تصاعد التنمر الإلكتروني يهدد سلامة الأطفال في العالم الرقمي

تصاعد التنمر الإلكتروني يهدد سلامة الأطفال في العالم الرقمي
التنمر الإلكتروني يهدد سلامة الأطفال

يشهد العالم تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التنمر الإلكتروني ضد الأطفال، في ظل الانتشار الواسع للإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءاً أساسياً من حياة الصغار والمراهقين، وتثير هذه الظاهرة مخاوف متزايدة لدى المنظمات الدولية والحقوقية، نظراً لتداعياتها النفسية والاجتماعية الخطيرة على الأطفال، بما في ذلك الاكتئاب والعزلة وفقدان الثقة بالنفس، وفي بعض الحالات المأساوية الانتحار، وتؤكد تقارير أممية أن الفضاء الرقمي بات ساحة جديدة يتعرض فيها الأطفال للعنف والإساءة، ما يتطلب استجابات أكثر شمولاً لحمايتهم، وفق مكتب الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد الأطفال.

بدأت ظاهرة التنمر الإلكتروني بالظهور بشكل واضح مع انتشار الإنترنت والهواتف الذكية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. 

ومع توسع استخدام الشبكات الاجتماعية، تحولت الإساءة الرقمية إلى مشكلة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية، وتشير الدراسات إلى أن معدلات التنمر الإلكتروني ارتفعت بشكل ملحوظ خلال جائحة كوفيد-19 عندما زاد اعتماد الأطفال على الإنترنت للتعلم والتواصل الاجتماعي.

أرقام عالمية مقلقة

تكشف الإحصاءات الحديثة عن انتشار واسع للتنمر الإلكتروني بين الأطفال والمراهقين حول العالم، ووفقاً لتقرير حالة الأطفال في العالم الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، فإن واحداً من كل ثلاثة مستخدمين للإنترنت من الشباب في 30 دولة أفادوا بتعرضهم للتنمر عبر الإنترنت في مرحلة ما، وتشير الدراسات إلى أن نحو 32 في المئة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عاماً تعرضوا لشكل من أشكال التنمر الإلكتروني، بينما اعترف نحو 22 في المئة منهم بأنهم مارسوا التنمر ضد الآخرين عبر الإنترنت، وتوضح البيانات أيضاً أن نحو 15 في المئة من الأطفال أبلغوا عن التغيب عن المدرسة نتيجة تعرضهم للتنمر الرقمي أو العنف عبر الإنترنت.

يشهد العالم تزايداً ملموساً في ظاهرة التنمر الإلكتروني ضد الأطفال، مع توسع استخدام الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي بين الصغار والمراهقين، وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2024 إلى أن طفل واحد من كل ستة أطفال تتراوح أعمارهم بين 11 و15 عاماً تعرض للتنمر عبر الإنترنت، بينما اعترف نحو 12 في المئة منهم بأنهم مارسوا التنمر ضد الآخرين، وتؤكد الدراسات أن الظاهرة تفاقمت خلال السنوات الأخيرة مع اعتماد الأطفال بشكل أكبر على التكنولوجيا الذكية للتواصل والدراسة، ما جعلهم أكثر عرضة للتعرض للإهانات والمضايقات الرقمية.

توضح تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن أكثر من ثلث الشباب في 30 دولة أفادوا بتعرضهم للتنمر الإلكتروني في مرحلة ما من حياتهم، وأن نحو 15 في المئة من الأطفال غابوا عن المدرسة بسبب الخوف أو الضغط النفسي المرتبط بالإساءة الرقمية، كما تشير الدراسات إلى أن منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الرقمية تمثل أكثر البيئات شيوعاً للتنمر الإلكتروني، مع انتشار أساليب متقدمة تشمل نشر صور أو معلومات شخصية محرجة، وإقصاء الأطفال من مجموعات الدردشة، ما يؤدي إلى آثار نفسية طويلة الأمد تشمل الاكتئاب والقلق والعزلة، وفق استطلاع ""U‑Report العالمي 2025.

أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تعقد الأزمة

ووفق تقارير السلامة الرقمية للأطفال 2025–2026 تكشف الاتجاهات الحديثة أن التنمر الإلكتروني أصبح أكثر تعقيداً مع ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث يمكن إنشاء صور ومقاطع فيديو مزيفة تستهدف الأطفال، مما يزيد من صعوبة اكتشاف هذه الانتهاكات. 

وتشير الدراسات الدولية إلى أن نحو 70 في المئة من الأطفال يستخدمون الإنترنت بشكل يومي، وأن أكثر من 80 في المئة من هؤلاء الأطفال يواجهون مخاطر التعرض للإساءة الرقمية أو التحرش عبر الإنترنت، ما يؤكد الحاجة إلى جهود شاملة تجمع بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمجتمع المدني لضمان حماية الأطفال في الفضاء الرقمي.

الأثر النفسي والاجتماعي

تؤكد دراسات نفسية أن التنمر الإلكتروني يترك آثاراً عميقة على الصحة النفسية للأطفال، فقد أظهرت أبحاث منظمة الصحة العالمية أن الأطفال الذين يتعرضون للتنمر عبر الإنترنت أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق واضطرابات النوم مقارنة بأقرانهم، وتشير البيانات إلى أن ضحايا التنمر الرقمي يواجهون احتمالاً أعلى بمرتين للإبلاغ عن مشاعر الحزن أو العزلة، كما تزداد لديهم احتمالات التفكير في إيذاء النفس أو الانتحار، وتوضح تقارير صحية أن الضغوط النفسية المرتبطة بالتنمر الإلكتروني قد تؤثر أيضاً في الأداء الدراسي والعلاقات الاجتماعية للأطفال.

تحذيرات أممية

حذّرت نجاة معلا مجيد، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد الأطفال، من تصاعد مخاطر التنمر الإلكتروني وتأثيراته الخطيرة على الأطفال في مختلف أنحاء العالم، وخلال تقديم تقريرها السنوي أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وأكدت أن الأطفال يواجهون تحديات متزايدة في بيئة رقمية تتسم بتنامي النزاعات والنزوح والفقر والعنف، مشيرة إلى أن التنمر الإلكتروني قد يسبب ضائقة نفسية حادة وتشويهاً دائماً للسمعة، وقد يدفع بعض الأطفال في حالات مأساوية إلى الانتحار وفق الأمم المتحدة.

دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

تتزايد المخاوف من تأثير التقنيات الرقمية الحديثة، خاصة الذكاء الاصطناعي التوليدي، في تفاقم ظاهرة التنمر الإلكتروني. إذ تشير تقارير أممية إلى أن هذه التقنيات قد تُستخدم لإنشاء صور ومقاطع فيديو مزيفة أو معدلة بهدف التشهير بالأطفال أو ابتزازهم، ويؤكد خبراء التكنولوجيا أن قدرة هذه الأدوات على إنتاج محتوى مزيف واقعي تزيد من صعوبة اكتشاف حالات التنمر أو إثباتها، ما يفتح الباب أمام أشكال جديدة من الإساءة الرقمية.

تشير دراسات بحثية إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تمثل البيئة الأكثر انتشاراً للتنمر الإلكتروني بين الأطفال، ووفقاً لمركز بيو للأبحاث، أفاد نحو 59 في المئة من المراهقين في الولايات المتحدة بأنهم تعرضوا لشكل من أشكال التنمر عبر الإنترنت، بما في ذلك نشر إشاعات أو رسائل مسيئة أو مشاركة صور محرجة دون إذن، وتوضح البيانات أن أكثر من 41 في المئة من الضحايا تعرضوا لإهانات مباشرة عبر الرسائل الخاصة أو التعليقات العامة، بينما أبلغ 28 في المئة عن نشر معلومات أو صور شخصية بهدف السخرية أو التشهير.

مواقف المنظمات الحقوقية

دعت منظمات حقوقية دولية منها منظمة العفو الدولية إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي، وأكدت المنظمة أن الشركات التكنولوجية تتحمل مسؤولية كبيرة في الحد من انتشار التنمر الإلكتروني، من خلال تطوير سياسات أكثر صرامة لإزالة المحتوى المسيء وتعزيز آليات الإبلاغ عن الانتهاكات، كما شددت المنظمة على ضرورة توفير أدوات حماية أفضل للأطفال على الإنترنت، بما في ذلك إعدادات الخصوصية وآليات التحقق من الهوية.

القانون الدولي وحماية الطفل

ينص القانون الدولي لحقوق الإنسان على ضرورة حماية الأطفال من جميع أشكال العنف، بما في ذلك العنف الرقمي، وتؤكد اتفاقية حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة على حق الأطفال في الحماية من الإساءة والاستغلال في جميع البيئات، بما في ذلك الفضاء الرقمي، كما أصدرت لجنة حقوق الطفل الأممية توصيات تدعو الحكومات إلى سن تشريعات وتنظيمات تلزم الشركات الرقمية بحماية الأطفال من المخاطر الإلكترونية.

بحسب اليونيسف تعمل العديد من المنظمات الدولية والحكومات على إطلاق برامج توعية تهدف إلى الحد من التنمر الإلكتروني، وتشمل هذه المبادرات تدريب الأطفال على الاستخدام الآمن للإنترنت وتعليمهم كيفية التعامل مع الإساءة الرقمية والإبلاغ عنها، كما تسعى بعض الدول إلى إدراج التربية الرقمية في المناهج الدراسية لتعزيز وعي الأطفال بالمخاطر المرتبطة بالفضاء الإلكتروني.

ورغم هذه الجهود، تشير التقارير الأممية إلى أن الاستجابات الحالية لمكافحة التنمر الإلكتروني لا تزال متفرقة وغير كافية لمواجهة حجم المشكلة، وتؤكد نجاة معلا مجيد أن بناء بيئة رقمية أكثر أماناً للأطفال يتطلب تعاوناً أوثق بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمجتمع المدني، إضافة إلى إشراك الأطفال أنفسهم في تصميم الحلول الرقمية التي تؤثر في حياتهم بحسب مكتب الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد الأطفال.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية