الاقتصاد تحت المساءلة.. صك أممي ملزم يضع الشركات في قلب منظومة حقوق الإنسان
أمام الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان
يشهد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة نقاشا متقدما حول مشروع صك دولي ملزِم يربط بوضوح بين أنشطة الشركات وواجبات حقوق الإنسان، وذلك خلال دورته الحادية والستين المنعقدة بين 23 فبراير و2 أبريل.
ويستعرض المجلس تقريرا أمميا يؤكد أن الفصل بين الاقتصاد وحقوق الإنسان لم يعد ممكنا، وأن حماية الكرامة الإنسانية يجب أن تكون جزءا أصيلا من منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.
ويرصد التقرير أعمال الدورة الحادية عشرة للفريق العامل الحكومي الدولي المفتوح العضوية المعني بالشركات عبر الوطنية وغيرها من مؤسسات الأعمال في ما يتعلق بحقوق الإنسان، الذي أنشأه مجلس حقوق الإنسان بموجب قراره 26/9 لعام 2014، وكلفه بإعداد صك ملزم قانونا ينظم أنشطة الشركات في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان.
الشركات عبر الوطنية (TNCs) هي مؤسسات ضخمة تمتلك أو تسيطر على إنتاج السلع أو الخدمات في أكثر من دولة، وتدير عملياتها من مقر رئيسي مع فروع أجنبية، وتلعب دورا محوريا في الاستثمار الأجنبي المباشر ونقل التكنولوجيا، حيث تسعى لتعزيز النمو والوصول لأسواق جديدة.
وتشير المناقشات إلى أن المسار التفاوضي لا يقتصر على صياغة تقنية لنص قانوني، بل يمثل جهدا سياسيا وأخلاقيا لإعادة توجيه الاقتصاد العالمي بما يضمن مساءلة الشركات وحماية الأفراد والبيئة.
وفي ظل أزمات عالمية متشابكة، من تغير المناخ إلى النزاعات المسلحة، شددت الوفود على أن حقوق الإنسان لا يجوز أن تخضع لمنطق الربح أو المنافسة، بل تشكل التزامات قانونية ملزمة للدول، ومسؤوليات متزايدة على عاتق قطاع الأعمال.
وسجلت الدورة إشارات مهمة إلى تطور الاجتهاد القضائي الدولي، لا سيما في قرارات محكمة العدل الدولية ومحكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان، التي أقرت بمسؤولية الدول عن تنظيم أنشطة الجهات الفاعلة من الشركات، خصوصا فيما يتعلق بالآثار المناخية وضمان سبل الانتصاف للمتضررين.
كما لوحظ تزايد اعتراف المحاكم الوطنية بدور بعض الشركات في الإضرار بالحقوق البيئية والاجتماعية، ما يعكس توافقا دوليا متناميا على ترابط مسؤولية الشركات وحقوق الإنسان.
وأكدت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التزامها بدعم مسار التفاوض، معتبرة أن الصك الملزم يمكن أن يعزز الوصول إلى العدالة، ويوفر معايير واضحة وقابلة للتنفيذ، ويضع حقوق الإنسان في قلب السياسات الاقتصادية.
كما شددت الوفود على أن المعاهدة المرتقبة ينبغي أن تنسجم مع المبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، وأن تبني عليها لضمان الاتساق والمصداقية في النظام الدولي.
ورغم التقدم في بعض المناطق، حذرت مداخلات عدة من تفاوت الالتزامات، ومن محاولات إضعاف معايير حقوق الإنسان في بعض الولايات القضائية، الأمر الذي قد يقوض الجهود الرامية إلى تعزيز مساءلة الشركات.
وفي هذا السياق، برزت أهمية إبرام صك ملزم يحقق تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين، ويحمي أصحاب الحقوق، ويكفل وصول ضحايا الانتهاكات المرتبطة بالأنشطة التجارية إلى سبل الانتصاف الفعالة وجبر الضرر.
وأشارت الوفود إلى مبادرات تشريعية وطنية وإقليمية تتعلق بالعناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان والبيئة، والشفافية وحماية العمال والسلوك التجاري المسؤول.
كما طرحت خطط العمل الوطنية وبرامج التدريب وتعزيز معايير حقوق الإنسان في المشتريات العامة، كأدوات مكملة لتنفيذ الالتزامات الدولية، إلى جانب جهود منظمة العمل الدولية ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي في مجال السلوك التجاري المسؤول.
في المقابل، عبرت منظمات مجتمع مدني وعدد من الدول عن قلقها من استمرار انتهاكات جسيمة مرتبطة بأنشطة تجارية، شملت حقوق العمال ونزع ملكية الأراضي واستغلال الموارد الطبيعية والتدهور البيئي، بل وارتباط بعض الأنشطة بسياقات نزاع وانتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم دولية، كما أكدت هذه الأطراف أن غياب إطار ملزم يكرس فجوات في المساءلة ويسمح باستمرار الإفلات من العقاب.
وخلصت المناقشات إلى أن اعتماد معاهدة دولية ملزمة يمكن أن يعزز اليقين القانوني ويدعم المنافسة العادلة والمستدامة، بما يخدم أيضا استقرار الشركات على المدى الطويل ويقلل المخاطر القانونية والسمعة السلبية.
كما أن الشركات التي تدمج حقوق الإنسان في سياساتها التشغيلية غالبا ما تعزز ثقة المستثمرين والمستهلكين، وتوسع فرصها في الأسواق.
واختتمت الدورة بجلسات تفاوضية حول المشروع المحدث للصك الملزم، مع توصيات بمواصلة الحوار بين الدول، وتوسيع المشاركة من مختلف الأقاليم، والعمل على تقارب المواقف وصولا إلى خريطة طريق واضحة في الاجتماعات المقبلة.
ويعكس هذا المسار قناعة متزايدة بأن ربط الاقتصاد بحقوق الإنسان لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة قانونية وأخلاقية لضمان تنمية عادلة ومستدامة للجميع.










