الحرمان من التعليم.. اليونسكو واليونيسف تحذران: جيل كامل مهدد بالضياع في أفغانستان
الحرمان من التعليم.. اليونسكو واليونيسف تحذران: جيل كامل مهدد بالضياع في أفغانستان
بمناسبة اليوم العالمي للتعليم، عاد ملف الفتيات الأفغانيات المحرومات من الدراسة إلى واجهة الاهتمام الدولي، كأحد أكثر ملفات حقوق الإنسان إلحاحا في العالم اليوم، ففي بلد أنهكته عقود من الحروب والأزمات، أصبح التعليم حلما مؤجلا لملايين الفتيات، مع استمرار السياسات التي تحظر عليهن الوصول إلى المدارس بعد المرحلة الابتدائية، ما يهدد مستقبل مجتمع بأكمله.
وأعلنت منظمتا الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف، في بيان مشترك صدر السبت، أن 2.2 مليون فتاة في أفغانستان محرومات من التعليم بعد الصف السادس، لتبقى أفغانستان الدولة الوحيدة في العالم التي يُمنع فيها التعليم الثانوي والعالي بشكل كامل عن النساء والفتيات، بحسب بيانات المنظمتين الأمميتين.
التعليم حق لا يقبل التأجيل
أكدت اليونسكو واليونيسف أن التعليم ليس امتيازا أو خيارا ثانويا، بل حق أساسي من حقوق الإنسان، وركيزة جوهرية للسلام والكرامة وتكافؤ الفرص. وشددتا على أن حرمان الفتيات من الدراسة لا ينعكس فقط على حياتهن الفردية، بل يقوض مستقبل البلاد بأسره، ويضعف فرص التنمية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل.
وترى المنظمتان أن أي مجتمع يحرم نصف أفراده من التعليم يحكم على نفسه بالتراجع، لأن التعليم هو المحرك الرئيسي للنمو، وبوابة المشاركة في الحياة العامة، وأداة أساسية لبناء مؤسسات قادرة على الصمود.
أرقام تعكس مأساة صامتة
تشير البيانات الأممية إلى أن أكثر من مليوني فتاة أُجبرن على التوقف عن التعليم في أفغانستان منذ فرض القيود الأخيرة، وهو رقم لا يعكس فقط غيابهن عن الفصول الدراسية، بل خسارة متراكمة في رأس المال البشري والمعرفي، فكل عام دراسي مفقود يعني فجوة أوسع في المهارات، وتضييعا لفرص العمل، وارتفاعا في معدلات الفقر والاعتماد على المساعدات.
وتحذر اليونسكو من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى آثار لا يمكن عكسها، حيث ستنشأ أجيال من الفتيات محرومات من أبسط أدوات المعرفة، في وقت يحتاج فيه البلد إلى إعادة بناء شاملة على المستويات كافة.
أصوات أممية تحذر من الثمن
لفتت مديرة مكتب اليونسكو في أفغانستان سو هيون كيم إلى أن حرمان الفتيات من التعليم لا يعاقبهن وحدهن، بل يدفع المجتمع بأسره ثمن هذا الإقصاء، وأوضحت أن التعليم هو الاستثمار الأكثر جدوى لأي دولة تسعى إلى الخروج من دائرة الأزمات، وأن إغلاق أبواب المدارس أمام الفتيات يعني إغلاق أبواب المستقبل أمام الأمة كلها.
من جانبه، أشار ممثل اليونيسف تاج الدين أويواله إلى أن أفغانستان تعاني أصلا نقصا حادا في الكوادر النسائية المؤهلة، مثل المعلمات والطبيبات والممرضات، وحذر من أن حرمان الفتيات اليوم من التعليم سيجعل من الصعب غدا توفير رعاية صحية وتعليمية ملائمة للنساء والفتيات، في مجتمع لا تزال فيه الحاجة ماسة إلى وجود نساء عاملات في هذه القطاعات الحيوية.
تداعيات اجتماعية واقتصادية
لا يقتصر أثر حرمان الفتيات من التعليم على الجانب التعليمي فحسب، بل يمتد إلى بنية المجتمع ككل. فالتعليم يرتبط ارتباطا مباشرا بصحة الأسرة، ومستوى الدخل، ومشاركة المرأة في الحياة العامة، وقدرتها على اتخاذ قرارات تؤثر في حياتها وحياة أبنائها.
وتحذر تقارير أممية من أن استمرار القيود التعليمية سيؤدي إلى ارتفاع معدلات الزواج المبكر، وزيادة الفقر، وتراجع المؤشرات الصحية، فضلا عن تكريس أنماط التمييز وعدم المساواة، كما أن إقصاء النساء من التعليم والعمل يقلل من قدرة الاقتصاد الوطني على التعافي، ويضعف فرص جذب الاستثمارات والمساعدات التنموية.
دعوة إلى تحرك دولي عاجل
طالبت اليونسكو واليونيسف المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية حق التعليم في أفغانستان، وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة، ودعتا إلى تعزيز الاستثمار في التعليم، لا سيما دعم المعلمات والبنية التحتية التعليمية، وضمان توفير بدائل تعليمية آمنة وشاملة للفتيات، إلى حين إعادة فتح المدارس بشكل كامل.
وأكدت المنظمتان أن دعم التعليم في أفغانستان ليس عملا إنسانيا فحسب، بل استثمار في الأمن والسلام العالميين، لأن المجتمعات المحرومة من التعليم تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات والتطرف وعدم الاستقرار.
اليوم العالمي للتعليم ومعناه
يأتي هذا التحذير الأممي بالتزامن مع إحياء اليوم العالمي للتعليم، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2018، ليكون الرابع والعشرين من يناير يوما يسلط الضوء على الدور المحوري للتعليم في تحقيق السلام والتنمية المستدامة، ويهدف هذا اليوم إلى تذكير العالم بأن التعليم هو الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات العادلة، وأن ضمانه للجميع دون تمييز هو مسؤولية جماعية.
وفي حالة أفغانستان، يتحول هذا اليوم من مناسبة احتفالية إلى لحظة مساءلة أخلاقية للمجتمع الدولي، حول مدى قدرته على حماية حق أساسي يُسلب أمام أنظار العالم.
شهد قطاع التعليم في أفغانستان انتكاسات متتالية خلال العقود الماضية بسبب النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي. ومع التغيرات الأخيرة في الحكم، فُرضت قيود صارمة على تعليم الفتيات، شملت إغلاق المدارس الثانوية والجامعات أمامهن، ما أدى إلى واحدة من أسوأ أزمات التعليم القائمة على النوع الاجتماعي في العصر الحديث.
وتؤكد الأمم المتحدة أن التعليم يمثل عنصرا محوريا في إعادة بناء أفغانستان، وتحقيق التنمية البشرية، وتعزيز حقوق المرأة، ومع استمرار حرمان الملايين من الفتيات من هذا الحق، تتزايد المخاوف من ضياع جيل كامل، ومن ترسيخ حلقة مفرغة من الفقر والتهميش، يصعب كسرها دون تدخل دولي جاد وإرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة الإنسان الأفغاني في الصدارة.










