في فيلم رؤيا.. مخرجة إيرانية تحوّل التعذيب إلى سينما وتحكي قصة سجن إيفين

في فيلم رؤيا.. مخرجة إيرانية تحوّل التعذيب إلى سينما وتحكي قصة سجن إيفين
سجن إيفين في إيران

لم تجد صانعة الأفلام الوثائقية الإيرانية والناشطة في مجال حقوق المرأة مهناز محمدي وسيلة لمواجهة تجاربها القاسية في سجن إيفين بطهران سوى اللجوء إلى الخيال، فحولت ذكرياتها المؤلمة إلى عمل سينمائي يحاول نقل جانب من حياة السجينات في واحد من أكثر السجون إثارة للجدل في إيران.

وفي مقابلة نشرتها وكالة رويترز يوم الاثنين، قالت محمدي إن فيلمها الجديد رؤيا الذي يعرض لأول مرة يوم الأربعاء في مهرجان برلين السينمائي يقدم قصة خيالية عن معلمة محتجزة في سجن إيفين، لكنه في الوقت ذاته يستند إلى تجربة شخصية عاشتها خلال اعتقالات متكررة بتهم تتعلق بالأمن القومي ونشر معلومات كاذبة.

لغة الخيال لمواجهة الذاكرة

أوضحت محمدي أن تحويل تجربتها الشخصية داخل سجن إيفين إلى فيلم واقعي بالكامل لم يكن ممكنا، سواء بسبب القيود المفروضة على حرية التعبير أو بسبب قسوة التفاصيل التي لا يمكن عرضها كما هي. وقالت إنها اضطرت إلى حجب الكثير من الوقائع حتى يصبح الفيلم قابلا للمشاهدة.

وأضافت أن السرد التقليدي لم يكن قادرا على نقل التجربة كما شعرت بها، لذلك سعت إلى إيجاد لغة بصرية مختلفة تسمح للمشاهد بأن يعيش جزءا من تلك المعاناة، بالنسبة لها لم يكن الهدف تقديم قصة سياسية فقط، بل منح الجمهور فرصة للشعور بما يمر به المعتقلون داخل الزنازين.

تصوير سري تحت القيود

منذ عرض فيلمها الروائي الطويل الأول ابن وأم عام 2019، لم يُسمح لمحمدي بالتصوير داخل إيران، وهو ما دفعها إلى إنجاز فيلم رؤيا في ظروف سرية، ويعد هذا القرار مخاطرة كبيرة في بلد تواجه فيه الأصوات الناقدة قيودا شديدة.

يبدأ الفيلم من داخل الزنزانة، حيث يضع المشاهد في أجواء الاحتجاز من خلال صور وأصوات مكثفة مثل الأضواء المبهرة التي لا تنطفئ، وصراخ السجناء، وأساليب التحقيق، والزنازين الضيقة المكتظة، وهذه العناصر تشكل الخلفية التي تتحرك فيها بطلة الفيلم، وهي معلمة تحمل اسم رؤيا تؤدي دورها ميليسا سوزين.

حلم مشوش بين الماضي والحاضر

في سياق العمل، تبدو رؤيا وكأنها تتحرك داخل حلم مشوش، تتنقل بين ذكرياتها وتجاربها الراهنة داخل السجن، في لقطات تتسم بالقلق وعدم الاستقرار، وهذا الأسلوب البصري يعكس حالة الانفصال عن الزمن والمكان التي يعيشها كثير من المعتقلين، حيث تتداخل الأيام والذكريات حتى تفقد حدودها.

الفيلم لا يقدم حبكة تقليدية بقدر ما يحاول إعادة خلق الإحساس النفسي بالاحتجاز، من خلال مشاهد تبدو أحيانا مجرد ومضات ذهنية أو ذكريات متقطعة، وهو ما يتوافق مع رؤية محمدي بأن التجربة لا يمكن نقلها بطريقة سردية تقليدية.

صوت لمن تم إسكاتهم

تقول محمدي إن صناعة الفيلم بعد تجاربها مع الاعتقال لم تكن سهلة، لكنها شعرت بضرورة إنجازه لتمنح صوتا لمن لا يستطيعون الحديث عن معاناتهم، وترى أن الفن قد يكون أحيانا الوسيلة الوحيدة لكسر الصمت المفروض على السجناء والناشطين.

وتأتي مشاركة الفيلم في مهرجان برلين في وقت تعود فيه إيران إلى دائرة الاهتمام الدولي بعد موجات من الاحتجاجات التي واجهتها السلطات بحملات اعتقال وقمع واسعة، وتقول المخرجة إن هذه التطورات تعكس صعوبة الظروف التي يعيشها كثير من الإيرانيين، وتؤكد الحاجة إلى رواية هذه القصص.

سجن إيفين رمز للخوف

يمثل سجن إيفين منذ سنوات طويلة رمزا لاعتقال المعارضين والمفكرين والصحفيين ومزدوجي الجنسية في إيران، وتقول منظمات حقوقية إن السجن شهد حالات تعذيب وسوء معاملة، بينما تنفي السلطات الإيرانية هذه الاتهامات وتؤكد أن الإجراءات المتبعة تتوافق مع القانون.

بالنسبة لمحمدي، فإن هذا المكان لم يكن مجرد موقع جغرافي، بل تجربة نفسية قاسية تركت أثرا عميقا في حياتها، وهو ما حاولت التعبير عنه من خلال العمل السينمائي الجديد.

السينما كمساحة للنجاة

يرى كثير من النقاد أن أفلام محمدي تنتمي إلى تيار السينما الإيرانية التي تستخدم لغة إنسانية وشاعرية لطرح قضايا سياسية واجتماعية معقدة، وفي فيلم رؤيا، يتجسد هذا الاتجاه من خلال التركيز على التجربة الداخلية للشخصية أكثر من الأحداث الخارجية.

تؤكد محمدي أن الخيال لم يكن هروبا من الواقع، بل وسيلة لفهمه والتعامل معه، فالتجارب القاسية التي عاشتها داخل السجن لا يمكن سردها مباشرة، لكنها يمكن أن تتحول إلى صور وأصوات ومشاعر تنقل جزءا من الحقيقة إلى الجمهور.

يعد سجن إيفين الواقع في شمال طهران أحد أشهر السجون الإيرانية وأكثرها إثارة للجدل، إذ يستخدم منذ عقود لاحتجاز المعتقلين السياسيين والصحفيين والنشطاء، تأسس السجن في سبعينيات القرن الماضي خلال حكم الشاه، ثم استمر استخدامه بعد الثورة الإسلامية عام 1979. وتقول تقارير حقوقية دولية إن السجن شهد حالات تعذيب وانتهاكات لحقوق الإنسان، بينما تؤكد السلطات الإيرانية أن الاتهامات مبالغ فيها وتستند إلى دوافع سياسية، وخلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد احتجاجات سبتمبر 2022، ارتفعت أعداد المعتقلين السياسيين والناشطين، ما أعاد سجن إيفين إلى واجهة الاهتمام الدولي وأثار دعوات متكررة لتحسين أوضاع المحتجزين وضمان حقوقهم القانونية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية