على طريق العدالة.. انطلاق مسار أممي في ليبيا يربط المصالحة بحقوق الإنسان

على طريق العدالة.. انطلاق مسار أممي في ليبيا يربط المصالحة بحقوق الإنسان
ليبيا - أرشيف

داخل الأراضي الليبية المُوجعة بالصراعات والحروب، لا تبدو العدالة مفهوماً قانونياً مجرداً، بل جرح مفتوح في الذاكرة الجمعية يتوارثه الليبيون جيلاً بعد جيل، حيث تعاقبت النزاعات وتحطمت الأحلام بتماسك الدولة على وقع السلاح والانقسام، لم يعد السؤال عن السلام منفصلاً عن سؤال الكرامة، ولم تعد المصالحة ممكنة دون مواجهة صريحة مع إرث الانتهاكات التي أثقلت كاهل البشر قبل أن تُثقل ملفات السياسة.

على مفترق طريق حاسم ينطلق مسار أممي جديد يحاول كسر الحلقة المفرغة ذاتها، حيث تُدار المصالحة بشكل فوقي، وتُؤجل العدالة، وتُختزل حقوق إنسان في بيانات صامتة، إذ يروج لهذا المسار باعتباره يمثل ربطًا لما انقطع لسنوات طويلة، وبأنه سيجعل من حقوق الإنسان حجر الأساس لأي تسوية سياسية أو اجتماعية، لا بنداً ثانوياً يُستدعى عند الضرورة.

ولم تكن سنوات الصراع الليبي مجرد صراع على السلطة، بل كانت في جوهرها سنوات من الألم الإنساني الصامت، حيث الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والمقابر الجماعية التي لا تزال تنتظر أن تُحكى قصص ضحاياها، إذ تفتش الأمهات في الصور عن ملامح أبنائهن، وناجون يحملون في أجسادهم وذاكرتهم آثار التعذيب، ومجتمعات كاملة تعلمت التعايش مع الخوف بوصفه جزءًا من الحياة اليومية الاعتيادية.

في هذا السياق يصبح الحديث عن المصالحة دون مساءلة أشبه بمحاولة بناء بيت على أرض متصدعة، فالتسامح القسري لا يضمد الجراح، والنسيان المفروض لا يصنع سلاماً دائماً ومستقراً، بل يؤجل الانفجار إلى لحظة أخرى أكثر قسوة وتوحش.

ويطرح المسار الأممي رؤية مختلفة، تقوم على أن العدالة الانتقالية ليست ترفاً سياسياً بل ضرورة إنسانية، فتحقيق العدالة يتطلب الاعتراف بالضحايا، وإعادة الاعتبار لهم، قبل أن يتم البحث عن صيغ للتعايش بين الخصوم، فالاعتراف في حد ذاته خطوة أولى نحو التئام الذاكرة، ونحو تحويل الألم الفردي إلى درس جماعي يمنع تكرار المأساة.

ويركز هذا المسار على آليات متعددة أبرزها، كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم الإفلات من العقاب، وهي ملفات تبدو ثقيلة في بلد أنهكته الصراعات والحروب، لكنها تظل الطريق الوحيد نحو دولة لا يخشى مواطنوها القانون، بل يطمئنون إليه.

رغم أهمية هذا المسار لا يخلو الطريق من شكوك عميقة، ولا سيما أن الثقة المفقودة بين الليبيين والانقسامات السياسية والعسكرية تجعل أي مسار أممي عرضة للتجاذب أو التعطيل، كما يخشى كثيرون أن تتحول العدالة الانتقالية إلى مجرد شعار، يُستخدم لتجميل تسويات هشة، دون أن يلامس فعلياً معاناة الضحايا.

ومع ذلك يظل هذا المسار نافذة أمل في مشهد قاتم، وأمل في أن تُستعاد إنسانية النقاش حول ليبيا، وأن يُنظر إلى الليبيين لا بوصفهم أطراف نزاع، بل بشر يستحقون العدالة والكرامة والأمان، حيث يقف البلد العربي على مفترق حقيقي، إما مصالحة تُبنى على الصمت والتجاوز القسري، فتظل هشة وقابلة للانهيار، أو مصالحة شجاعة تواجه الماضي، وتضع حقوق الإنسان في قلب المستقبل.

مسار عدالة تصالحية

بتفاؤل مشوب بالحذر، شدد الحقوقي الليبي ناصر الهواري، في حديث لـ"جسور بوست"، على أهمية انطلاق المسار الأممي الذي يربط المصالحة الوطنية بحقوق الإنسان، معتبرًا أن ليبيا تقف اليوم على مفترق محاولة جديدة لجلب العدالة، مقترحاً تبني مسار العدالة التصالحية بوصفه خياراً واقعياً في ظل التعقيدات الراهنة.

وأكد الهواري، مؤسس المرصد الليبي لحقوق الإنسان ورئيس منظمة ضحايا حقوق الإنسان الليبية، أن الدعوات لربط المصالحة بحقوق الإنسان ليست جديدة، بل جرت المطالبة بها مرارًا، ما يضمن عدم إهدار حقوق المواطنين، لافتاً إلى ضرورة أن تُستبق أي مصالحة حقيقية بعدالة انتقالية تشمل جبر ضرر الضحايا، ورد المظالم إلى أصحابها، وإصلاح فساد مؤسسات الدولة وغيرها من الاختلالات البنيوية.

وأوضح أنه في ظل الوضع القائم حالياً في ليبيا، من الصعب الوصول إلى مسار يجمع بين المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان في آن واحد، مرجعاً ذلك إلى أن كثيراً من النافذين في المشهد الليبي، سواء المحسوبون على الدولة أو المليشيات المسلحة، متهمون بارتكاب انتهاكات جسيمة، مضيفاً أن ربط المصالحة بضرورة تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة هؤلاء أولاً، سيجعل هذا المسار طويل الأمد، وقد لا يتحقق على المدى القريب.

وانطلاقًا من ذلك، طرح الهواري "مسار العدالة التصالحية" بوصفه بديلاً ممكناً، مشيرًا إلى أن لكل دولة خرجت من مرحلة صراع ظروفها الخاصة، مستشهداً بتجارب دول مثل رواندا وجنوب إفريقيا وأفغانستان ولبنان وغيرها من الدول التي خاضت مسارات مصالحة صُممت بما يتلاءم مع أوضاعها الداخلية.

وأضاف أن ليبيا دولة تضم مجتمعاً قبلياً بطبيعته، يضاف إلى ذلك وجود مليشيات مسلحة ومجموعات محسوبة على الدولة تقترف جرائم وانتهاكات، متسائلًا: “كيف يمكن محاكمة هؤلاء في ظل موازين القوة الحالية؟”

الحل طويل المدى

كما رأى الهواري أن تبني نوع من العدالة التصالحية التي تنهي الخصومة بين الفرقاء وتضع البلاد على بداية طريق المصالحة الوطنية، قد يكون الحل الأنسب في المرحلة الراهنة، حتى وإن لم تتحقق مصالحة شاملة في المدى القريب، أو تم إرجاء تحقيق العدالة الكاملة، باعتبار أن هذه المسارات تحتاج إلى وقت طويل، مؤكدًا أن أي خطوة تُخرج ليبيا من حالة الجمود وتدفعها إلى الأمام تظل أفضل من استمرار الأزمة.

وفيما يتعلق بدور المجتمع الدولي، انتقد الهواري أداء الأمم المتحدة، معتبراً أنها ترفع شعارات مثل "الحوار المُهيكل" وغيرها من مئات الجلسات والحوارات التي لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، موضحًا أن الأمم المتحدة لا تملك سلطة حقيقية ولا أدوات فعلية لردع المليشيات أو وقف الجرائم التي ترتكبها.

وأشار إلى أن الأمم المتحدة تجد صعوبة حتى في زيارة السجون الليبية، أو إنصاف الضحايا، أو الإفراج عن محتجزين في سجون شرق البلاد وغربها، ما يعكس محدودية تأثيرها في الأرض، مشدداً على أن القرار الحاسم بيد مجلس الأمن الدولي وليس البعثة الأممية، ولا سيما أن الأول يمتلك أدوات الضغط الحقيقية، من فرض العقوبات على قادة المليشيات وتجميد الأرصدة والمنع من السفر، إلى ملاحقتهم دوليًا في حال مغادرتهم ليبيا.

واستشهد بما قامت به المحكمة الجنائية الدولية من توقيف أسامة النجيم، وما تلا ذلك من إلقاء القبض على خالد البوتي في ألمانيا، مؤكدًا أن الآليات الدولية وحدها قادرة على إحداث فارق حقيقي ووضع حد لانتهاكات المليشيات، حيث تظل الأزمة الحقوقية قائمة ما لم تتحقق مصالحة وطنية حقيقية، وما لم يجلس الفرقاء على طاولة واحدة للاتفاق على إنهاء الأزمة وفتح صفحة جديدة، تتضمن محاسبة الجناة وتعويض الضحايا؛ لأن غياب ذلك يعني استمرار النزيف الحقوقي بلا أفق.

وأضاف أن الأمم المتحدة، في حد ذاتها، غير قادرة على حل الأزمة، وأن دور المبعوث الأممي يقتصر على التوفيق بين الأطراف أو إدارة حوار أو أزمة، في حين يظل الحل الحقيقي بيد المجتمع الدولي، وخاصة مجلس الأمن والدول النافذة، إلى جانب الفاعلين المحليين من قادة عسكريين وأمنيين ورؤساء مليشيات، لافتاً إلى أن الحل الشامل للأزمة الليبية قد يستغرق سنوات طويلة، وربما عقداً من الزمن أو أكثر، إذا كان الهدف هو الوصول إلى سلام دائم.

واستدرك الهواري بالإشارة إلى أنه رغم استمرار الأزمة الحقوقية، فإن بعض الحلول الجزئية أسهمت في تحسين الوضع نسبياً، مثل الإفراج عن عدد من السجناء، وعودة بعض المهجرين، معتبرًا أن هذه الخطوات تعكس تحسناً محدوداً لكنه مهم في واقع حقوق الإنسان.

مخاوف من التلاعب

بدوره قال الحقوقي الليبي، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، الدكتور عبد المنعم الحر، في حديث لـ"جسور بوست"، إنه يتابع عن كثب المسار الأممي الجاري، واصفاً ما يحدث حالياً بأنه خطوة إيجابية ومهمة، مع استدراكه في الوقت ذاته بأن "الحذر واجب".

وأرجع الحر هذا التوصيف إلى أن ملف المصالحة والعدالة الانتقالية يُعد من الملفات المصيرية في بلاده، لارتباطه المباشر بمصير الضحايا وذويهم، فضلًا عن ارتباطه بمستقبل الوطن بأكمله، مشدداً على ضرورة إدراك أن المصالحة الوطنية لا يمكن أن تنفصل عن سياق العدالة الانتقالية، وأن هذا الملف تحديدًا قابل للتسييس والمتاجرة به لتحقيق مصالح ضيقة لبعض الفاعلين السياسيين، إذا لم يُدَر بحذر ومسؤولية.

وأكد الحر أن العدالة الانتقالية من الملفات التي لا يمكن فتحها بشكل سليم إلا في ظل وجود دولة مستقرة، وحكومة منتخبة من الشعب، تبسط نفوذها على كامل الإقليم الليبي، ما يضمن تطبيق آلياتها بعيدًا عن الضغوط والمساومات.

وأعرب الدكتور عبد المنعم الحر عن مخاوفه من احتمال التلاعب أو المتاجرة الجيوسياسية بملف العدالة الانتقالية، مشيرًا إلى أن لهذا المسار آلياتاً معتمدة ومتفقاً عليها دولياً، غير أن سياق تطبيقها يختلف من دولة إلى أخرى، ما يستوجب احترام خصوصية كل مجتمع عند الشروع في أي تجربة للعدالة الانتقالية.

مصالحة ودوافع جيوسياسية

وفي هذا الإطار دعا الحر القائمين الليبيين على هذا المسار إلى إشراك مختلف مكونات المجتمع الليبي دون استثناء، ومنها الأقليات والنساء والشباب ومنظمات المجتمع المدني، مع تأكيد أهمية المشاركة الفاعلة لذوي الضحايا، فضلًا عن ضرورة الاهتمام بملفي الأرشفة وإحياء الذكرى، لما لهما من دور جوهري في حفظ الذاكرة الوطنية.

وأضاف: “رغم وجود أمل حقيقي في هذا الاتجاه، فإن هذا الأمل يظل حذرًا”؛ نظرًا لحساسية هذا الملف وخطورته، وضرورة أن تكون كل خطوة فيه محسوبة بدقة، موضحًا أن تحذيراته تستند إلى خبرة مستخلصة من متابعة أكثر من أربعين تجربة للعدالة الانتقالية حول العالم.

وشدد الحر على أنه لا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية حقيقية بعد نزاع أو ثورة، كما هو الحال في ليبيا، دون المرور عبر مسار العدالة الانتقالية أو خارج إطاره، داعيًا إلى تحديد الجناة والجرائم المرتكبة، وحصر الضحايا وأنواع الأضرار التي لحقت بهم، سواء كانت مادية أو معنوية، تمهيدًا لتفعيل آليات المحاسبة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، قبل الانتقال إلى مرحلة المصالحة الوطنية.

وحذر الحر من القفز على هذه الخطوات الجوهرية، والذهاب مباشرة إلى مصالحة وطنية سريعة بدوافع أو حسابات جيوسياسية لبعض الأطراف الفاعلة في المشهد الليبي خلال المرحلة الانتقالية، معتبرًا أن ذلك يشكل خطراً حقيقياً على مستقبل العدالة والاستقرار في البلاد.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية