في يوم التوعية بمسائل نزع السلاح.. كيف تقوض النزاعات حقوق الإنسان حول العالم؟
في يوم التوعية بمسائل نزع السلاح.. كيف تقوض النزاعات حقوق الإنسان حول العالم؟
يحتفل العالم في 5 مارس من كل عام باليوم الدولي للتوعية بمسائل نزع السلاح وعدم الانتشار، وهي مناسبة تهدف إلى تسليط الضوء على المخاطر المرتبطة بالأسلحة التقليدية والنووية وضرورة ضبط انتشارها، ما يحمي المدنيين ويحد من النزاعات المسلحة، ووفق تقرير الأمم المتحدة لعام 2025، فإن أكثر من 80 دولة حول العالم تواجه تحديات كبيرة تتعلق بتداول الأسلحة الصغيرة والمتوسطة، ما يسهم في وقوع آلاف الضحايا المدنيين سنويًا، خصوصًا في مناطق النزاع مثل أفغانستان، وسوريا، وشرق أوكرانيا، وغيرها.
ويؤكد اليوم الدولي أهمية تعزيز التعاون الدولي والإقليمي لضمان التزام الدول بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحد من انتشار الأسلحة، مثل معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية، واتفاقية تجارة الأسلحة، والمعاهدة الدولية للأسلحة النووية، كما يشدد على ضرورة توفير آليات رصد ومساءلة فعالة لمنع استخدام الأسلحة في قمع الاحتجاجات أو استهداف المدنيين، وذلك ضمن إطار القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
ويشكل هذا اليوم فرصة لتذكير المجتمع الدولي بأن الأمن المستدام لا يتحقق إلا من خلال الحد من انتشار الأسلحة، وحماية حقوق المدنيين، وتمكين المجتمعات من العيش في سلام، خاصة في المناطق التي تعاني نزاعات طويلة ومعقدة، حيث غالبًا ما تتحول الأسلحة غير المنضبطة إلى عوامل مباشرة في الانتهاكات الإنسانية.
حرب أوكرانيا أكبر أزمة في أوروبا
تمثل الحرب الروسية في أوكرانيا التي بدأت في فبراير 2022 واحدة من كبرى النزاعات المسلحة في العالم في العصر الحديث، وقد خلفت آثارًا إنسانية بالغة التدهور، وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن النزاع تسبب في مقتل أكثر من 50 ألف مدني وإصابة عشرات الآلاف، في حين أصبح أكثر من 7.9 مليون شخص نازحين داخليًا، وما يزيد على 7.5 مليون لاجئ فرّوا خارج البلاد بحثًا عن الأمان، وقد دمرت البنية التحتية المدنية بشكل واسع، مع تضرر أكثر من 50% من المستشفيات و نصف المدارس في المناطق المتأثرة، ما يزيد من هشاشة المجتمعات وقدرتها على التعافي بحسب تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.
إثيوبيا: نزاع تيغراي وتبعاته الإنسانية
تعاني إثيوبيا، خاصة منطقة تيغراي، من نزاع مسلح اندلع في نوفمبر 2020 بين القوات الحكومية والأطراف المسلحة المحلية، وقد أدت الأعمال القتالية إلى سقوط آلاف القتلى وتشريد مئات الآلاف، مع تدمير واسع للممتلكات والبنية التحتية، وتشير تقارير منظمات حقوق الإنسان إلى أن الآلاف من المدنيين قتلوا داخل منازلهم، في حين يغادر آخرون مناطق النزاع بحثًا عن الأمان، مع نقص حاد في الغذاء والخدمات الصحية الأساسية.
الصراع في غزة والضفة
في قطاع غزة والضفة الغربية، يتواصل العنف والاشتباكات المسلحة، خصوصاً في أعقاب حروب متكررة بين القوات الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية، وقد أسفرت هذه المواجهات عن سقوط آلاف القتلى والجرحى بين المدنيين، وتهجير واسع للعائلات، بالإضافة إلى تدمير المنازل والمؤسسات الأساسية، وتشير الأمم المتحدة إلى أن معدلات الفقر والبطالة قد ارتفعت بشكل كبير، في حين يعتمد غالبية السكان على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم اليومية.
سوريا وليبيا: نزاعات طويلة الأمد
لا تزال سوريا تواجه واحدة من أطول النزاعات في العالم منذ 2011، حيث خلفت الحرب أكثر من 500 ألف قتيل وآثارًا مدمرة في المجتمع والاقتصاد والبنية التحتية مع ملايين النازحين داخليًا وخارجيًا، وفي ليبيا يستمر الصراع المسلح بين الفصائل المتقاتلة، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وتشريد عشرات الآلاف، وتعطيل الخدمات الأساسية وانهيار الجهاز الحكومي في مناطق واسعة، وفق تقارير الأمم المتحدة.
مأساة إنسانية عالمية
بحسب تقارير الأمم المتحدة ومراكز دراسات النزاعات، يعيش أكثر من 100 مليون شخص داخل أو قرب مناطق النزاع المسلح حول العالم، يتعرضون لتهديد مباشر على حياتهم وأمنهم وسبل عيشهم، وتوضح البيانات أن النزاعات المسلحة هي السبب الرئيسي في حالات النزوح القسري، إذ بلغ عدد النازحين داخليًا في العالم أكثر من 53.2 مليون شخص بنهاية 2025، في حين تجاوز عدد اللاجئين المسجلين دوليًا 31.7 مليون لاجئ، غالبيتهم من السوريين والأفغان والجنوب سودانيين واليمنيين، وفق مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
السلاح يعمّق الانتهاكات ويعرقل التنمية
تشير تحليلات المنظمات الحقوقية إلى أن انتشار السلاح العنيف لا يقتصر تأثيره على ساحات القتال فحسب، بل يعمّق الانتهاكات ضد المدنيين، ويقوّض الأطر القانونية للدولة، ويقوض الحقوق الأساسية مثل الحق في الحياة والتعليم والصحة والعمل، وتؤكد منظمة العفو الدولية أن الأسلحة المستخدمة في مناطق النزاع غالبًا ما تسقط ضحايا مدنيين بصورة غير متناسبة، مع بقاء قليل من آليات المساءلة والمحاسبة، وفق منظمة العفو الدولية.
القانون الدولي الإنساني والتزامات حماية المدنيين
يؤكد القانون الدولي الإنساني، ومنه اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة ومنع استهدافهم أو استخدامهم ورقة ضغط، وتنص القواعد على ضرورة تمييز القوات المسلحة بين الأهداف العسكرية والمدنية، وتجنّب استخدام الذخائر والأسلحة التي تسبب أذىً واسعًا للمدنيين، كما تحظر القوانين الدولية استخدام القوة المفرطة ضد السكان المدنيين، وتدعو إلى تقديم مرتكبي الانتهاكات إلى العدالة والمساءلة.
أدانت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان استمرار العنف في النزاعات المختلفة، مؤكدة أن استمرار النزاعات المسلحة وانتهاكاتها يُعرّض ملايين المدنيين للقتل والجرح والتهجير القسري، ودعت المفوضية الدول الأطراف إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون معوقات إلى المدنيين المحتاجين، وحماية الفئات الأكثر ضعفًا مثل النساء والأطفال وذوي الإعاقة.
تداعيات النزاعات على حقوق الإنسان والتنمية
تعكس دراسات تاريخية أن النزاعات المسلحة في القرن العشرين والحادي والعشرين خلفت وراءها مآسي بشرية غير مسبوقة؛ فالحرب العالمية الثانية وحدها أودت بحياة عشرات الملايين، في حين أدّت الحروب المعاصرة منذ 1980 إلى مقتل أكثر من 20 مليون شخص وتشريد مئات الملايين وتوضح هذه الإحصاءات أن النزاعات المسلحة لا تزال تشكل واحدة من أخطر التهديدات لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة في العالم.
تؤثر النزاعات المسلحة بشكل مباشر في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ تظهر الأرقام أن الأطفال في مناطق النزاع أقل احتمالًا للالتحاق بالمدارس، في حين تواجه النساء والنازحات مخاطر العنف الجنسي والاستغلال، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 426 مليون طفل يعيشون في مناطق نزاع، وهو ما يؤثر في تعليمهم وصحتهم ومستقبلهم الاقتصادي، وفق تقارير اليونيسيف.
دعوات لإنهاء دوامة العنف ونزع السلاح
في يوم التوعية بمسائل نزع السلاح، تؤكد الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية أن خفض انتشار الأسلحة التقليدية والحالية والمتقدمة، وتطبيق معاهدات مثل معاهدة تجارة الأسلحة والتحالفات الدولية ضد الأسلحة غير المشروعة، يمثلان خطوة أساسية نحو حماية المدنيين وإنقاذ الحياة وحقوق الإنسان، كما تدعو هذه الهيئات إلى تعزيز آليات العدالة الدولية لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات ضد المدنيين أثناء النزاعات.
بين النزاعات الممتدة في أوكرانيا واليمن وسوريا وليبيا وإثيوبيا وغيرهم، يعيش ملايين المدنيين تحت تهديد دائم لسلاح الفتك والدمار، ما يجعل يوم التوعية بنزع السلاح مناسبة للتذكير بأن حماية المدنيين واحترام حقوق الإنسان في زمن النزاع ليست خيارًا إنسانيًا فحسب، بل التزام قانوني وأخلاقي على المجتمع الدولي العمل على تحقيقه.











