العطش يهدد أفغانستان.. تحذير أممي من أزمة مياه تهدد نحو 16 مليون شخص
العطش يهدد أفغانستان.. تحذير أممي من أزمة مياه تهدد نحو 16 مليون شخص
حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من تفاقم أزمة المياه في أفغانستان، مؤكداً أن أكثر من 67% من ولايات البلاد تعاني من الجفاف ونقص حاد في الموارد المائية، في وقت بات فيه نحو 16 مليون شخص بحاجة ماسة إلى مياه شرب نظيفة، وسط ظروف إنسانية تتدهور بسرعة وتضع ملايين الأسر أمام مخاطر صحية ومعيشية متزايدة.
ووفق ما نقلته شبكة "أفغانستان إنترناشيونال" الاثنين عن مكتب أوتشا، فإن الاحتياجات الإنسانية المتعلقة بالمياه وخدمات الصحة والنظافة تشهد تصاعداً غير مسبوق، ما دفع المكتب الأممي إلى المطالبة بتوفير ميزانية عاجلة قدرها 163 مليون دولار لمواجهة الأزمة المتفاقمة والحد من آثارها في الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع الأفغاني.
تصاعد الضغوط الإنسانية
أوضح مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن الأزمة الحالية لا تعود إلى الجفاف وحده، بل تفاقمت بفعل عودة أعداد كبيرة من اللاجئين الأفغان من الدول المجاورة خلال الأشهر الماضية، ما زاد الضغط على الموارد المحدودة أصلاً، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى بنية تحتية قادرة على استيعاب هذا التدفق السكاني المفاجئ.
وأشار التقرير إلى أن تزامن الجفاف مع انتشار الأمراض والفيضانات المتكررة والزلازل أسهم في تعميق الأزمة الإنسانية، حيث أصبحت العديد من المجتمعات غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية من المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، الأمر الذي يهدد بانتشار واسع للأمراض المنقولة عبر المياه.
أرقام تعكس عمق الأزمة
كشفت التقييمات الوطنية الشاملة أن نحو 85% من الأسر الأفغانية تعرضت على الأقل لخطر بيئي واحد، سواء كان جفافاً أو فيضانات أو زلازل أو موجات برد قاسية، كما أظهرت البيانات ارتفاع نسبة الأسر التي تحتاج إلى مياه شرب نظيفة من 26% في عام 2024 إلى 37% في عام 2025، وهو مؤشر يعكس سرعة تدهور الأوضاع خلال فترة زمنية قصيرة.
وأكد أوتشا أن الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية في الوصول إلى المياه النظيفة تتسع بشكل مقلق، إذ تشهد المدن تحسناً نسبياً في البنية التحتية والخدمات، في حين تعاني القرى والمناطق الريفية من صعوبات كبيرة، أبرزها ارتفاع تكاليف الحصول على المياه وبعد المسافات عن مصادر المياه الصالحة للاستخدام.
الريف الأكثر تضرراً
لفت التقرير إلى أن الجفاف المتصاعد ألحق أضراراً مباشرة بالموارد المائية في المناطق الريفية، حيث تعتمد غالبية الأسر على الزراعة وتربية المواشي بوصفهما مصدراً رئيسياً للدخل. ونتيجة لذلك انخفض متوسط دخل هذه الأسر بنسبة 13%، في حين ارتفعت مستويات الديون بنسبة 30%، ما زاد من هشاشتها الاقتصادية وقلص قدرتها على مواجهة الصدمات المتلاحقة.
وأشار أوتشا إلى أن هذه الظروف دفعت العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات سلبية للبقاء، مثل تقليص الوجبات الغذائية أو إخراج الأطفال من المدارس أو بيع الأصول الإنتاجية، وهي حلول مؤقتة تحمل آثاراً طويلة الأمد على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
النساء والفئات الأضعف
أبرز التقرير أن الأسر التي تعيلها نساء تعد من بين الأكثر تضرراً من أزمة المياه، في ظل القيود الثقافية والاجتماعية التي تحد من فرص عمل النساء ومشاركتهن في البرامج الإنسانية، كما أشار إلى أن 41% فقط من الأسر التي تضم أفراداً من ذوي الإعاقة لديها إمكانية الوصول إلى مرافق صحية مناسبة، ما يزيد من معاناتهم اليومية ويعرضهم لمخاطر صحية مضاعفة.
وأوضح أوتشا أن كثيراً من النساء يضطررن إلى قطع مسافات طويلة لجلب المياه، ما يعرضهن لمخاطر أمنية وصحية جسيمة، في حين تحرم الفتيات المراهقات من مواصلة تعليمهن بسبب غياب المرافق الصحية الملائمة في المدارس والمنازل، الأمر الذي يكرس حلقة الفقر والتهميش.
ولايات عالية الخطورة
حذّر المكتب الأممي من أن تزامن الجفاف مع خطر تفشي الأمراض أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في عدد من الولايات التي تستضيف أعداداً كبيرة من العائدين، منها هرات وننغرهار ونيمروز وخوست، وأكدت التقييمات أن 18 ولاية أفغانية تصنف على أنها عالية الخطورة من حيث الهشاشة المناخية، ما يستدعي تدخلاً عاجلاً ومنسقاً لتفادي كارثة إنسانية أوسع.
وأشار التقرير إلى أن ضعف الاستعداد لفصل الشتاء ونقص المعدات الأساسية يهددان بتفاقم معاناة السكان خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً في المناطق الجبلية والنائية التي تعاني أصلاً من صعوبة الوصول إليها.
مناشدة عاجلة ودعوة للتحرك
طالب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية المجتمع الدولي بتوفير ميزانية قدرها 163 مليون دولار لإعادة بناء وإصلاح أنظمة المياه المتضررة، وتوسيع خدمات المياه والصحة والنظافة، وتلبية احتياجات العائدين، إضافة إلى تعزيز الاستجابة السريعة لتفشي الأمراض والاستعداد لفصل الشتاء من خلال تخزين المعدات والمواد الأساسية.
وأكد المكتب أن أي تأخير في الاستجابة سيؤدي إلى تعميق معاناة الملايين ويزيد من احتمالات النزوح الداخلي وعدم الاستقرار، مشدداً على أن الاستثمار في قطاع المياه يعد مدخلاً أساسياً للحد من المخاطر الصحية ودعم صمود المجتمعات المحلية في مواجهة التغيرات المناخية المتسارعة.
تعاني أفغانستان منذ سنوات من أزمات إنسانية متداخلة، تفاقمت بفعل الصراع الطويل والتغيرات المناخية والانهيار الاقتصادي، ويعد الجفاف من أخطر التحديات التي تواجه البلاد، إذ أثر بشكل مباشر في الزراعة والأمن الغذائي وسبل العيش، خاصة في المناطق الريفية، ومع عودة أعداد كبيرة من اللاجئين من الدول المجاورة خلال الفترة الأخيرة، ازدادت الضغوط على الموارد المحدودة والبنية التحتية الهشة، وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن معالجة أزمة المياه في أفغانستان لا تقتصر على توفير التمويل الطارئ فحسب، بل تتطلب استثمارات طويلة الأمد في إدارة الموارد المائية وبناء أنظمة مستدامة قادرة على الصمود أمام الصدمات المناخية المتكررة، ما يضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة لملايين الأفغان.











