الجلد العلني.. عقوبات حركة طالبان الأفغانية تعود إلى الواجهة وتثير جدلاً إنسانياً

الجلد العلني.. عقوبات حركة طالبان الأفغانية تعود إلى الواجهة وتثير جدلاً إنسانياً
عقوبة الجلد العلني في أفغانستان

تتواصل مشاهد تنفيذ عقوبة الجلد في الساحات العامة بعدد من الولايات الأفغانية، في تطور يعكس طبيعة النظام القضائي الذي تفرضه حركة طالبان منذ عودتها إلى الحكم، ويعيد إلى الواجهة أسئلة مؤلمة حول العدالة والكرامة الإنسانية وحدود العقاب، وتحولت هذه المشاهد التي تتم أمام المواطنين إلى مصدر قلق واسع داخل البلاد وخارجها، في ظل صمت رسمي تجاه الانتقادات الحقوقية الدولية المتصاعدة.

وبحسب ما أوردته شبكة "أفغانستان إنترناشيونال" في تقرير نشرته يوم السبت نقلاً عن النشرة الإخبارية الأسبوعية للمحكمة العليا التابعة لحركة طالبان، فإن ما لا يقل عن 60 شخصاً تعرضوا لعقوبة الجلد خلال الأسبوع الماضي، بعد إدانتهم بتهم وصفتها المحكمة بالمتعددة، في عدة ولايات أفغانية.

تنفيذ علني في عدة ولايات

أوضحت النشرة أن المحاكم المحلية في ولايات هرات وخوست وبدخشان وغور وبكتيكا وكابل نفذت أحكام الجلد علناً بحق المدانين، بحضور مواطنين، إلى جانب إصدار أحكام بالسجن بحق بعضهم، وذكرت المحكمة أن التهم الموجهة شملت السرقة وما تصفه السلطات بالفساد الأخلاقي، دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعة القضايا أو ظروف المحاكمات.

يقول سكان محليون إن تنفيذ العقوبات في الأماكن العامة يترك أثراً نفسياً عميقاً، لا يقتصر على من يتعرض للعقوبة، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله. فمشهد الجلد العلني يتحول إلى رسالة ردع قاسية، تزرع الخوف أكثر مما تعزز الشعور بالعدالة، بحسب تعبير ناشطين أفغان يعيشون داخل البلاد.

تجاهل للانتقادات وتبرير ديني

ورغم الانتقادات الصريحة التي تصدر بشكل متكرر عن منظمات دولية وهيئات حقوقية، تواصل حركة طالبان تنفيذ العقوبات البدنية دون إبداء أي استعداد للتراجع، وتؤكد هذه الجهات أن الجلد العلني يشكل انتهاكاً واضحاً للكرامة الإنسانية ويتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، خصوصاً في ظل غياب ضمانات المحاكمة العادلة.

في المقابل تصر إدارة طالبان على أن هذه العقوبات تندرج ضمن ما تصفه بتطبيق الشريعة الإسلامية، وتعد نظامها القضائي يستمد شرعيته من هذا الإطار. وتؤكد السلطات أن العقوبات البدنية تشكل جزءاً أساسياً من منظومة الردع وحفظ النظام الاجتماعي، رافضة أي تدخل خارجي فيما تعده شأناً داخلياً.

نظام جزائي طبقي

ويأتي استمرار تنفيذ عقوبة الجلد في ظل نظام جزائي جديد أقرته طالبان، أثار بدوره جدلاً واسعاً داخل الأوساط الحقوقية، وينص هذا النظام على أن نوع الجريمة ومستوى العقوبة يحددان وفقاً للمكانة الاجتماعية للفرد، ما يعني أن العدالة لا تطبق بالمعايير ذاتها على جميع المواطنين.

ووفق ما ورد في تفاصيل هذا النظام، فإذا ارتكب رجل دين جريمة ما، يكتفى بتوجيه النصح له فقط دون فرض عقوبات بدنية أو سالبة للحرية، أما أفراد الطبقة المتوسطة فيواجهون عقوبة السجن عند ارتكاب الجريمة ذاتها، في حين يتعرض أفراد الطبقة الدنيا للسجن إضافة إلى العقوبات البدنية، ومنها الجلد.

صمت داخلي وخوف

داخل أفغانستان يلتزم كثير من المواطنين الصمت خوفاً من العواقب، فالتعبير العلني عن رفض هذه العقوبات قد يعرض أصحابه للمساءلة أو العقاب. ومع ذلك، تشير تقارير غير رسمية إلى حالة استياء متنامية، خاصة في المدن الكبرى، حيث يرى البعض أن العقوبات العلنية تعيد البلاد إلى مراحل مظلمة من تاريخها الحديث.

ويرى محللون أن استمرار هذه الممارسات يعمق عزلة أفغانستان الدولية، ويصعب أي جهود مستقبلية للاعتراف بحكومة طالبان أو رفع العقوبات المفروضة عليها. فملف حقوق الإنسان، وعلى رأسه العقوبات البدنية، يعد من أبرز المعوقات أمام أي انفتاح سياسي أو اقتصادي محتمل.

انتقادات أممية وحقوقية 

وفق تقارير الأمم المتحدة ومقرّرين خاصين تابعين لمنظومة حقوق الإنسان وكذلك منظمات حقوقية دولية، فإن عقوبة الجلد العلني ومنع الإجراءات القانونية الواجبة يشكّلان انتهاكًا صارخًا للمعايير الدولية.

أبرز هذه الانتقادات وردت في بيان صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان دعا فيه إلى وقف تنفيذ الجلد العلني والإعدامات العلنية فورًا، واعتبر أن هذه العقوبات تشكل معاملة أو عقوبة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة، وهو ما يتعارض مع الالتزامات الدولية لأفغانستان بصفتها طرفًا في المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، وشدد البيان كذلك على ضرورة ضمان الحق في الإجراءات القانونية الواجبة والمحاكمة العادلة أمام أي نظام قضائي.

تقارير أممية أخرى أشارت أيضًا إلى استمرار هذه العقوبات رغم الانتقادات المتكررة، ومنها بيانات من خبراء حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة الذين أعربوا عن قلقهم العميق من تزايد تنفيذ الجلد العلني في الساحات العامة ضد رجال ونساء وأطفال، الأمر الذي يعد شكلًا من أشكال العقاب الجماعي الذي يفتقر لضمانات العدالة الأساسية.

وتصف منظمات حقوق الإنسان هذا النظام بأنه تكريس للتمييز الاجتماعي وإضفاء طابع رسمي على عدم المساواة أمام القانون. وترى أن ربط العقوبة بالمكانة الاجتماعية يقوض أي حديث عن عدالة حقيقية، ويحول النظام القضائي إلى أداة لإخضاع الفئات الأضعف

إضافة إلى التحذيرات الأممية، انتقدت منظمات حقوق الإنسان الدولية مثل منظمة العفو الدولية (أمنيستي) ممارسة الجلد العلني واعتبرتها عودة مروّعة للممارسات القاسية في ظل حكم طالبان، مطالبة بوقفها فورًا مع تأكيد أنها تنتهك الحظر المطلق للتعذيب وسوء المعاملة بموجب القانون الدولي، ودعت المنظمة كذلك المجتمع الدولي إلى الضغط على السلطات في أفغانستان لإرساء نظام قضائي عادل يضمن محاكمات قانونية وحقوق دفاع كاملة. 

بشكل عام، تُجمع الانتقادات الأممية والحقوقية الدولية على أن الجلد العلني يخرق المبادئ الأساسية لكرامة الإنسان والقانون الدولي، وأنه يتطلب وقفًا فوريًا مع ضمان حقوق المتهمين في الدفاع وتمثيل قانوني، وهي مطالب تتكرر في بيانات متعددة منذ عودة حركة طالبان لحكم أفغانستان. 

منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان في أغسطس 2021، أعادت الحركة العمل بنظام عقوبات صارم يشمل الجلد العلني والإعدامات، مستندة إلى تفسيرها الخاص للشريعة الإسلامية، وقد أثارت هذه السياسات موجة إدانات دولية واسعة، خاصة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان التي تؤكد أن هذه العقوبات تنتهك التزامات أفغانستان الدولية، وعلى الرغم من الوعود التي أطلقتها طالبان في بدايات حكمها باحترام حقوق الإنسان ضمن إطار الشريعة، تشير الوقائع على الأرض إلى تصاعد القيود والعقوبات، خصوصاً بحق الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، ما يضع مستقبل العدالة والحقوق في البلاد أمام تحديات عميقة ومعقدة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية