جرائم قتل النساء.. إحصاءات تكشف استمرار العنف القائم على النوع في تركيا

652 حالة في عام 2024

جرائم قتل النساء.. إحصاءات تكشف استمرار العنف القائم على النوع في تركيا
متظاهرون ومناصرات لحقوق المرأة يحملون صورة شولي تشيت

تكشف قضايا وفاة النساء في تركيا بعد سقوطهن من أماكن مرتفعة عن أزمة حقوقية مركبة تتقاطع فيها العدالة الجنائية مع الحق في الحياة، إذ تُسجل سنويًا مئات الحالات التي تُصنف رسميًا باعتبارها انتحارًا، بينما تصر عائلات الضحايا ومنظمات مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي على أن جزءًا من هذه الوفيات قد يخفي جرائم قتل لم يتم التحقيق فيها بصورة كافية، وفق ما ورد في تقرير لصحيفة "الغارديان".

تجسد قضية الممرضة شبنم كوكر هذا الجدل الحقوقي، حيث عاشت الشابة البالغة من العمر 29 عامًا حياة وصفها أصدقاؤها بالاستقلالية والميل للمغامرة، لكنها كانت تخشى المرتفعات بشدة، بحسب ما أكده والدها عبد الله كوكر.

يقول إن ابنته لم تكن تجرؤ على الاقتراب من شرفة الشقة التي كانا يتشاركانها في الطابق الثالث بمدينة إزمير، الأمر الذي جعله يرفض تمامًا فرضية انتحارها بالقفز من نافذة فندق في إسطنبول.

مكالمة هاتفية أخيرة

يروي الأب تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل وفاة ابنته، مشيرًا إلى أنها أخبرته بأنها ستزور أصدقاءها وتلتقي مع قائد سفينة تجارية كانت تعرفه منذ نحو عام، مضيفا أن مكالمة هاتفية أخيرة تلقاها منها بدت خلالها مضطربة، كانت آخر تواصل بينهما قبل أن يتلقى اتصالًا لاحقًا من رجل قال له إن ابنته توفيت بين ذراعيه.

يصف عبد الله مشهد رؤيته جثة ابنته داخل مشرحة البلدية، حيث تسلم وثيقة تفيد بأنها سقطت من نافذة فندق على ارتفاع تسعة أمتار وارتطمت بدرابزين معدني، لكنه يؤكد أن الشرطة ركزت منذ البداية على احتمال الانتحار، إذ تعرض لاستجواب حول الحالة النفسية لابنته دون أن تُقدم له، بحسب روايته، أدلة تدعم هذا الاستنتاج.

توضح الإجراءات القانونية في تركيا أن المدعين العامين يملكون سلطة تقرير ما إذا كانت الوفاة تستدعي تحقيقًا موسعًا خلال الساعات الأولى، وهو ما حدث في قضية شبنم عندما زارت الشرطة موقع الحادث، لكن المدعي العام لم يفعل، في مؤشر رأت العائلة أنه يعكس غياب التعامل مع القضية باعتبارها حالة وفاة مشبوهة.

وتكشف التحقيقات أن شبنم لم تكن وحدها وقت وفاتها، إذ كان قائد السفينة التجارية تيموتشين بايهان موجودًا في الغرفة نفسها، وأفاد في شهادته بأنه لم يرها تسقط، مدعيًا أنه كان نائمًا في غرفة أخرى قبل أن يسمع صوت ارتطام، كما أشار إلى أنها كانت تحت تأثير الكحول.

وأظهر تشريح الجثة وجود نسبة مرتفعة من الكحول في دمها، بينما أكد زميلها يونس جينجاي أنها لم تكن معروفة بالإفراط في شرب الكحول.

بين الشكوك والإحصاءات

تُظهر البيانات الحكومية في تركيا تسجيل مئات حالات انتحار النساء سنويًا نتيجة السقوط من أماكن مرتفعة، حيث باتت هذه الطريقة تمثل واحدة من كل أربع حالات انتحار بين النساء، مقارنة بواحدة من كل خمس حالات قبل عشر سنوات، كما سجلت بيانات عام 2024 وفاة أكثر من 250 امرأة بهذه الطريقة.

تؤكد الطبيبة والناشطة في حقوق المرأة، غولسوم كاف، أن التحدي الأساسي يبدأ من مسرح الجريمة، حيث يتعين جمع الأدلة والتعامل مع الوفاة باعتبارها حالة مشبوهة، لكنها تشير إلى أن النيابة العامة تستطيع لاحقًا تصنيفها كحادث أو انتحار، وهو ما يؤدي غالبًا إلى إغلاق القضايا.

توضح كاف أن تطور تقنيات الطب الشرعي أدى إلى تراجع حالات الوفاة الناتجة عن التسمم، بعد أن أصبح بالإمكان اكتشافها عبر تحاليل الدم، بينما ارتفعت حالات الوفاة المرتبطة بالسقوط، التي يصعب إثبات ما إذا كانت انتحارًا أو حادثًا أو جريمة قتل.

ومن جانبها، تكشف بيانات منظمة "سنوقف قتل النساء" أن عام 2024 شهد تسجيل 394 جريمة قتل نساء، إضافة إلى 258 حالة وفاة مشبوهة، من بينها 40 حالة مرتبطة بالسقوط من أماكن مرتفعة، وهو ما تعتبره المنظمة مؤشرًا على احتمال وجود جرائم لم تُكشف ملابساتها بالكامل، بحسب التقرير ذاته.

تشير كاف إلى أن خبراء الطب الشرعي يمتلكون أدوات علمية لتحديد ما إذا كان السقوط نتيجة دفع أم لا، مستشهدة بإدانة رجل أعمال في عام 2019 بعد أن أثبت تقرير فيزيائي أنه دفع طالبة من الطابق العشرين، معتبرة أن تطبيق هذه الأساليب يمكن أن يحسم العديد من القضايا المشابهة.

تحقيقات معلقة

تسلط قضية شبنم الضوء على التعقيدات القضائية في التعامل مع وفيات النساء، إذ بدأت الشكوك تتزايد بعد جنازتها عندما راجع أحد أصدقاء العائلة، وهو ضابط شرطة، إفادات الشهود وأشار إلى احتمال وجود جريمة قتل.

وأعادت المحامية وصديقة طفولة شبنم، نيفراز سيغين، فتح التحقيقات بعد أن زارت موقع الحادث وراجعت تسجيلات كاميرات المراقبة التي أظهرت شجارًا بين الضحية والرجل الذي كان برفقتها.

تكشف مراجعة الأدلة وجود آثار شجار داخل غرفة الفندق، من بينها بقع دماء وظفر ممزق عُثر عليه في ملاءة السرير، كما أظهرت رسائل نصية أرسلتها شبنم لصديقاتها أنها كانت تشعر بالقلق من تصرفات الرجل الذي كانت تلتقيه.

تُظهر التحقيقات اللاحقة أن الرجل قدم روايات متباينة حول ما حدث في تلك الليلة، مشيرًا لاحقًا إلى أنهما تشاجرا بسبب رفضه ترك زوجته، بينما أكد أنه لم يرها تسقط، ورغم إعادة استجوابه كمشتبه به واحتجازه مؤقتًا، أُطلق سراحه بكفالة في انتظار المحاكمة.

توضح المحامية سيغين أن طلبها إعداد تقرير فيزيائي متخصص لتحليل كيفية سقوط شبنم رُفض، رغم اعتماد هذا النوع من التقارير في قضايا مشابهة، وهو ما اعتبرته عائقًا أمام إثبات الحقيقة.

تبرئ المحكمة بايهان في أواخر عام 2022، مستندة إلى نقص الأدلة الملموسة، وإلى شهادة الشهود واختبار إسقاط دمية لمحاكاة السقوط، معتبرة أن الشجار بين الطرفين لا يخرج عن نطاق الخلافات الطبيعية، مع الإشارة إلى حالة سُكر الضحية.

استئناف الحكم

تواصل سيغين استئناف الحكم حتى وصل إلى أعلى محكمة استئناف في تركيا، حيث أشار مكتب المدعي العام في يونيو 2024 إلى أن التحقيقات الأولية لم تستجوب شهودًا رئيسيين ولم تفحص احتمال التلاعب بالأدلة، مطالبًا بإعداد تقرير طب شرعي فيزيائي لفهم ملابسات الحادث.

تكشف قضية أخرى مشابهة هي وفاة أيسون يلدريم، التي سقطت من مبنى مكاتب بارتفاع 17 مترًا، عن نمط متكرر من الشكوك حول تصنيف الوفيات.

ويؤكد والداها أن المدعي العام أصر على اعتبار وفاتها انتحارًا دون توضيح الأسباب، كما أشارا إلى أدلة، بينها رسائل هاتفية ووجود حمض نووي لشخص آخر تحت أظافرها، لم تُفحص في البداية.

توضح المحامية ليلى سورين أن مراجعة ملف القضية كشفت تجاهل أدلة جنائية مهمة، من بينها بيانات موقع الهاتف التي أظهرت وجود الشخص الذي كانت تتواصل معه في موقع الحادث، إضافة إلى غياب بصمات أصابع على النافذة التي يُعتقد أنها قفزت منها.

تؤكد سورين أن التحقيقات في القضية تقدمت ببطء شديد، رغم إعادة فتحها واعتقال المشتبه به لفترة قصيرة، مشيرة إلى أنها قد تلجأ إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان باعتبار أن السلطات لم تحقق في الوفاة بما يتناسب مع خطورتها.

وتعكس هذه القضايا، بحسب روايات العائلات والمحامين والناشطين، صراعًا طويلًا لإثبات أن بعض وفيات النساء قد تكون مرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، في ظل إجراءات تحقيق يعتبرها كثيرون غير كافية.

وبينما تستمر المعارك القضائية، تبقى عائلات الضحايا في انتظار إجابات حاسمة حول ما حدث، معتبرة أن تحقيق العدالة يمثل امتدادًا للحق الأساسي في الحياة، الذي ترى أنه لا ينتهي بوفاة الضحية بل يبدأ بعده في مسار البحث عن الحقيقة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية