"البصق على المسيحيين في القدس".. مؤشر على تصاعد العنف الديني والكراهية لدى الإسرائيليين

"البصق على المسيحيين في القدس".. مؤشر على تصاعد العنف الديني والكراهية لدى الإسرائيليين
اعتداءات إسرائيلية على رجل دين مسيحي في القدس

في الأزقة الضيقة للبلدة القديمة في القدس، حيث تتقاطع الديانات والتواريخ والرموز الروحية، يتكرر مشهد يحمل دلالات إنسانية صادمة يتمثل في تعرض رجال دين مسيحيين للبصق والإهانة أثناء مرورهم في طرقات يفترض أن تكون مساحة للتعايش والتسامح، ولم تعد هذه الحوادث معزولة أو نادرة، بل تحوّلت، وفق توثيقات حقوقية وإعلامية، إلى ظاهرة متكررة تعكس تصاعداً مقلقاً في أنماط الكراهية الدينية والاستهداف الرمزي للأقليات، ما يضع القدس -ذات الرمزية العالمية- أمام اختبار حقيقي لقيم التعددية وحرية العبادة.

 وفي ظل غياب ردع قانوني حاسم، وتباين المواقف الرسمية، تتسع دائرة القلق من أن تتحول هذه الممارسات إلى مؤشر أعمق على تحولات اجتماعية وسياسية تمس بنية التعايش الديني، وتطرح تساؤلات ملحّة حول حماية الحقوق الدينية في واحدة من أكثر مدن العالم حساسية.

يُشير تقرير صادر عن مركز روسينغ للتعليم والحوار في القدس عام 2024 إلى أن عدد الاعتداءات الموثّقة ضد المسيحيين في 2024 بلغ نحو 111 حادثة تشمل مضايقات وعدوان جسدي، من ضمنها 47 حالة هجوم جسدي تمثّلت في بصق مباشر على الكهنة والراهبات ورجال الدين في الأماكن العامة، مما يدل على توسع الظاهرة من أعمال فردية إلى سلوك متكرر يستهدف أقلية تمثل نحو 1.8% من سكان إسرائيل و4% في القدس.

اعتداءات يومية

هذه الاعتداءات غالباً ما تندرج ضمن سلوكيات أكبر تتضمن التحقير اللفظي وشتم الديانات الأخرى، وتدنيس المقدسات، وكتابات تخريبية على جدران الكنائس وغيرها من أشكال الاعتداء، وقد أبلغ المسيحيون أن هذه الأحداث باتت تحدث بشكل شبه يومي خصوصاً في أوقات الأعياد الدينية والمواسم حيث يتجمّع المسيحيون في أنحاء البلدة القديمة.

وتشير شهادات مسيحيين إلى أن عدداً من هذه الاعتداءات لا ينتهي بإجراءات قانونية رادعة، إذ غالباً ما تتعامل الشرطة الإسرائيلية مع الأحداث كحوادث صغيرة لا تستدعي محاسبة فعالة أو عقوبة حقيقية للمعتدين، ما يُعطي انطباعاً لدى المعتدين بتسامح رسمي أو ضعف في الردع القانوني، وقد وثّقت بعض الحالات النادرة التي وصلت إلى المحكمة أحكاماً مخفّفة تجاه المعتدين، بينما غالباً ما تُغلق القضايا بعد وقت قصير أو يُفرض فيها غرامات بسيطة لا تتناسب مع جسامة الاعتداءات.

يربط مراقبون بين تصاعد هذه الظاهرة والاستقطاب السياسي والديني المتصاعد داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصاً منذ وصول حكومة يمينية متشددة إلى السلطة وعززت تيارات قومية ودينية أكثر تطرفاً حضورها في الساحة العامة، وهو ما يُنظر إليه من قبل بعض المسيحيين كمؤشر على بيئة اجتماعية أقل تسامحاً تجاه الأقليات الدينية.

تراجع عدد السكان المسيحيين

من جانب آخر، يتكرر الحديث عن أثر هذه الاعتداءات على الوجود المسيحي في القدس على المدى البعيد، إذ يلاحظ بعض القادة المسيحيين تراجع عدد السكان المسيحيين في المدينة مقارنة بالقرن الماضي، مع هجرة الكثيرين إلى الخارج نتيجة الشعور بعدم الأمان أو نقص الحماية الكافية، وهو ما يُعدّ تهديداً مباشراً لتاريخ عريق يمتد لقرون كجزء من النسيج الاجتماعي والديني للقدس.

