حراس الحقيقة في مرمى النيران.. هل تحوّلت الصحافة الحربية إلى شهادة وفاة مؤجلة؟

حراس الحقيقة في مرمى النيران.. هل تحوّلت الصحافة الحربية إلى شهادة وفاة مؤجلة؟
السلاح في وجه القلم- أرشيف

في ظل النزاعات والحروب المستمرة حول العالم، يظهر الصحفيون الحربيون كحماة للحقيقة في ساحات مليئة بالدمار والنيران. هؤلاء المراسلون، الذين يغامرون بحياتهم لنقل الأحداث من الخطوط الأمامية، يواجهون تهديدات تتجاوز وابل الرصاص، لتشمل المخاطر النفسية والجسدية التي تهدد سلامتهم اليومية.

ورغم التقدم التكنولوجي والقوانين الدولية التي من المفترض أن توفر لهم الحماية، فإن الواقع يكشف عن عكس ذلك؛ تستمر الاعتداءات والانتهاكات ضد الصحفيين بوتيرة متزايدة، ففي تطور مأساوي جديد، أعلنت القناة الأولى الروسية عن مقتل مراسلتها الحربية آنا بروكوفييفا جراء انفجار لغم أرضي أثناء تغطيتها للأحداث في منطقة بيلغورود، بالقرب من الحدود الأوكرانية. لم تكن بروكوفييفا الضحية الوحيدة، فقد أصيب المصور ديمتري فولكوف، الذي كان يرافقها، في الحادث.

وكانت بروكوفييفا، البالغة من العمر 35 عامًا، قد كرست حياتها للصحافة، وتخرجت في جامعة الصداقة بين الشعوب بتخصص الصحافة، وأتقنت اللغة الإسبانية، مما مكنها من العمل في مكتب التحرير الإسباني لوكالة "روسيا سيفودنيا"، ثم انضمت إلى القناة الأولى الروسية في عام 2023، مقتلها يسلط الضوء على المخاطر المتزايدة التي يواجهها الصحفيون في المناطق الساخنة.

ارتفاع أعداد الضحايا

وفقًا للجنة حماية الصحفيين (CPJ)، قُتل 94 صحفيًا على الأقل أثناء تغطيتهم للنزاعات المسلحة في عام 2023، بزيادة قدرها 44% مقارنة بالعام السابق، وثقت المنظمة مقتل أكثر من 2000 صحفي منذ عام 1992، مما يجعل الصحافة واحدة من أخطر المهن في العالم. 

وتصاعدت المخاطر بشكل كبير مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، حيث وثقت "مراسلون بلا حدود" مقتل 17 صحفيًا منذ بداية الصراع في فبراير 2022، بالإضافة إلى عشرات الإصابات والاعتقالات التي طالت الصحفيين المحليين والدوليين.

ولم تقتصر الاعتداءات على الصحفيين على ساحات القتال التقليدية فقط، بل امتدت إلى حملات استهداف ممنهجة تشمل الاختطاف والاغتيالات المقصودة. ففي سوريا، على سبيل المثال، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان 712 انتهاكًا ضد الصحفيين منذ عام 2011، بينما تشير بيانات "فريدوم هاوس" إلى أن 70% من الصحفيين الذين يغطون مناطق النزاع تعرضوا للتهديدات المباشرة.

ويعاني الصحفيون من أزمات نفسية حادة نتيجة تعرضهم المستمر لمشاهد العنف والدمار، وكشف دراسة أجرتها جامعة هارفارد في عام 2022 أن 60% من الصحفيين الذين غطوا النزاعات المسلحة يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، بينما يعاني 40% منهم من القلق المزمن والاكتئاب، وتبرز هذه الأرقام الحاجة الملحة لتوفير دعم نفسي متخصص للصحفيين الذين يصبحون شهودًا على المآسي الإنسانية دون أي آليات كافية للتعامل مع تبعاتها.

حماية غير كافية

رغم وجود تشريعات دولية تحمي الصحفيين، مثل اتفاقية جنيف لعام 1949، التي تنص على ضرورة حماية المراسلين الحربيين، فإن هذه القوانين غالبًا ما تبقى حبرًا على ورق، في عام 2023، أظهرت إحصائيات لجنة حماية الصحفيين أن 80% من حالات قتل الصحفيين لم يتم محاسبة مرتكبيها، مما يعكس بيئة الإفلات من العقاب التي تسمح باستمرار هذه الجرائم.

ومع تصاعد المخاطر، تبرز الحاجة إلى تقنيات حديثة لحماية الصحفيين؛ طورت بعض المؤسسات الإعلامية سترات واقية ذكية مجهزة بأجهزة استشعار ترصد المؤشرات الحيوية وتبعث إشارات استغاثة في حالة تعرض الصحفي للخطر، كما يجري العمل على تطوير خوذات مزودة بكاميرات متصلة بالأقمار الصناعية تتيح بثًا مباشرًا لحماية المراسلين في البيئات الخطرة، لكن هذه الحلول التقنية تظل محدودة التأثير إذا لم تترافق مع إرادة دولية حقيقية لفرض احترام القوانين وحماية الصحفيين.

لكن الدور الأساسي في حماية الصحفيين يظل مرهونًا بالتدريبات المتخصصة والتحضيرات الشخصية.. تشير البيانات إلى أن الصحفيين الذين يخضعون لدورات تدريبية حول السلامة الميدانية لديهم فرصة نجاة أعلى بنسبة 70% مقارنة بمن لم يتلقوا هذه التدريبات، لهذا السبب، أصبحت بعض المؤسسات الإعلامية الكبرى تشترط حصول مراسليها على دورات في الإسعافات الأولية والبقاء على قيد الحياة في البيئات العدائية قبل إرسالهم إلى مناطق النزاع.

وفي ظل هذه التحديات، يبقى السؤال الأبرز: كيف يمكن للمجتمع الدولي ضمان حماية الصحفيين الذين يكرسون حياتهم لنقل الحقيقة؟ الإجابة تكمن في تضافر الجهود بين المؤسسات الإعلامية والمنظمات الحقوقية والحكومات لتوفير بيئة عمل آمنة للصحفيين، وتعزيز المساءلة القانونية ضد كل من يستهدفهم. فالحقيقة، في نهاية المطاف، لا يمكن أن تموت، لكن أولئك الذين ينقلونها يستحقون الحماية التي تضمن استمرارهم في أداء رسالتهم السامية.

السلامة المهنية للصحفيين

أكد المستشار الأمني ومدرب الصحافة الحربية، أحمد العميد، أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية مباشرة في ضمان سلامة الصحفيين الذين يعملون في مناطق النزاع، مشددًا على أهمية توفير التدريب والتجهيزات اللازمة، بما في ذلك أدوات الحماية الشخصية، والاستشارات الأمنية، والدعم المالي واللوجستي، فضلًا عن إشراك الصحفي في اتخاذ القرارات الميدانية المتعلقة بسلامته.

وأوضح العميد، في تصريحات لـ"جسور بوست"، أن من بين الإجراءات الأساسية التي ينبغي اتباعها، إنشاء وسيلة اتصال مستمرة بين الصحفي ومؤسسته الإعلامية، لضمان المتابعة الدورية لحركته من خلال وسائل تكنولوجية متطورة أو مصادر ميدانية موثوقة، ويمكن تحقيق ذلك عبر بروتوكولات تواصل محددة، مثل إرسال رسالة متفق عليها في فترات زمنية منتظمة، وفي حال انقطاع التواصل، يجب على المؤسسة الإعلامية اتخاذ إجراءات عاجلة للتحقق من سلامة الصحفي. كما يمكن اعتماد أنظمة تتبع متقدمة عبر الأقمار الصناعية أو أجهزة GPS لضمان المراقبة الدقيقة لحركة المراسلين في الميدان.

وفي ما يتعلق بالمعايير الدولية لحماية الصحفيين، أشار العميد إلى أن المبدأ الأساسي المعتمد عالميًا هو أن مسؤولية حماية الصحفي تقع على عاتق كل من المؤسسة الإعلامية والصحفي نفسه، حيث يُطلب منه اتخاذ القرارات المناسبة حال وقوع المخاطر، ورغم وجود معايير دولية تفرض إجراءات لحماية الصحفيين، فإن تطبيقها يختلف من بلد إلى آخر وفقًا لظروف النزاع ومستوى المخاطر.

وأشار إلى أن إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه الصحفيين في مناطق النزاع تتمثل في القيود المفروضة على حركتهم، سواء من قبل الحكومات أو الجماعات المسلحة المسيطرة على الأرض وغالبًا ما يجد الصحفيون أنفسهم مضطرين لاتخاذ قرارات فردية بشأن استكمال التغطية أو التراجع، لا سيما في الحالات التي يتم فيها رفض منح التصاريح اللازمة ففي الحرب الأوكرانية، على سبيل المثال، يواجه الصحفيون تحديات كبيرة نتيجة تأخر إصدار التصاريح الصحفية من قبل قوات الدفاع الأوكرانية، حيث قد تستغرق هذه الإجراءات عدة أشهر، ما يدفع البعض إلى العمل دون تصريح، مما يعرضهم لمخاطر قانونية وأمنية جسيمة.

ومن بين المخاطر الأخرى التي تواجه الصحفيين في مناطق النزاع، أشار العميد إلى انتشار الألغام الأرضية وغياب الخرائط الدقيقة لمواقعها، وهو ما أدى إلى مقتل الصحفية الروسية آنا بروكوفييفا إثر انفجار لغم أثناء عملها بالقرب من الحدود الأوكرانية، كما أن الصحفيين الأجانب يواجهون صعوبات إضافية تتعلق بالحواجز اللغوية، حيث غالبًا ما لا يتحدثون لغة البلد الذي يعملون فيه، مما يزيد من احتمالات وقوعهم في مواقف خطيرة نتيجة سوء الفهم أو عدم القدرة على التواصل بفعالية مع السكان المحليين أو القوات العسكرية.

وشدد العميد على أهمية امتلاك الصحفيين خبرة ميدانية متقدمة قبل العمل في مناطق النزاع، إلى جانب قيام المؤسسات الإعلامية بوضع بروتوكولات أمنية صارمة لتنظيم عمليات التغطية الصحفية في تلك البيئات الخطرة، وأشار إلى أن مستوى الوعي الأمني لدى المؤسسات الإعلامية يلعب دورًا أساسيًا في تقليل الخسائر بين الصحفيين، مستشهدًا بالمقارنة بين النزاع في سوريا وأوكرانيا، حيث بلغ عدد الصحفيين الذين قُتلوا خلال الحرب السورية نحو 800 صحفي، بسبب ضعف الإجراءات الأمنية لدى بعض المؤسسات الإعلامية التي أرسلت صحفيين غير مدربين إلى مناطق شديدة الخطورة.

وفي ما يخص المساءلة القانونية عن استهداف الصحفيين، أكد العميد أن القانون الدولي الإنساني، المنبثق عن اتفاقيات جنيف، ينص بوضوح على حماية الصحفيين خلال النزاعات المسلحة، باعتبارهم أفرادًا مدنيين يجب عدم استهدافهم، وأي انتهاك لهذه القوانين يمكن تصنيفه كجريمة حرب، ما يسمح بملاحقة مرتكبي هذه الجرائم أمام المحاكم الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، التي سبق أن أصدرت أحكامًا ضد قادة عسكريين وكيانات ارتكبت انتهاكات جسيمة خلال الحروب والنزاعات.

واختتم العميد تصريحه بالتأكيد على أن حماية الصحفيين في مناطق النزاع ليست مسؤولية فردية، بل هي التزام جماعي يتطلب تعاونًا بين المؤسسات الإعلامية، والمنظمات الحقوقية، والحكومات، من أجل وضع آليات أكثر صرامة لضمان سلامة الصحفيين، وتعزيز المساءلة القانونية ضد أي جهة تستهدفهم خلال تأدية عملهم.

حماية الصحفيين في النزاعات

قالت الصحفية الاستقصائية جهاد عباس، إن المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون في مناطق النزاع تتزايد بشكل مستمر، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية في توفير الحماية اللازمة لمراسليها، وأهمية وجود معايير دولية ملزمة لضمان سلامتهم، فحادثة مقتل المراسلة الروسية بانفجار لغم على الحدود مع أوكرانيا تسلط الضوء مجددًا على هشاشة أوضاع الصحفيين الذين يعملون في بيئات شديدة الخطورة، وضرورة تعزيز إجراءات السلامة المهنية.

وتابعت عباس، في تصريحات لـ"جسور بوست": المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية كبيرة في هذا السياق، تبدأ من توفير برامج تدريب متخصصة في السلامة المهنية، وتمتد إلى تجهيز الصحفيين بمعدات الحماية الشخصية، وضمان وجود وسائل اتصال آمنة ومستدامة بينهم وبين فرق التحرير.

وأضافت: "في عملي كمحققة استقصائية بالتعاون مع عدة مؤسسات إعلامية، نحرص على اتباع خطوات منهجية لضمان الحد من المخاطر أثناء العمل الميداني، ومنها إعداد استمارة تقييم مخاطر تحدد طبيعة التهديدات المحتملة، وطرق تفاديها، إضافةً إلى وضع خطط اتصال متعددة مع المؤسسة الإعلامية، تشمل تحديد المنطقة الجغرافية بدقة، وتقييم المخاطر المحتملة، وإيجاد حلول وقائية".

وأشارت إلى أن من بين التدابير الوقائية التي يمكن اتخاذها، توفير دليل ميداني من أهالي المنطقة قبل بدء أي تحقيق أو تصوير ميداني، لما لذلك من أهمية في تسهيل الحركة وتجنب أي تهديدات أمنية. 

كما شددت على ضرورة مراعاة الأبعاد الاجتماعية والثقافية، والالتزام بارتداء زي مناسب يتوافق مع ثقافة المجتمع المحلي أثناء العمل الميداني، لتقليل فرص استثارة الشكوك أو التعرض للمضايقات، كما أن تقييم المخاطر لا يقتصر على سلامة الصحفي نفسه، بل يشمل أيضًا تأمين مصادر المعلومات عبر إجراءات تضمن حمايتهم مثل إخفاء هوياتهم عند الضرورة.

وفي ما يتعلق بالتوازن بين حرية التغطية الصحفية وفرض قيود أمنية لحماية الصحفيين، أكدت عباس أن الواقع يفرض تحديات متزايدة على الصحفيين الاستقصائيين، لا سيما في مصر، حيث أصبح من المستحيل تقريبًا تأمين حماية تامة للصحفي، بغض النظر عن الإجراءات الاحترازية المتبعة وأضافت: "مهما كانت الاحتياطات، فإن نسبة المخاطر تبقى مرتفعة، ما يستدعي مراجعة مستمرة لآليات الحماية والتكيف مع الواقع الأمني المتغير باستمرار".

أما بشأن المساءلة القانونية لمحاسبة الجهات المسؤولة عن استهداف الصحفيين، فقد أوضحت عباس أن البيئة القانونية في بعض الدول تفرض تحديات إضافية، تجعل من الضروري اتخاذ تدابير وقائية على مستوى التحقيقات الصحفية نفسها. 

وأوضحت أن مصر، على الرغم من عدم تصنيفها كدولة تشهد نزاعًا مسلحًا، فإن العمل الصحفي فيها محفوف بالمخاطر القانونية، ما يجعل الصحفيين عرضة للمساءلة في قضايا تتعلق بالنشر أو التغطية الإعلامية.

وأضافت: "لحماية الصحفيين قانونيًا، أصبح من الضروري اعتماد استراتيجيات استباقية، تشمل مرحلتين أساسيتين قبل نشر أي تحقيق صحفي: الأولى هي التدقيق الصارم في كافة المعلومات الواردة في التحقيق، لضمان استنادها إلى مصادر موثوقة ومتعددة، والثانية هي المراجعة القانونية الدقيقة للنص، بهدف تجنب أي مصطلحات قد تُفسَّر قانونيًا على نحو يعرّض الصحفي للملاحقة القضائية".

وأتمت: تعزيز الحماية القانونية والمهنية للصحفيين في مناطق النزاع ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة ملحة لضمان استمرار الصحافة الحرة والمستقلة، مشيرةً إلى أن المؤسسات الإعلامية والمنظمات الحقوقية مطالبة بممارسة ضغوط أكبر لتوفير بيئة أكثر أمانًا للعاملين في الحقل الإعلامي، وضمان محاسبة الجهات التي تستهدف الصحفيين أثناء أداء واجبهم المهني.

 

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية