بعد زيارة رسمية.. دعوة أممية لمواءمة التشريعات السنغالية مع اتفاقية مناهضة التعذيب

أمام الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان

بعد زيارة رسمية.. دعوة أممية لمواءمة التشريعات السنغالية مع اتفاقية مناهضة التعذيب
عناصر من الأمن السنغالي - أرشيف

تتواصل الجهود الدولية لتعزيز حظر التعذيب باعتباره قاعدة آمرة في القانون الدولي لا يجوز انتهاكها تحت أي ظرف، في وقت تؤكد فيه تقارير حقوقية أن سوء المعاملة في أماكن الاحتجاز لا يزال تحدياً قائماً في عدد من الدول.

وفي هذا السياق، تستعرض المقررة الخاصة المعنية بمسألة التعذيب وغيرها من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أليس جيل إدواردز، نتائج زيارتها الرسمية إلى السنغال، والتي أُجريت بين 3 و14 فبراير الجاري، وذلك ضمن تقرير يُعرض على مجلس حقوق الإنسان في دورته الحادية والستين المقررة بين 23 فبراير و31 مارس المقبل.

ولا تقتصر الزيارة على رصد أوضاع أماكن الاحتجاز، بل تمتد إلى تقييم أداء أجهزة العدالة والشرطة والدرك، ومدى التزامها بالمعايير الدولية في منع التعذيب وضمان المساءلة، فضلاً عن الوقوف على أوضاع الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها النساء والأطفال.

ويولي التقرير اهتماماً خاصاً بظروف الأطفال في المدارس الداخلية المعروفة محلياً باسم "الدارا"، وهي مؤسسات تعليمية دينية أثارت في السنوات الأخيرة نقاشات واسعة حول ظروف الإقامة والرعاية والحماية.

ويمثل عرض نتائج الزيارة أمام مجلس حقوق الإنسان محطة أساسية في مسار المساءلة الدولية، إذ يتيح مناقشة التحديات القائمة وتقديم توصيات عملية لتعزيز الضمانات القانونية والمؤسسية، وضمان أن تبقى كرامة الإنسان -خاصة المحتجزين والأطفال- مصونة في جميع الظروف.

أوضاع أماكن الاحتجاز

رصدت المسؤولة الأممية خلال زيارتها أوضاع أماكن الاحتجاز، وأداء أجهزة العدالة والشرطة والدرك، إضافة إلى قضايا تتعلق بالتعامل مع النساء والأطفال، وتحديدًا في المدارس الداخلية المعروفة بـ"الدارا".

التقت إدواردز خلال الزيارة وزير التكامل الإفريقي والشؤون الخارجية والسنغاليين في الخارج، ووزير العدل، وأعضاء المحكمة العليا والجمعية الوطنية، إلى جانب قيادات الشرطة والدرك، وممثلي عدد من الوزارات، كما اجتمعت بأعضاء اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان والمرصد الوطني لأماكن الحرمان من الحرية. 

وزارت مدن داكار وتوبا وتييس وسان لويس، وتفقدت عددًا من السجون ومقار الشرطة والدرك، إضافة إلى مستشفى الأمراض النفسية في تياروي.

واضطرت إدواردز إلى إنهاء زيارتها لسجن سان لويس بسبب ما وصفته باستقبال عدائي، معربة عن أسفها لعدم تمكنها من إجراء مقابلات سرية مع محتجزين تختارهم بنفسها أو تفقد بعض الزنازين، وهو ما اعتبرته إخلالًا بالإجراءات المعتمدة لزيارات المكلفين بولايات في إطار مجلس حقوق الإنسان.

اتفاقيات دولية وإقليمية

صادقت السنغال على عدد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية ذات الصلة بحظر التعذيب وسوء المعاملة، منها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، وبروتوكولها الاختياري، فضلًا عن اتفاقيات إقليمية إفريقية تحظر التعذيب والعنف ضد النساء والأطفال، ولفتت إلى أن الدستور السنغالي يقر مبدأ سمو القانون الدولي على القانون الوطني.

ولا يتضمن تعريف جريمة التعذيب في القانون الجنائي جميع العناصر الواردة في المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب، ولا سيما ما يتعلق بالأفعال المرتكبة بغرض الحصول على معلومات أو المعاقبة أو التخويف.

وأوضحت أن العقوبات المقررة تتراوح بين خمس وعشر سنوات سجنًا وغرامة من 100 ألف إلى 500 ألف فرنك إفريقي، مع إمكانية خفض العقوبة إلى سنتين مع وقف التنفيذ، معتبرة أن ذلك لا يتناسب مع جسامة الجريمة وفق المعايير الدولية، كما نبهت إلى غياب نص صريح يمنع قبول الأدلة المنتزعة تحت التعذيب.

ولم تتلقَّ إدواردز شكاوى مباشرة بشأن التعذيب خلال الزيارة، لكنها استمعت إلى ادعاءات تتعلق بسوء المعاملة والاستخدام المفرط للقوة وظروف احتجاز غير إنسانية، موضحة أن آليات تقديم الشكاوى تبدو غير واضحة أو غير منظمة، وأن المحتجزين لا يملكون معرفة كافية بكيفية تقديم الشكوى أو الجهة المختصة بها، مؤكدة أن غياب الشكاوى لا يعني غياب الانتهاكات.

أوضاع الاحتجاز

أبدت المقررة الخاصة قلقًا بالغًا إزاء أوضاع الاحتجاز، مشيرة إلى أن النظام السجني يضم 37 مكانًا للحرمان من الحرية بطاقة استيعابية تقارب 10 آلاف مكان، في حين بلغ عدد المحتجزين أثناء الزيارة نحو 14 ألف شخص، أي بنسبة اكتظاظ تصل إلى 40%، موضحة أن المساحة المخصصة للفرد في الزنازين تتراوح بين 1.85 متر مربع و3.4 متر مربع، معتبرة أن الحد الأدنى المعتمد وطنيًا يقل عن المعايير الدولية ويشكل في حد ذاته معاملة غير إنسانية.

عزت إدواردز أسباب الاكتظاظ إلى عوامل عدة، أبرزها التأخر في الفصل في القضايا الجنائية، وطول مدد الحبس الاحتياطي الذي يُلجأ إليه بشكل شبه تلقائي، وضعف تطبيق البدائل غير السالبة للحرية، مشيرة إلى مبادرات اتخذتها السلطات، مثل الإقامة الجبرية واستخدام الأساور الإلكترونية، لكنها اعتبرت أن الحل يتطلب استراتيجية شاملة لخفض أعداد المحتجزين.

ودعت المقررة الخاصة الحكومة السنغالية إلى مواءمة تشريعاتها بالكامل مع اتفاقية مناهضة التعذيب، وتعزيز استقلال المرصد الوطني لأماكن الحرمان من الحرية، وضمان تسجيل الشكاوى والتحقيق فيها بصورة مستقلة وسريعة، وتأمين الضمانات القانونية منذ اللحظات الأولى للاحتجاز، ومنها الحق في الاستعانة بمحامٍ والفحص الطبي، ما يرسخ الحماية الفعلية من التعذيب وسوء المعاملة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية