العنف الجنسي في الكونغو الديمقراطية.. رعب يومي وسط غياب العدالة والرعاية

أكثر من 4600 حالة تم توثيقها في عام واحد

العنف الجنسي في الكونغو الديمقراطية.. رعب يومي وسط غياب العدالة والرعاية
أسرة نازحة في الكونغو

تشهد جمهورية الكونغو الديمقراطية واحدة من أشد الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العالم، حيث يتقاطع الصراع المسلح المستمر منذ عقود مع موجات متصاعدة من العنف الجنسي الممنهج، وقد تناولت عدة صحف عالمية هذه الكارثة، كاشفةً حجم المأساة التي تعيشها النساء والفتيات، في ظل غياب شبه تام للعدالة وانهيار الرعاية الصحية المقدمة لهن.

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" قصة ديبورا، وهي شابة في الثانية والعشرين من عمرها تعيش في مخيم للنازحين شرق الكونغو، في أحد الأيام، غادرت المخيم بحثًا عن الطعام لأطفالها الثلاثة، لتتعرض أثناء رحلتها لهجوم من ثلاثة رجال مسلحين قاموا باغتصابها.

عادت ديبورا إلى المخيم منهارة، وتوجهت في اليوم التالي إلى عيادة تديرها منظمة أطباء بلا حدود حيث تلقت رعاية أولية، وتضمنت وسائل منع الحمل الطارئة والوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية، لكن، كما أوضحت الصحيفة، لم يُسجل أي دليل قضائي، ولم تتحدث ديبورا إلى السلطات، لأنها تدرك مسبقًا أن الإفلات من العقاب هو القاعدة السائدة في البلاد.

ووفقًا لما أوردته الصحيفة الأمريكية فقد أصبحت السيطرة على شرق الكونغو في يد جماعة إم23 المتمردة المدعومة من رواندا، ما أدى إلى إغلاق العيادات التي كانت توفر الدعم للضحايا، وتقويض أي فرصة للجوء القانوني.

وقد عالجت المنظمة ما يقرب من 40 ألف ضحية عنف جنسي في عام 2024 وحده، في حين سجلت مستشفيات محلية مثل "هيل أفريقيا" ارتفاعًا كبيرًا في الحالات شهريًا بعد تجدد القتال.

تقارير الأمم المتحدة

وبحسب ما نقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن تقرير للأمم المتحدة، فقد شهد عام 2024 ارتفاعًا عالميًا بنسبة 25% في حالات العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، مع تسجيل أكثر من 4600 ضحية.

وأكد التقرير أن الكونغو الديمقراطية كانت من بين الدول التي سجلت أعلى معدلات لهذا النوع من الجرائم، وأوضحت الوكالة أن نقص التمويل الإنساني أدى إلى تفاقم الوضع، حيث تراجعت قدرة المنظمات على تقديم الدعم الطبي والنفسي للضحايا.

من جانبها، ذكرت "وول ستريت جورنال" أن توقف التمويل الأمريكي لبرامج الوقاية في الكونغو شكّل ضربة قاسية للجهود الإنسانية، فقد أدى إلغاء عقود توريد عشرات الآلاف من مجموعات الوقاية بعد الاعتداءات الجنسية (PEP) إلى زيادة خطر انتشار فيروس نقص المناعة البشرية بين الضحايا.

وأشارت الصحيفة إلى أن العيادات فقدت إمدادات أساسية مثل وسائل منع الحمل الطارئة، وأدوية الالتهابات، والتطعيمات، وهو ما جعل الرعاية المتاحة للضحايا محدودة جدًا.

شهادات أطباء ومنظمات محلية

سلطت الصحيفة الضوء على شهادات أطباء ومنظمات محلية أوضحت أن عدد الناجيات اللواتي يتم استقبالهن في المستشفيات في تزايد ملحوظ، مؤكدة أن انعدام الأمن جعل النساء والفتيات عرضةً للاعتداء بشكل متكرر أثناء محاولتهن جمع الحطب أو البحث عن الغذاء.

وأشارت رويترز إلى تقارير أصدرتها منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش، تؤكد أن المتمردين المدعومين من رواندا ارتكبوا عمليات إعدام بحق مدنيين واعتداءات جنسية جماعية في شرق الكونغو.

وذكرت الوكالة أن الإفلات من العقاب يظل هو السمة السائدة، إذ لا تجري أي تحقيقات جادة بحق مرتكبي هذه الجرائم، سواء كانوا من المتمردين أو من قوات الجيش الكونغولي أو الميليشيات المحلية.

كما أضافت رويترز أن النازحين والناجيات يعانون بشكل مضاعف من ضعف البنية القضائية، حيث يتعين على الضحايا دفع رسوم مالية لتقديم شكوى، فضلًا عن بعد المحاكم وصعوبة الوصول إليها.

شهادات مروعة من الميدان

أما "الغارديان" فقد نشرت تقريرًا صادمًا عن انتهاكات ارتكبتها جماعة إم23 المتمردة، شمل تنفيذ عمليات قتل للأطفال بطرق وحشية واغتصاب النساء أمام أسرهن.

وأوضحت الصحيفة البريطانية أن هذه الجرائم تجري في ظل غياب كامل للحماية، حيث تُترك القرى والمخيمات عرضة لاعتداءات متكررة دون تدخل فعلي من السلطات.

وأكدت أن العديد من الأسر فقدت المأوى بعد أن جرى تفكيك المخيمات بالقوة، ما جعل النساء والفتيات أكثر عرضة للعنف الجنسي أثناء محاولتهن التنقل للبحث عن مصادر العيش.

تصاعد معاناة النازحين

أبرزت "نيويورك تايمز" أن أكثر من 2.8 مليون شخص يعيشون في مخيمات مؤقتة شرق البلاد، حيث تفتقر هذه المخيمات إلى أبسط مقومات الحياة، وأكدت أن النساء النازحات هن الأكثر عرضة للاعتداء أثناء محاولتهن توفير الطعام أو الحطب لأسرهن، إذ غالبًا ما يتعرضن لهجمات أثناء خروجهن من المخيمات.

كما أوضحت الصحيفة أن بعض الضحايا من القاصرات، إذ رصدت منظمة اليونيسف ما يقارب 10 آلاف حالة اعتداء جنسي خلال شهري يناير وفبراير فقط، وأن ثلث الضحايا كانوا دون سن الثامنة عشرة، بعضهن لم يتجاوزن الثامنة من العمر.

وتحاول المنظمات المحلية، مثل "ديناميك دي فام جوريستس"، دفع القضايا إلى المحاكم، لكنها تواجه عقبات كبيرة أبرزها نقص الموارد وصعوبة الوصول إلى القضاة، الذين يطالبون بأدلة مادية لا تستطيع العيادات توفيرها، وقالت محامية محلية إن غياب الالتزام الجاد من السلطات يعكس استهانة بحياة الضحايا.

وأكد ناشطون حقوقيون أن جميع الأطراف المسلحة في الصراع –من المتمردين إلى القوات الحكومية– متورطة في جرائم عنف جنسي، وأكدوا أن استمرار غياب المحاسبة يشجع على تكرار الانتهاكات، ما يجعل من الإفلات من العقاب وقودًا لاستمرار الأزمة.

تُظهر التغطيات الصحفية الدولية حجم الكارثة التي تعيشها النساء والفتيات في شرق الكونغو الديمقراطية، حيث يتعرضن يوميًا لانتهاكات جسيمة وسط غياب العدالة وانهيار البنى الصحية، ولم يعد العنف الجنسي مجرد ظاهرة جانبية للصراع، بل أصبح أداة ممنهجة تُمارس في ظل الإفلات من العقاب.
 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية