 شخص، قبل أن ينخفض لاحقاً نتيجة إعادة آلاف العراقيين إلى بلادهم وعودة بعض السوريين إلى مناطقهم، وينقسم المخيم إلى 6 قطاعات، منها 3 للعراقيين و2 للسوريين وقطاع خاص لعوائل داعش من الجنسيات الأجنبية.
أرقام ومعطيات حديثة
بحسب بيانات إدارة مخيم الهول الصادرة في أبريل 2025، يضم المخيم 3829 عائلة عراقية و4351 عائلة سورية و1895 عائلة أجنبية، إضافة إلى 9 عائلات مجهولة الجنسية، ويعيش داخل هذه الأقسام أكثر من 7000 شخص معروف انتماؤهم إلى داعش، غالبيتهم من النساء والأطفال، إلى جانب أكثر من 1000 رجل بالغ.
خُصص قسم خاص لنساء داعش، صُمم ليكون معزولاً بالكامل عن باقي القطاعات، هذا القسم كان يضم مرافقه الخاصة من سوق ومستشفى، وفرضت فيه قيود صارمة على الحركة لمنع تمدد نشاط الخلايا المتطرفة، إلا أن ذلك لم يمنع التنظيم من فرض سلطته داخله.
تحول مخيم الهول إلى ساحة مفتوحة لجرائم القتل والتصفية، فقد أنشأت النساء المواليات لداعش جهازاً داخلياً يعرف بالحسبة، تولى معاقبة كل من يخالف الفكر المتشدد، ودفعت نساء كثيرات حياتهن ثمناً لمحاولاتهن التخلي عن التطرف أو رفض تربية أطفالهن على منهج التنظيم.
منذ عام 2019 وثقت إدارة المخيم مئات الجرائم، وسجلت 13 حالة قتل في عام 2019، و32 في عام 2020، و96 في عام 2021، و44 في عام 2022، في مؤشر واضح على تصاعد العنف رغم الحملات الأمنية المتكررة.
العمليات الأمنية ومحاولات الاحتواء
اعتباراً من 28 مارس 2021، نفذت قوى الأمن الداخلي وقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية المرأة سلسلة عمليات داخل المخيم، وأسفرت هذه الحملات عن اعتقال 125 عنصراً في العملية الأولى و226 في الثانية و85 في الثالثة و79 في الرابعة، إضافة إلى ضبط أسلحة وأنفاق ومواد متفجرة.
وسط هذا الظلام شكلت جهود وحدات حماية المرأة في تحرير النساء الإيزيديات المختطفات من داخل المخيم بارقة أمل نادرة، فقد تمكنت هذه القوات من إنقاذ عدد من الإيزيديات اللواتي كن محتجزات لدى عناصر داعش، في عمليات معقدة ومحفوفة بالمخاطر.
التطرف في غياب الحلول
رغم النداءات المتكررة، لم يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته، وفشلت الجهود في إنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة عناصر داعش، كما تهربت معظم الدول من استعادة رعاياها من النساء والأطفال، وبين عشرات الدول المعنية، لم تستجب سوى 36 دولة وبأعداد محدودة للغاية.
هذا الإهمال الدولي أسهم في تعميق التطرف الداعشي داخل المخيم، وبرغم محاولات منظمات نسوية محلية لإعادة التأهيل والدمج، بقيت هذه الجهود محدودة التأثير أمام حجم الأزمة وغياب الدعم السياسي والمالي.
يمثل مخيم الهول اليوم واحدة من أعقد القضايا الأمنية والإنسانية في الشرق الأوسط. فهو ليس مجرد تجمع للنازحين، بل بؤرة نشطة لإعادة إنتاج الفكر المتطرف في بيئة مغلقة تفتقر إلى الحلول القانونية الدولية، ومع انسحاب قوات سوريا الديمقراطية، بات المخيم مرآة لفشل المجتمع الدولي في التعامل مع إرث داعش، ويخشى مراقبون من أن يؤدي هذا الوضع إلى ولادة جيل جديد أكثر تطرفاً وتنظيماً، في وقت ينفد فيه الزمن وتتعاظم المخاطر، ما يجعل ما يجري في الهول تهديداً لا يطول سوريا وحدها، بل يمتد إلى الأمن العالمي بأسره.










