حظر الصلاة في الأماكن العامة بكندا.. ما تداعيات القرار على حرية العبادة واندماج الأقليات؟
حظر الصلاة في الأماكن العامة بكندا.. ما تداعيات القرار على حرية العبادة واندماج الأقليات؟
أعلنت حكومة مقاطعة كيبيك أنها ستعرض تشريعاً لحظر الصلاة في الأماكن العامة، خطوة اعتبرتها جمعيات حقوقية مدنية بأنها مقلقة ومخاطرة بسنّ قيود تمسّ الحريات الأساسية وتستهدف بالأخص مجتمعات دينية محددة، وقد أثار الإعلان تنديدات فورية من منظمات حقوقية مدنية ومطالبات بمزيد من الحوار القانوني والسياسي قبل المضي في تشريع يبدو أنه سيعيد جدلاً طويلاً حول حدود العلمانية في المقاطعة.
يأتي هذا السعي التشريعي في سياق سياسي محلي دفعه غضب حكومي من مظاهر صلاة الشوارع التي ازدادت في مونتريال خلال تظاهرات وفعاليات عامة، وعلى رأسها احتجاجات مؤيدة للقضية الفلسطينية، ويقول قادة الحكومة الكندية إن المنع يهدف إلى حماية الحيز العام وضمان حياد المؤسسات، ويرى معارضون أنه يستهدف ممارسات دينية سلمية يمارسها مواطنون في فضاءات مألوفة للتظاهر والتجمع.
ولا يمكن فهم هذه المبادرة بمعزل عن تاريخ كيبيك في فصل الدين عن الدولة، الذي يعود إلى تحولات الثورة الهادئة منتصف القرن العشرين، وعن القانون الأبرز في السنوات الأخيرة وهو قانون العلمانية المعروف باسم بيل 21 الذي حظر ارتداء الرموز الدينية على موظفي الدولة في مواقع السلطة بكندا، والذي شهد معارك قضائية طويلة واستخدمت معه آليات دستورية مثيرة للجدل مثل بند الاستثناء في ميثاق الحقوق الكندي، وهو ما أعاد تعريف حدود الرقابة القضائية على تشريعات تنتهك حريات أساسية، كما أن ملف بيل 21 وصل إلى أعلى محاكم البلاد، ما يعكس حساسية المسألة وطنياً وقضائياً وفق صحيفة "الغارديان" البريطانية.
من الذي يشعر بالقلق؟
جماعات حقوقية مدنية مثل الجمعية الكندية للحريات المدنية (CCLA) وصالات دينية مدنية محلية اعتبرت أن حظر الصلاة في الفضاء العام داخل كندا يخرق مجموعة من الحقوق الأساسية المشمولة في الميثاق الدستوري تشمل حرية الدين، والتعبير والتجمع، وحقوق التشكّل الجمعي، وهذه المنظمات ترى أن سنّ قانون يقيّد ممارسة العبادة في الفضاء العام يضعف إدماج الأقليات ويغذي مشاعر التهميش التي يتغذى عليها خطاب الكراهية، ولا سيما في سياق إحصاءات تظهر تزايداً في جرائم الكراهية الدينية خلال السنوات الأخيرة.
وتُظهر بيانات التعداد الوطني أن نسبة المسلمين في كيبيك ارتفعت مع الزمن، وأن وجودهم مُركز بشكل واضح في المدن الكبرى مثل مونتريال، حيث تشكل طوائف دينية غير مسيحية نسبة ملاحظة من السكان المحليين، وفي الوقت نفسه تقف الإحصاءات الرسمية على زيادة ملحوظة في بلاغات جرائم الكراهية الدينية في السنوات الأخيرة، ما يجعل أي تشريع يلامس الممارسات الدينية العامة عرضة لأن يُستغل في خطاب عام قد يفاقم التمييز والعنف الموجهين لأفراد هذه المجتمعات.
منظمات مدافعة عن الحريات المدنية اعتبرت أن الحظر المقترح يفتقر إلى تفسير واضح ومتوازن، كما دعت منظمات تمثل الجاليات المسلمة أو المطالبين بمناصرة الحقوق المدنية إلى الاعتماد على بدائل تنظيمية محلية بدلاً من حظر شامل على الصلاة، وفي المقابل، أعربت جهات وقيادات سياسية ومجموعات مدعومة من بعض قطاعات الرأي العام عن تأييدها لخطوة صارمة ترى فيها وسيلة لحماية العلمانية والنظام العام، وهذا الانقسام يعكس صعوبة إيجاد توازن بين مطلب حياد الدولة وحق الأفراد في ممارسة شعائرهم.
الإطار القانوني الدولي والمحلي
قانونياً، تضمن الدساتير الدولية والإقليمية الحماية لحرية الدين والتعبير، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة المتعلقة بحرية الدين والمعتقد، وفي السياق الكندي يضمن الميثاق الدستوري حريات أساسية من بينها حرية الدين، لكن بند الاستثناء يسمح للسلطات التشريعية بالإبقاء على قوانين تنطوي على قيود على هذه الحريات في حالات معينة، ما يفتح نافذة قانونية أمام مقاطعات مثل كيبيك لتمرير تشريعات قد تتعارض مع القيود الدستورية ما لم تُعلَن استثناءات واضحة، وهذا التوازن الدقيق يجعل أي حظر واسع عرضة للطعن القضائي وإعادة التداول أمام المحاكم العليا، وفق المفوضية السامية لحقوق الإنسان.
وبحسب مراقبين فإن قصر النظر التشريعي قد يؤدي إلى نتائج عكسية قد تتجسد في تحويل ممارسات دينية سلمية إلى عمل جنائي أو مدني، زيادة شعور التهميش لدى بعض المجموعات، وإضعاف الثقة بين مجتمعات الأقليات والمؤسسات الحكومية، كما قد ينزلق النقاش إلى سجال سياسي يهمش قضايا اجتماعية واقتصادية حقيقية مثل السكن والعمل والتعليم ويؤثر سلباً في اندماج الأجيال الشابة وتجذير المواطنة المشتركة.
بدائل مقترحة دون المساس بالحقوق
تقدم الممارسات الدولية والمحلية خيارات وسطية تشمل تعزيز قوانين تنظيم الفضاء العام التي تطبق حياداً لا تمييزيّاً، اعتماد آليات بلدية لتنظيم المناسبات العامة مع ضمانات واضحة للحريات الأساسية، تشديد قوانين مكافحة خطاب الكراهية والتدخل السريع ضد التحريض، برامج حوارية وثقافية لتقوية التعايش، وتفعيل مراقبة قضائية مستقلة للتأكد من أن أي قيود مؤقتة تراعي مصلحة الفرد وحقه في الطعن والاستئناف، كما توصي منظمات مدافعة عن الحقوق بتوفير بيانات أفضل تقيس أثر الإجراءات قبل وبعد تطبيقها، لتفادي آثار لا رجعة فيها.
الخطاب حول حظر الصلاة في الأماكن العامة في كيبيك يمزج بين مخاوف تتعلق بفضاء عمومي محايد ومطالب بحماية الحريات الأساسية للأفراد، ويمتلك القانون والسياسة أدوات للتوفيق بين هذين المطلبين، لكن التجاوز التشريعي السريع قد يترك أثراً قانونياً واجتماعياً عميقاً يصعب معالجته لاحقاً. المناقشة الآن أمام المجتمع والسياسيين والقضاة يجب أن تركز على كيفية حماية مصلحة الجمهور دون التضحية بحقوق الأقلية، وعلى ضمان آليات شفافة قابلة للمراجعة القضائية لوقاية الحريات الأساسية.