برد النزوح وقسوة الفقد يلاحقان عائلات سورية نازحة ضحّت في مواجهة الإرهاب

برد النزوح وقسوة الفقد يلاحقان عائلات سورية نازحة ضحّت في مواجهة الإرهاب
نازحون سوريون- أرشيف

في مشهد إنساني بالغ القسوة يتجدد في شمال سوريا، تروي نازحات كرديات من مدينة الرقة حكايات نزوح جديد فرضته ظروف أمنية معقدة، ليجدن أنفسهن مرة أخرى في مواجهة الفقد والخوف والبرد، بعد سنوات من التضحيات التي قدمتها عائلاتهن في الحرب ضد تنظيم داعش.

وبحسب روايات ميدانية نقلتها وكالة أنباء المرأة الخميس، فإن العائلات التي فقدت أبناءها خلال معارك تحرير الرقة تعيش اليوم أوضاعاً مأساوية في مدينة كوباني، حيث تعاني من نقص حاد في مقومات الحياة الأساسية، وسط تصاعد المخاوف من انتهاكات جديدة دفعتهم إلى ترك منازلهم والنزوح مجدداً.

نزوح تحت التهديد

تؤكد شهادات النازحات أن موجة النزوح الأخيرة جاءت نتيجة مخاوف حقيقية من التعرض لانتهاكات جسيمة، مع دخول مجموعات مسلحة إلى مدينة الرقة، ما دفع مئات العائلات إلى الهروب حفاظاً على حياتها وكرامتها، وتقول زليخة أحمد، وهي أم فقدت ابنها خلال معارك تحرير المدينة من داعش، إن الخوف من تكرار مآسٍ سابقة كان الدافع الأكبر لمغادرتهم منازلهم بشكل عاجل.

وتضيف أن العائلات لم تحمل معها سوى القليل، تاركة خلفها منازلها وممتلكاتها، في رحلة نزوح محفوفة بالمخاطر، انتهت بها في مراكز إيواء تفتقر إلى أدنى مقومات العيش الكريم.

مراكز إيواء مكتظة

تستضيف مدينة كوباني نحو 200 ألف نازح ونازحة من الرقة والطبقة ومخيم تل أبيض، في ظل إمكانيات محدودة وظروف حصار تضيق الخناق على السكان، وتحولت بعض المرافق الخدمية، مثل مستشفى فيان، إلى مراكز إيواء مؤقتة تستقبل عشرات العائلات التي تفترش الأرض وتفتقر إلى وسائل التدفئة.

وتصف زليخة الواقع داخل هذه المراكز بأنه قاسٍ إلى حد لا يُحتمل، خاصة مع تساقط الثلوج وانخفاض درجات الحرارة، ما أدى إلى انتشار الأمراض بين الأطفال، في ظل نقص الأغطية والرعاية الصحية.

صدمة العودة المؤقتة

لم تمضِ سوى أسابيع قليلة حتى قررت زليخة العودة إلى الرقة لتفقد منزلها، أملاً في استعادة جزء من حياتها السابقة، إلا أن الصدمة كانت قاسية، فقد وجدت منزلها خالياً تماماً من محتوياته، بعد أن تعرض للنهب الكامل.

تقول إن ما بقي من منزلها لم يتجاوز الجدران، مشيرة إلى أن الباب الذي أغلقته بإحكام تم اقتلاعه، وأن كل ما ادخرته العائلة لسنوات اختفى، وتضيف بحزن أن فقدان الأمل في العودة أصبح واقعاً، بعدما تحولت المنازل إلى أطلال منهوبة.

عائلات الشهداء في دائرة الاستهداف

تتحدث النازحات عن شعور عميق بالظلم، مؤكدات أن العائلات التي قدمت أبناءها في الحرب ضد داعش أصبحت اليوم عرضة لما وصفنه بعمليات انتقام، وتشير زليخة إلى أن عائلتها، التي فقدت أكثر من فرد في المعارك، تعيش اليوم مأساة مركبة، حيث ترك ابنها طفلتين يتيمتين، فيما ترعى بناتها أطفالاً فقدوا آباءهم في الحرب.

وتضيف أن هذه التضحيات لم تشفع لهم لتجنب المعاناة الحالية، بل على العكس، زادت من هشاشتهم في ظل غياب الحماية والدعم.

شهادات عن انتهاكات صادمة

من جانبها، تروي أميرة صبري تفاصيل نزوحها بعد حوادث عنف شهدتها قرى قريبة من الرقة، مؤكدة أن ما حدث دفع العديد من العائلات إلى الفرار خوفاً من المصير ذاته، وتشير إلى مقتل عدد من المدنيين واختطاف فتيات، ما عزز حالة الذعر بين السكان.

وتؤكد أن العائلات لم تكن ترغب في مغادرة منازلها، لكن تصاعد الانتهاكات أجبرها على ذلك، في ظل غياب أي ضمانات للأمان.

أطفال في مواجهة البرد

في مراكز الإيواء، يواجه الأطفال ظروفاً قاسية مع غياب وسائل التدفئة، حيث تنتشر نزلات البرد والأمراض الموسمية، وتوضح أميرة أن الوضع الصحي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، في ظل نقص المساعدات الطبية والغذائية.

وتطالب بضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مؤكدة أن العائلات لن تصمت عن حقها في العدالة، وأنها ستواصل المطالبة بحمايتها وحقوقها الأساسية.

أزمة إنسانية ممتدة

تعكس هذه الشهادات واقعاً إنسانياً معقداً يعيشه النازحون في شمال سوريا، حيث تتداخل تداعيات الصراع المسلح مع الأزمات الاقتصادية والإنسانية، لتخلق بيئة شديدة القسوة على المدنيين، خاصة النساء والأطفال.

ويشير مراقبون إلى أن استمرار النزوح وتدهور الأوضاع المعيشية ينذران بتفاقم الأزمة، في ظل محدودية الاستجابة الدولية وغياب حلول سياسية شاملة تضمن الاستقرار والأمان للسكان.

شهدت مدينة الرقة واحدة من أعنف المعارك خلال الحرب ضد تنظيم داعش، حيث تعرضت لدمار واسع قبل إعلان تحريرها في أكتوبر 2017، ومنذ ذلك الحين، واجهت المدينة تحديات كبيرة في إعادة الإعمار وعودة السكان، وسط استمرار التوترات الأمنية في بعض المناطق، وتعد موجات النزوح المتكررة من أبرز سمات الأزمة السورية، حيث اضطر ملايين السوريين إلى مغادرة منازلهم أكثر من مرة بسبب تغير خطوط السيطرة وتصاعد العنف، وتظل المناطق الشمالية من البلاد، بما فيها كوباني، من أكثر المناطق تأثراً بهذه التحولات، في ظل محدودية الموارد وارتفاع أعداد النازحين.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية