فجوة الإنترنت العالمية.. "الفقر الرقمي" يكشف هشاشة الحق في المساواة

فجوة الإنترنت العالمية.. "الفقر الرقمي" يكشف هشاشة الحق في المساواة
الحق في الوصول إلى التكنولوجيا

"لا ينبغي أن يكون العيش في المناطق النائية حكماً بالإعدام". كانت هذه العبارة عنواناً لتقرير صدر مؤخراً عن صحيفة "فايننشيال تايمز" ليعكس مدخلاً حقوقياً أساسياً: الحق في الحياة الكريمة لا يمكن أن يرتبط بالجغرافيا أو المسافة من المدن الكبرى، ومع ذلك، فإن الملايين حول العالم، وخاصةً في إفريقيا وآسيا والمناطق الريفية في أوروبا نفسها، ما زالوا يواجهون واقعاً يفرض عليهم عزلة مضاعفة، حيث يتقاطع الحرمان من الخدمات الصحية والتعليمية مع ضعف البنية التحتية الرقمية.

وبحسب الصحيفة البريطانية، فإن أزمة اللقاحات خلال جائحة كوفيد-19 أظهرت حجم الفجوة بين الريف والمدينة، ففي سيراليون مثلاً، قد يضطر المواطن العادي إلى قطع رحلة ذهاب وإياب تستغرق سبع ساعات للوصول إلى أقرب مركز تطعيم، بكلفة تعادل ما بين عشرة إلى اثني عشر يوماً من الأجور اليومية، هذه الكلفة الزمنية والمالية تجعل الحق في الصحة مجرد امتياز لمن يسكنون قرب المدن، في حين يُترك سكان الأطراف في مواجهة أقدارهم.

ولم يقتصر الأمر على اللقاحات، فإن الحكومات حينما تضع المدارس والعيادات في المناطق النائية، يظل غياب الكوادر المؤهلة عائقاً، حيث يفضل المعلمون والأطباء العيش قرب المدن، ما يترجم إلى معدلات عالية من الغياب والإهمال.

وبالمثل، تتجنب البنوك فتح فروع في هذه المناطق لأن "الودائع الصغيرة لا تبرر الكلفة"، وتندر خدمات الإرشاد الزراعي، ما يكرّس دائرة الفقر والتهميش.

دور التكنولوجيا

يبرز هنا دور التكنولوجيا، خاصة الهواتف المحمولة، فقد جُرّبت حلول مبتكرة، مثل الدروس الخصوصية عبر الهاتف المحمول التي نُفذت في خمس دول نامية، وأثبتت قدرتها على تحسين نتائج التعلم، كما أن الاعتماد على بيانات استخدام الهاتف المحمول، كما في تجربة توغو وبنغلاديش، مكّن الحكومات والمنظمات من استهداف الفقراء بدقة كبيرة من خلال تحليل أنماط الاتصالات.

على الجانب الآخر، حذّرت منصة "ذا كونفرسيشن" في تقرير أن "الهواتف المحمولة ليست دائماً حلاً للفقر"، فصحيح أن الهاتف هو أحدث أداة اتصال لسكان القرى النائية، لكن التوقعات المعلقة عليه تفوق الواقع، فالتجارب الميدانية في إثيوبيا والهند وإندونيسيا أظهرت أن الهواتف الموزعة على الفقراء لم تُستخدم بطرق تحسّن أوضاعهم الاقتصادية.

والسبب كما شرحت المنصة العالمية غير الربحية، أن الهاتف يحتاج إلى شبكة اجتماعية واسعة وقدرة على التنقل ليحقق فائدة اقتصادية، فإذا كنت مزارعاً محاصراً بغياب وسائل النقل، فلن تجديك خدمة الدفع عبر الهاتف أو معرفة أسعار الأسواق البعيدة، لأنك ببساطة غير قادر على الوصول إليها، وبعد محاولات محدودة، يتحول الهاتف إلى وسيلة للترفيه والدردشة، في حين تتبخر وعود التنمية الرقمية.

والأخطر أن التوسع في الاستثمار في البنية الرقمية قد يُترجم إلى تقليص الإنفاق على الصحة والتعليم في تلك المجتمعات المهمشة، وبذلك يتحول "الحق في الاتصال" إلى بديل شكلي عن الحقوق الأساسية الأخرى، دون أن يعالج أصل الفقر الهيكلي.

الحق في المساواة

في بريطانيا نفسها، كما نشرت شبكة "بي بي سي"، يبرز الوجه الآخر لهذه المعضلة تحت مسمى "الفقر الرقمي"، فقد أطلقت جمعية خيرية في غلوسترشاير مشروع "دايزي" لمكافحة التهميش الرقمي عبر توزيع شرائح اتصال مجانية وأجهزة معاد تدويرها، مع تنظيم ورش تدريب للأفراد الذين لا يملكون معرفة رقمية أساسية.

لم تقتصر المبادرة على توفير الإنترنت، بل هدفت إلى تمكين الناس من "اتخاذ قرار واعٍ" بشأن استخدام التكنولوجيا، وربطها بالحقوق الأساسية كالوصول إلى الرعاية الصحية، حماية الصور الشخصية، أو حتى تسديد الفواتير.

وفي هذا السياق، أوضحت "بي بي سي" أن المشروع لم يكتف بتوزيع الأجهزة، بل استحدث موظفين للتواصل الاجتماعي الرقمي يعملون مع الأطباء لتحديد الفئات الأكثر حاجة للدعم التكنولوجي، وصولاً إلى رعاية من هم في نهاية حياتهم عبر تمكين أسرهم من استخدام الأدوات الرقمية.

يوضح هذا المثال أن الحق في الوصول إلى التكنولوجيا لا ينفصل عن منظومة الحقوق الأخرى، وأن الجهد المطلوب يتجاوز مجرد تزويد الأفراد بأدوات اتصال، ليصل إلى بناء بيئة داعمة تدمجهم في المجتمع الحديث.

الحق في الوصول

تجمع المصادر الثلاثة على حقيقة أساسية: "الفقر الرقمي ليس مجرد مسألة تقنية، بل قضية حقوق إنسان"، فمن حرمان الريفيين في إفريقيا من اللقاحات، إلى حدود استخدام الهواتف المحمولة في آسيا، إلى عزلة المسنين والفقراء في الريف البريطاني، تتجلى معضلة مشتركة: غياب المساواة في الوصول إلى الموارد والخدمات.

وكما أبرزت "فايننشيال تايمز"، فإن الحلول الرقمية مثل تحليل بيانات الهاتف المحمول قادرة على مساعدة الحكومات في استهداف الفقراء بكفاءة، غير أن "ذا كونفرسيشن" تذكّرنا بأن هذه الحلول تظل محدودة إذا لم تُرافقها بنية تحتية للنقل والصحة والتعليم. وما أوردته "بي بي سي" يعزز الفكرة بأن التمكين الرقمي يحتاج إلى مقاربة شاملة، تشمل التدريب والدعم الاجتماعي، وليس مجرد أجهزة وشبكات.

يعني ذلك أن الحق في الوصول إلى الخدمات –صحية كانت أو تعليمية أو رقمية– حق غير قابل للتجزئة، ومن صميم مبادئ العدالة الاجتماعية، ولا يمكن قبول واقع يُترك فيه سكان الأطراف عرضة للفقر والمرض لمجرد أنهم بعيدون عن المدن.

ويتطلب الطريق إلى العدالة مقاربة متكاملة تعترف بأن الفقر الرقمي امتداد للفقر البنيوي، وأن معالجة جذوره تستوجب الجمع بين التكنولوجيا والبنية التحتية والتمكين الاجتماعي.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية