بين الفقر وخطر الانفجار.. الأفغان يواجهون الموت في أراضيهم الملوثة بالمتفجرات
بين الفقر وخطر الانفجار.. الأفغان يواجهون الموت في أراضيهم الملوثة بالمتفجرات
يشهد المدنيون في أفغانستان استمرار تهديد قاتل يتمثل في الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحروب المتفجرة التي تنتشر في مناطق واسعة من البلاد، في إرث ثقيل خلفته عقود من النزاعات المسلحة، ومع تكرار الحوادث المرتبطة بهذه المتفجرات، تتجدد المخاوف الإنسانية بشأن سلامة السكان، خاصة في المناطق الريفية حيث يعيش ملايين الأشخاص بالقرب من مواقع ملوثة بمخلفات الحرب، وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام إلى أن نحو 6.4 مليون أفغاني يعيشون في مناطق ملوثة بالمتفجرات أو بالقرب منها، أي ما يقارب خُمس سكان البلاد، ما يجعل خطر الانفجار جزءاً من الحياة اليومية للعديد من الأسر، وفق برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام "UNMAS".
حادثة نانجارهار تكشف حجم الخطر
سلّطت حادثة انفجار ذخائر غير منفجرة في إقليم نانجارهار شرق أفغانستان الضوء مجدداً على خطورة هذه المخلفات، فقد أعلنت الشرطة الأفغانية، في بيان يوم الثلاثاء، مقتل شخص وإصابة اثنين آخرين إثر انفجار ذخائر كانت مخبأة داخل شحنة من الخردة المعدنية في منطقة سرخرود أثناء تفريغها داخل مصنع في المنطقة الصناعية بمدينة جلال آباد، وأوضحت السلطات أن الرجل كان ينقل الخردة من إقليم لجمان المجاور قبل أن تنفجر الذخائر أثناء تفريغ الحمولة، ما أدى إلى مقتله في موقع الحادث وإصابة شخصين آخرين بجروح طفيفة، فيما فتحت قوات الأمن تحقيقاً لمعرفة ملابسات الحادث.
أرقام الضحايا تكشف عمق الأزمة
تعكس إحصاءات برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام "UNMAS" حجم التهديد الذي تشكله الذخائر غير المنفجرة على المدنيين في أفغانستان، فقد سجلت السلطات الأفغانية خلال عام 2025 ما لا يقل عن 420 ضحية نتيجة الألغام الأرضية ومخلفات الحرب المتفجرة، بينهم 87 قتيلاً و333 مصاباً في 193 حادث انفجار موثق في أنحاء البلاد، وتشير البيانات إلى أن المدنيين يمثلون النسبة الأكبر من الضحايا، في ظل انتشار المتفجرات في مناطق مأهولة بالسكان وحقول زراعية وطرق ريفية، كما تقدر الأمم المتحدة أن أكثر من 54 شخصاً يُقتلون أو يُصابون شهرياً نتيجة انفجار الألغام أو الذخائر غير المنفجرة.
وفي أبريل من العام الماضي حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن أكثر من 100 مليون شخص حول العالم يعيشون تحت تهديد الألغام الأرضية والعبوات الناسفة ومخلفات الحروب، مشيراً إلى أن هذه الأدوات القاتلة تحصد الأرواح وتزرع الخوف في مجتمعات تعاني أصلاً من النزاعات.
الأطفال الضحايا الأكثر هشاشة
تشير التقارير الإنسانية إلى أن الأطفال يشكلون الفئة الأكثر عرضة لخطر هذه المتفجرات، ووفقاً للبيانات الرسمية وتقارير الأمم المتحدة، فإن الأطفال يمثلون نحو 67.5 في المائة من ضحايا الألغام ومخلفات الحرب المتفجرة في أفغانستان، ويعود ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها اللعب في مناطق غير آمنة أو جمع الخردة المعدنية لبيعها، إضافة إلى عدم إدراك مخاطر الذخائر غير المنفجرة التي قد تبدو في بعض الأحيان كأجسام معدنية عادية، وتشير تقديرات منظمات إزالة الألغام إلى أن الأطفال يتعرضون لما يقارب 40 إصابة أو وفاة شهرياً بسبب هذه المتفجرات.
الفقر يدفع المدنيين نحو الخطر
تفاقم الأزمة الاقتصادية في أفغانستان من مخاطر التعرض لهذه الحوادث، حيث يلجأ بعض السكان إلى جمع الخردة المعدنية من مواقع القتال القديمة كمصدر للدخل في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتؤكد تقارير منظمة "HALO Trust" الإنسانية أن هذا النشاط أصبح أحد الأسباب الرئيسية للحوادث المرتبطة بالذخائر غير المنفجرة، إذ قد تحتوي بعض القطع المعدنية التي يجمعها السكان على قذائف أو أجزاء متفجرة لم تنفجر أثناء العمليات العسكرية.
لا تقتصر آثار الذخائر غير المنفجرة على الخسائر البشرية فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد المحلي وسبل العيش، ففي العديد من المناطق الزراعية، يتردد المزارعون في زراعة أراضيهم خوفاً من الألغام أو الذخائر المدفونة في التربة، ما يؤدي إلى تقليص المساحات المزروعة ويؤثر في إنتاج الغذاء، وتشير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO إلى أن تلوث الأراضي الزراعية بالمتفجرات يمثل أحد العوامل التي تعوق التعافي الاقتصادي في المجتمعات الريفية.
إرث عقود من الحروب
ترجع جذور انتشار الذخائر غير المنفجرة في أفغانستان إلى عقود من النزاعات المسلحة التي شهدتها البلاد منذ الغزو السوفيتي عام 1979، مروراً بالحرب الأهلية في التسعينيات، ثم العمليات العسكرية التي أعقبت التدخل الدولي بعد عام 2001، وخلال هذه الفترات استخدمت كميات كبيرة من الألغام والذخائر المتفجرة، ما أدى إلى تلوث مساحات واسعة من الأراضي، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أفغانستان كانت من بين أكثر الدول تلوثاً بالألغام في العالم خلال العقود الماضية.
جهود إزالة الألغام والتحديات
رغم الجهود الدولية لإزالة الألغام ومخلفات الحرب المتفجرة، لا تزال التحديات كبيرة، فقد تمكنت برامج إزالة الألغام خلال السنوات الماضية من تطهير آلاف المواقع الملوثة، إلا أن تقارير برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام تشير إلى أن مئات الكيلومترات المربعة من الأراضي لا تزال ملوثة بالمتفجرات، كما أدى نقص التمويل الدولي في السنوات الأخيرة إلى إبطاء عمليات إزالة الألغام، ما يترك العديد من المجتمعات معرضة للخطر المستمر.
مواقف المنظمات الحقوقية
أعربت منظمات حقوقية دولية عن قلقها من استمرار سقوط الضحايا نتيجة الذخائر غير المنفجرة في أفغانستان، وأكدت منظمة العفو الدولية أن مخلفات الحروب المتفجرة تمثل تهديداً طويل الأمد للمدنيين، داعية إلى تعزيز الدعم الدولي لبرامج إزالة الألغام وتقديم المساعدة للضحايا، كما شددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على ضرورة تكثيف جهود التوعية بمخاطر المتفجرات في المجتمعات المتضررة، خاصة بين الأطفال.
القانون الدولي الإنساني
ينص القانون الدولي الإنساني على ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين من مخلفات النزاعات المسلحة، بما في ذلك إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة وتأمين المناطق الملوثة، كما تلزم الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالألغام الدول الأطراف باتخاذ إجراءات لتطهير الأراضي المتضررة وتقديم الدعم للضحايا، وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن هذه الالتزامات القانونية تمثل جزءاً أساسياً من حماية المدنيين في مرحلة ما بعد النزاع.
أزمة إنسانية ممتدة
مع استمرار وجود ملايين الأفغان بالقرب من مناطق ملوثة بالمتفجرات، تظل الذخائر غير المنفجرة أحد أخطر التحديات الإنسانية في البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن هذه المخلفات تعوق عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية وتؤثر في جهود إعادة الإعمار والتنمية، وفي ظل محدودية الموارد والتمويل، يبقى خطر هذه المتفجرات قائماً، ما يفرض تحدياً طويل الأمد أمام الجهود الإنسانية الرامية إلى حماية المدنيين واستعادة الاستقرار في البلاد، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA.











