بعد عقود من الرفض.. الأحزاب الإسرائيلية تتجه لدعم قانون تجنيد الحريديم
بعد عقود من الرفض.. الأحزاب الإسرائيلية تتجه لدعم قانون تجنيد الحريديم
يشهد المشهد السياسي في إسرائيل تحولًا غير مسبوق مع اقتراب عام 2026، بعد نحو 78 عامًا ظلّت خلالها قضية تجنيد الحريديم (اليهود المتدينين المتشددين) من أكثر الملفات حساسية ومحظورة النقاش داخل المجتمع الإسرائيلي.
وطالما استقرّ عرف سياسي واجتماعي يقضي برفض الحريديم للخدمة العسكرية، مقابل تجنّب الحكومات المتعاقبة فرض التجنيد عليهم، في إطار تسويات هشة حافظت على التوازن داخل الائتلافات الحاكمة.
ويبدو هذا الواقع اليوم على أعتاب تغيير جذري، إذ أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، منها القناة 14، اليوم الاثنين، بأن ممثلي الأحزاب الحريدية في الكنيست يعتزمون، وللمرة الأولى منذ قيام دولة إسرائيل، التصويت علنًا لمصلحة قانون التجنيد، وذلك بناءً على توجيهات صادرة عن مرجعياتهم الدينية.
وتُعد هذه الخطوة سابقة تاريخية تكسر واحدًا من أكثر “الخطوط الحمراء” رسوخًا في السياسة الإسرائيلية.
مراجعة داخلية متنامية
تشير مصادر مطلعة إلى أن هذا التحول لا يعود فقط إلى ضغوط سياسية أو قضائية، بل يعكس مراجعة داخلية متنامية في أوساط القيادات الدينية الحريدية التي باتت ترى أن استمرار استخدام مبدأ “توراته مهنته” غطاءً شاملاً للإعفاء من الخدمة العسكرية أضعف مصداقية عالم التوراة نفسه، وفتح الباب أمام فئات لا تنخرط فعليًا في الدراسة الدينية للتهرب من التجنيد.
وإلى جانب البعد الأيديولوجي، برز عامل براغماتي لا يقل تأثيرًا، يتمثل في المصالح المباشرة للمؤسسات الحريدية. فالقانون الجديد يربط الالتزام بأهداف التجنيد بعقوبات مالية صارمة، ما يعني أن فشل المعاهد الدينية في تحقيق النسب المطلوبة قد يؤدي إلى تقليص الميزانيات الحكومية المخصصة لها.
ودفع هذا الواقع قادة هذه المؤسسات إلى تبني مقاربة جديدة، تقوم على تشجيع الشبان غير المتفرغين للدراسة الدينية على الالتحاق بالجيش، حفاظًا على استقرار التمويل واستمرارية المؤسسات.
نقلة نوعية في إسرائيل
يرى مراقبون أن قانون التجنيد المرتقب لعام 2026، رغم ما يحمله من ثغرات ونقاط خلاف، يشكل نقلة نوعية لأنه يجمع للمرة الأولى بين ثلاثة عناصر أساسية: أهداف تجنيد توصف بأنها أكثر واقعية، وآليات عقابية واضحة وصارمة، وموافقة حريدية تجعل التجنيد مصلحة داخلية للقطاع نفسه بدل أن يكون مفروضًا عليه من الخارج.
ومع انتقال القانون من مرحلة التشريع إلى مرحلة التطبيق، تتوزع مسؤولية نجاحه على عدة أطراف؛ فالحكومة مطالبة بتنفيذه دون تراجع، والجيش الإسرائيلي مطالب بتوفير أطر استيعاب مناسبة للمجندين الجدد، في حين تتحمل لجنة الخارجية والأمن في الكنيست مسؤولية الرقابة وضمان استدامة هذا التحول.
ويأتي هذا التطور في أعقاب قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الصادر في صيف 2024، والذي أقر إلزام الحريديم بالخدمة العسكرية الإلزامية، بعد عقود من الإعفاء بحجة التعارض مع تعاليم الطائفة، وكان هذا القرار قد قوبل آنذاك برفض واسع في الأوساط الحريدية، تُرجم إلى مظاهرات واحتجاجات حاشدة، ما يجعل التحول الحالي أكثر دلالة على عمق التغير الجاري داخل هذا المجتمع المغلق تقليديًا.
ولا يقتصر الجدل حول قانون التجنيد الجديد على كونه تشريعًا عسكريًا فحسب، بل يعكس إعادة صياغة للعلاقة بين الدين والدولة في إسرائيل، ويكشف عن تحولات داخلية عميقة في المجتمع الحريدي نفسه، قد تكون لها تداعيات سياسية واجتماعية بعيدة المدى على شكل النظام الإسرائيلي في السنوات المقبلة.











