بعد انسحاب الولايات المتحدة.. ماذا يعني رفض المشاركة في المراجعة الدورية لحقوق الإنسان؟
بعد انسحاب الولايات المتحدة.. ماذا يعني رفض المشاركة في المراجعة الدورية لحقوق الإنسان؟
أبلغت البعثة الأمريكية في جنيف مؤخرا مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك رسمياً أن الولايات المتحدة لن تشارك في جلسة المراجعة الدورية الشاملة لسجلها في مجال حقوق الإنسان المقررة في نوفمبر المقبل، ما مثّل خطوة وصفها مراقبون ومنظمات حقوقية بأنها انسحاب غير مسبوق من آلية دولية كان يُنظر إلى واشنطن على أنها داعم أساسي لها طيلة عقود.
ما الذي جرى بالضبط؟
الرسالة الأمريكية التي وصلت إلى مكتب المفوض السامي أعلنت بوضوح أن الولايات المتحدة "لن تشارك" في المراجعة المقررة في جنيف، وهي رسالة نُقلت إلى الجهات المعنية في الأمم المتحدة ووسائل الإعلام، ووفق تقارير صحفية ومصادر دبلوماسية، جاء قرار واشنطن تنفيذاً لقرار تنفيذي أصدره الرئيس الأمريكي في مطلع فبراير الماضي يتضمن الانسحاب أو تعليق المشاركة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، واعتبرته الإدارة الأمريكية مقاطعة لهيئة تُتهم، في بيان البيت الأبيض، بأنها لا تفي بمهامها أو تنتهج معايير مزدوجة.
لماذا المراجعة الدورية مهمة؟
المراجعة الدورية الشاملة (Universal Periodic Review – UPR) هي آلية تابعة لمجلس حقوق الإنسان صُممت لمراجعة سجلات جميع دول الأعضاء في مجالات الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل دوري كل أربع إلى خمس سنوات، وهي عملية "شاملة" تجمع تقارير الدولة نفسها، وتجميع لمواد مكتب حقوق الإنسان وتقارير المجتمع المدني، وتنتج توصيات غير ملزمة تُعرض على الدولة لمتابعة تنفيذها، والمشاركة في هذه الآلية تُعد عرضة للانتقاد لكنها تُستخدم على نطاق واسع كأداة شفافية ومساءلة دولية، وفق بيانات المفوضية السامية لحقوق الإنسان.
ردود فعل أممية وحقوقية
أعرب مكتب مفوضية حقوق الإنسان عن الأسف إزاء قرار واشنطن، وأكد متحدث باسم المجلس أن "المشاركة البناءة للدول كانت دائماً جزءاً أساسياً من ترسيخ معايير حقوق الإنسان عالمياً" وأن عدم المشاركة يُضعف تلك الآلية ويضيّع فرصة للحوار والمراجعة، وأعاد تصريح المكتب التأكيد على أن الآلية قائمة لِحَث جميع الدول على الخضوع للتقييم.
سرعان ما صدرت بيانات استنكارية من منظمات حقوقية أمريكية ودولية، حيث اعتبرت منظمات مثل “هيومن رايتش ووتش” و"بن أميركا" و"الاتحاد الأمريكي للحريات" أن القرار يمثل تراجعاً خطيراً عن التزامات الولايات المتحدة الدولية وقد يضعف مصداقيتها كمدافع عن حقوق الإنسان في المحافل الدولية، وحذّرت هذه الهيئات من أن مغادرة واشنطن أو مقاطعتها للآليات الدولية تمنح دولاً ذات سجلات هشة أو سيئة ذريعةً لتقليد التصرف والحد من المساءلة.
سوابق نادرة
لم تكن فكرة "الغياب" عن المراجعة الدورية بلا سابقة إطلاقاً، لكن حالات الانقطاع كانت نادرة واستثنائية. أبرز سبق ذُكر هو غياب إسرائيل عن جلسة مقررة في يناير 2013، وهو حدث أثار نقاشاً داخل مجلس حقوق الإنسان حول تعريف "الامتناع عن التعاون" وكيفية التعامل معه، وفي المقابل، وحتى الآن لم تُسجّل حالة دولة كبرى تمتنع صراحة عن تقديم تقريرها في دورة كاملة من دون أن تعود لاحقاً للتعاون، لذا تؤكد تقارير أنّ ما تقوم به الولايات المتحدة قد يكون الأول من نوعه في إطار التقليد التاريخي للمراجعات.
الأساس السياسي للقرار الأمريكي
لا يمكن فهم قرار واشنطن بمعزل عن أمر تنفيذي أصدره البيت الأبيض في الرابع من فبراير توصيفياً بسياسته تجاه آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، حيث وضع ذلك القرار قيوداً أو وقفاً لمشاركات وموارد أمريكية في عدة هياكل أممية، وبيّن موقفاً أوسع يتمثل في رفض واشنطن ما تعتبره "انحيازات" داخل المجلس أو آليات تفتقر إلى توازن. هذا السياق السياسي الداخلي يوضح أن المقاطعة ليست مسألة تقنية بحتة بل قرار إستراتيجي ذو أبعاد سياسية.
التداعيات المتوقعة على صورة واشنطن
بحسب مراقبين فإن التداعيات المتوقعة على صورة واشنطن تتضمن عدة عناصر منها تراجع النفوذ والنقاش حيث تمنح المشاركة في آليات الأمم المتحدة الدول مساحات دبلوماسية للتأثير، وغياب واشنطن سيقلص قدرتها على توجيه النقاش أو الدفاع عن مواقفها أو بناء تحالفات تساند مصالحها في قضايا حساسة، وهذا قد يفسح المجال لخصومها الدبلوماسيين لاستغلال الفراغ السياسي.
كما تتضمن التداعيات فقدان مصداقية "المدافع عن الحقوق" فمن منظور المنظمات الحقوقية والدول الشريكة، سيتحوّل غياب واشنطن إلى حجة تُستغل لإضعاف مزاعمها القيادية في مجال حقوق الإنسان، خصوصاً حين تتنبّه دول أخرى إلى أن الولايات المتحدة لا تُخضع سجلها للرقابة نفسها التي تطالب بها غيرها، بالإضافة إلى وجود تأثير رمزي وعملي على التعاون، فغياب المشاركة يعوق قنوات التعاون مع المجتمع المدني المحلي داخل الولايات المتحدة، ويضعف قدرة منظمات أمريكية على طرح قضاياها خلال جلسات رسمية، ويُلقي بثقل أكبر على الدول الصغيرة أو الوسطية المشاركة في أنشطة الأمم المتحدة.
هل هناك عقوبات أو خطوات إجرائية؟
عملياً، لا توجد "عقوبة" تلقائية في بروتوكول UPR لامتناع دولة عن تقديم تقريرها، حيث تعمل الآلية على قواعد الحوار والسياسة وليس على الجزاءات القضائية، ومع ذلك، فإن المجلس يملك سوابق للتعامل مع حالات "عدم التعاون المستمر" عبر مناقشات رسمية وتقارير توردها رئاسة المجلس، كما أن التجاهل المتكرر قد يولد ضغوط سياسية ودبلوماسية، لذا فإن الأثر سياسي ورمزي أكثر منه قانونياً، وفق المفوضية السامية لحقوق الإنسان.
مَن يمكن أن يستفيد؟
خبراء حقوقيون يرون أن انسحاب قوة كبرى من آلية موثوقة عالمياً يعطي "غطاءً" لبعض الدول ذات السجلات السيئة لتقليد القرار وتجنب المساءلة، وهذا ما حذّر منه محللون وقيادات من منظمات أهلية، مشيرين إلى أن الإخلال بالالتزام يُضعف إطاراً شُيِّد على امتداد سنوات للمساءلة المتبادلة بين الدول.
يرى مراقبون أن الخطوات التالية للإجراء الأمريكي هو استمرار عملية المراجعة، لافتين إلى أن الأمانة الفنية بالمفوضية السامية ومنظمات المجتمع المدني مستمرين في التحضير وتقديم التقارير الموازية، وأن غياب طرف لا يوقف الآلية لكنه يحوّلها إلى مراجعة "أحادية الطرف" من ناحية غياب رد الدولة المعنية.
وتوقع المراقبون أن تتجه منظمات حقوقية ودول حليفة للضغط على واشنطن لإعادة النظر، عبر أدوات دبلوماسية ومجتمعية، وقد صدرت بالفعل بيانات تدعو واشنطن إلى مراجعة قرارها والعودة إلى طاولة الحوار، متوقعين أن يكون هناك تكثيف فضاءات بديلة من خلال مؤسسات أكاديمية ومجتمع مدني أمريكي يمكن أن يواصلوا تقديم المعلومات والمشاركة في فعاليات جنيف لتعويض جزئي لغياب المشاركة الرسمية.