شتاء أفغانستان يضاعف الجوع ويثقل كاهل الفئات الأضعف وسوء التغذية يهدد ملايين الأطفال
شتاء أفغانستان يضاعف الجوع ويثقل كاهل الفئات الأضعف وسوء التغذية يهدد ملايين الأطفال
تتفاقم معاناة آلاف الأسر الأفغانية مع استمرار هطول الأمطار الغزيرة والثلوج الكثيفة في شرق البلاد، في وقت يعتمد فيه جزء كبير من السكان على الزراعة بوصفها مصدراً أساسياً للغذاء والدخل، ومع دخول فصل الشتاء ذروته، تحولت الظروف المناخية القاسية إلى عامل إضافي يهدد الأمن الغذائي ويزيد من هشاشة المجتمعات الريفية التي تعاني أصلاً من الفقر وقلة الموارد.
وحذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من أن استمرار هذه الأحوال الجوية سيؤدي إلى تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية في أفغانستان، مشيرة إلى أن التوقعات المناخية لا تبشر بانفراج قريب، وذكرت المنظمة في بيان صدر يوم الثلاثاء أن الأمطار والثلوج ستستمر لمدة أسبوع إضافي على الأقل، مع تسجيل انخفاض حاد في درجات الحرارة في عدد من الولايات الشرقية والجنوبية الشرقية، ما ينذر بتداعيات خطيرة على الإنتاج الزراعي وحياة السكان.
تداعيات مناخية تضرب الزراعة
تشكل الزراعة العمود الفقري لسبل العيش في العديد من المناطق الأفغانية، حيث تعتمد الأسر على المحاصيل الموسمية وتربية المواشي لتأمين احتياجاتها الأساسية، إلا أن الأمطار الغزيرة والثلوج المتراكمة أدت إلى تلف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وعوّقت وصول المزارعين إلى حقولهم، كما تسببت في نفوق أعداد من المواشي نتيجة البرد ونقص الأعلاف.
ويقول مزارعون محليون إن استمرار الطقس القاسي يهدد الموسم الزراعي بالكامل، خاصة في المناطق الجبلية التي يصعب الوصول إليها خلال الشتاء، ومع محدودية الإمكانات وغياب شبكات الأمان، تجد الأسر نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما استهلاك ما تبقى من مخزونها الغذائي المحدود أو اللجوء إلى الديون لتجاوز هذه المرحلة.
تحذيرات أممية من اتساع رقعة الجوع
جاء تحذير منظمة الأغذية والزراعة في وقت كانت فيه وكالات أممية أخرى قد أعربت عن قلقها المتزايد من اتساع نطاق الجوع خلال فصل الشتاء، وتشير تقارير إنسانية إلى أن معدلات سوء التغذية، ولا سيما بين الأطفال، تبلغ ذروتها في هذه الفترة من العام، نتيجة نقص الغذاء وتراجع القدرة على الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية.
وتؤكد المنظمات الإنسانية أن الظروف المناخية الحالية تعمق أزمة إنسانية قائمة، حيث يعاني ملايين الأفغان من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل تراجع المساعدات الدولية وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة بسبب الثلوج والفيضانات.
ضحايا وخسائر بشرية
لم تقتصر آثار العواصف الثلجية والأمطار الغزيرة على الخسائر الاقتصادية والزراعية في أفغانستان، بل امتدت لتشمل خسائر بشرية مؤلمة، ووفقاً لإحصاءات إدارة مكافحة الكوارث الطبيعية التابعة لحركة طالبان، أسفرت العواصف الأخيرة عن مقتل ما لا يقل عن 61 شخصاً وإصابة أكثر من 110 آخرين في مختلف أنحاء البلاد.
وتشير التقارير إلى أن بعض الضحايا لقوا حتفهم نتيجة انهيارات ثلجية أو جراء البرد القارس، في حين أصيب آخرون أثناء محاولتهم إنقاذ أفراد من أسرهم أو حماية ممتلكاتهم، وتعكس هذه الأرقام حجم المخاطر التي تواجهها المجتمعات المحلية في ظل ضعف البنية التحتية وغياب أنظمة إنذار مبكر فعالة.
أسر عالقة بين البرد ونقص الغذاء
في القرى النائية تعيش عائلات كاملة تحت وطأة البرد القارس مع نقص حاد في الوقود ومواد التدفئة. ويزيد انقطاع الطرق بسبب الثلوج من عزلة هذه المناطق، ما يحد من وصول المساعدات الإنسانية ويؤخر عمليات الإغاثة في أفغانستان.
وتحكي أمهات عن صعوبة توفير وجبة واحدة متكاملة لأطفالهن، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع الدخل، ومع تزايد حالات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال دون سن 5 سنوات، تحذر المنظمات الصحية من عواقب طويلة الأمد قد تؤثر في جيل كامل.
الحاجة إلى استجابة عاجلة
تشدد منظمة الأغذية والزراعة على ضرورة تكثيف الجهود الدولية لدعم المزارعين والأسر الريفية، عبر توفير المدخلات الزراعية الطارئة، والأعلاف للمواشي، والمساعدات الغذائية المباشرة، كما دعت إلى تعزيز برامج التغذية للأطفال والنساء الحوامل، باعتبارهم الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
ويرى خبراء أن أي تأخير في الاستجابة سيؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني، خاصة مع استمرار التغيرات المناخية التي تزيد من تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، ويؤكدون أن الاستثمار في الزراعة وتحسين إدارة الموارد الطبيعية يعدان جزءاً أساسياً من الحلول طويلة الأمد.
ملايين الأطفال وسوء التغذية
وبدوره حذّر صندوق الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" من أن نحو 3.7 مليون طفل في أفغانستان يتأثرون سنوياً بسوء التغذية الحاد، وهي حالة ترفع خطر وفاتهم بما يصل إلى 12 ضعفاً مقارنة بالأطفال الأصحاء، وأوضح الصندوق في بيان صدر يوم الثلاثاء 27 يناير أن هذه الأزمة لا تمثل وضعاً طارئاً مؤقتاً، بل هي مشكلة عميقة الجذور استمرت لأكثر من عقدين دون تحسن ملموس.
تؤكد اليونيسف أن سوء التغذية الحاد لا يهدد حياة الأطفال فحسب، بل يترك آثاراً طويلة الأمد قد تلازمهم طوال حياتهم. ففي الأيام الأولى من حياة الطفل يؤدي نقص العناصر الغذائية الأساسية إلى إلحاق أضرار خطيرة بنمو الدماغ، ما ينعكس لاحقاً على قدراتهم التعليمية والمعرفية، كما يتسبب في إضعاف الجهاز المناعي، الأمر الذي يجعل الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الشائعة التي يمكن أن تكون قاتلة في بيئات تفتقر إلى الرعاية الصحية المناسبة.
ويحذر خبراء الصحة من أن الأطفال الذين ينجون من سوء التغذية الحاد غالباً ما يعانون من التقزم وضعف النمو، ما يقلل من فرصهم في مستقبل أفضل ويؤثر في إنتاجية المجتمع كله.
بحسب صندوق الأمم المتحدة للطفولة، فإن أزمة سوء التغذية في أفغانستان ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل تمتد جذورها لأكثر من 20 عاماً، حيث تعاقبت فترات من الجفاف والصراع وعدم الاستقرار الاقتصادي، ما أدى إلى تدهور منظومة الأمن الغذائي والرعاية الصحية.
ورغم الجهود الإنسانية المستمرة، لا تزال معدلات سوء التغذية بين الأطفال مرتفعة بشكل مقلق، خاصة في المناطق الريفية والنائية التي تعاني من ضعف البنية التحتية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، ويشير مراقبون إلى أن غياب الحلول المستدامة جعل الأزمة تتكرر جيلاً بعد جيل.
تراجع التمويل يهدد الاستجابة
في الوقت الذي تتصاعد فيه الاحتياجات الإنسانية، حذرت اليونيسف من تراجع الموارد المالية المخصصة لبرامج التغذية والرعاية الصحية للأطفال، ويشكل هذا التراجع تهديداً مباشراً لاستمرارية الخدمات المنقذة للحياة، خاصة في ظل اعتماد ملايين الأسر الأفغانية على الدعم الدولي لتلبية احتياجاتها الأساسية.
ورغم هذه التحديات، أكدت اليونيسف التزامها بمواصلة دعم علاج الأطفال المصابين بسوء التغذية في أكثر من 3,400 مركز صحي منتشرة في مختلف أنحاء أفغانستان، مشيرة إلى أن هذه المراكز تمثل خط الدفاع الأول لحماية الأطفال من الموت والأمراض.
تعمل المراكز الصحية المدعومة من اليونيسف في ظروف بالغة الصعوبة، حيث تواجه نقصاً في الإمدادات الطبية والكوادر الصحية، إضافة إلى تزايد أعداد الأطفال المحتاجين للعلاج. ويؤكد عاملون في المجال الصحي أن الطلب على خدمات علاج سوء التغذية يفوق في كثير من الأحيان القدرة الاستيعابية للمراكز، ما يضطر بعض الأسر إلى الانتظار أو قطع مسافات طويلة بحثاً عن المساعدة.
وفي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض الدخل، تجد العديد من العائلات نفسها عاجزة عن توفير الغذاء الكافي لأطفالها، ما يزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية قبل الوصول إلى الرعاية اللازمة.
واقع إنساني معقد
تأتي هذه التطورات في سياق وضع إنساني معقد تعيشه أفغانستان منذ سنوات، نتيجة الصراعات الممتدة والأزمات الاقتصادية، ويواجه السكان تحديات متراكمة تشمل الفقر والبطالة وضعف الخدمات الأساسية، ما يجعلهم أكثر عرضة لتأثيرات الكوارث الطبيعية.
ومع كل شتاء قاسٍ تتجدد المخاوف من تدهور الأوضاع الإنسانية، في ظل محدودية الموارد وتراجع الاهتمام الدولي، وتؤكد المنظمات الإنسانية أن معالجة الأزمة الحالية تتطلب نهجاً شاملاً يجمع بين الإغاثة العاجلة ودعم سبل العيش وبناء القدرة على الصمود.
تعاني أفغانستان من واحدة من أسوأ أزمات الأمن الغذائي في العالم، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من نصف السكان يواجهون مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي، ويعتمد نحو 70 في المئة من السكان على الزراعة بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يجعل القطاع الزراعي حساساً للغاية للتغيرات المناخية، وتشهد البلاد بشكل متزايد ظواهر جوية متطرفة، من جفاف طويل الأمد إلى أمطار غزيرة وثلوج كثيفة، وهو ما يفاقم هشاشة المجتمعات الريفية، وفي ظل ضعف البنية التحتية الزراعية ومحدودية الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا، تبرز الحاجة الملحة لدعم دولي مستدام يركز على الإغاثة الفورية وبناء نظم غذائية أكثر قدرة على التكيف مع التغير المناخي.