ورغم أن التاريخ اليهودي المسيحي في القدس يمتد لعقود طويلة، فإن تدهور العلاقات وانعكاساته على التعايش الديني في السنوات الأخيرة يتطلب اهتماماً أعمق بالممارسات الاجتماعية التي تُعزِّز الكراهية والتحقير بدل الاحترام والتعاون بين الأديان، وقد أشارت دراسة مركز روسينغ إلى أن العديد من الاعتداءات تُرتكب من قبل شبّان ينتمون لأوساط أصولية وحركات قومية دينية ذات خطاب معادٍ للآخر، ما يجعل التفسير الثقافي والتاريخي لتطور العلاقة بين المجتمعات الدينية المتعددة في القدس أمراً ضروريّاً لفهم هذه الظاهرة.

ردود فعل حقوقية ودينية

تلقى هذه الاعتداءات ردود فعل حقوقية ودينية محلية وإقليمية ودولية. فقد أدان مجلس الكنائس العالمي في القدس هذه السلوكيات واعتبرها شكلاً من أشكال “الاضطهاد ضد المجتمع المسيحي والدين المسيحي” في المدينة، معرباً عن قلقه إزاء عدم اتخاذ إجراءات قانونية قوية لردع المعتدين، وقد أبرز مسؤولون في المجلس أن غالبية المسيحيين الفلسطينيين في القدس يتعرضون إلى مضايقات متكررة من قبل عناصر متطرفة دون حماية كافية من السلطات الأمنية.

من جهة رسمية إسرائيلية، أدان وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين في تصريحات صحفية ظاهرة البصق والإساءات التي تُمارس ضد المسيحيين، مؤكداً أنها لا تمثل قيم اليهودية، ما يعكس وجود وجهات نظر رسمية متباينة في شأن كيفية معالجة الظاهرة وتعامل الدولة معها.

من جانبها، أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية والمغتربين في بيان لها ظاهرة البصق على المسيحيين واعتبرتها انعكاساً لثقافة كراهية وعنصرية تستهدف المسيحيين وغيرهم من غير اليهود، وطالبت المجتمع الدولي بالتدخل لضمان حماية الحرية الدينية وحقوق الأقلية المسيحية، معتبرةً أن الاعتداءات ليست جزئية بل جزءاً من عمليات أوسع من التنكيل والممارسات التمييزية التي يتعرض لها الفلسطينيون في القدس المحتلة.

كما أدانت الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات الاعتداءات المتكررة ضد المسيحيين واعتبرت أن الجمعيات اليهودية المتطرفة وتغطية بعض الجهات الاحتلالية تسعى لإضعاف الوجود المسيحي في القدس، داعيةً المجتمع الدولي ومجلس الكنائس العالمي إلى تحمل مسؤولياتهم لحماية المقدسات والسكان المسيحيين.

تهويد المدينة 

ويرتبط هذا التوتر في بعض الأحيان بسياق أوسع من السياسات الإسرائيلية في القدس الشرقية المحتلة والتركيز على تهويد المدينة وتغيير واقعها الديمغرافي والثقافي، حيث أشارت تقارير إلى زيادة اقتحامات المستوطنين للأماكن الدينية واستخدامها كرابطات لتثبيت النفوذ في المناطق الفلسطينية، ما يزيد من حدة التوترات ويعمّق الإحساس بانعدام الأمان لدى الأقليات الدينية بحسب تقرير مؤسسة القدس الدولية حول ازدياد الاقتحامات والتوترات الاجتماعية.

بحسب أطر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يعد تقويض الاحترام المتبادل بين الأديان في القدس من أعقد تحديات التعايش في المدينة التي تحمل رمزية عالمية لأكثر من دين، ويضع موضوع الاعتداءات على المسيحيين، بما في ذلك البصق عليهم، على رأس القضايا الإنسانية والحقوقية التي تتطلب تجاوباً دولياً قوياً لضمان حماية حرية العبادة وكرامة الأفراد ومقدساتهم، وفقاً لمبادئ القانون الدولي التي تكفل حرية المعتقد وعدم التمييز بين الأفراد على أساس دينهم، وبقاء هذا التوازن يتوقف على الإطار القانوني الفعّال والاستجابة الجادة من السلطات المعنية ومنظمات حقوق الإنسان الدولية للدفاع عن هذه القيم.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية