على خط النار والقيود.. يوميات المرأة الإيرانية في زمن التصعيد العسكري

على خط النار والقيود.. يوميات المرأة الإيرانية في زمن التصعيد العسكري
إيران- أرشيف

في المدن التي لا تنام إلا على صوت صافرات الإنذار، تستيقظ النساء باكرا، لا للقيام بالمهام التقليدية بل من القلق والخوف، فبين هدير الطائرات وأخبار الجبهات المتلاحقة، تضيق المسافة بين البيت وساحات الحرب، بينما تنعدم مساحات الحرية الشخصية، لتبدو يوميات المرأة الإيرانية في زمن التصعيد العسكري على خط النار من جهة، وتحت وطأة القيود من جهة أخرى.

ومنذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل، لم تعد المواجهة عسكرية فحسب، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، ففي الأحياء السكنية بطهران وأصفهان وكرمانشاه، باتت النساء يتابعن الأخبار بقلوب معلقة بين حماية أسرهن والالتزام بقواعد اجتماعية صارمة لا تلين في أوقات الطوارئ.

وطالما كانت النساء في إيران في قلب التحولات السياسية والاجتماعية، فمنذ احتجاجات مهسا أميني عام 2022، برزت المرأة كصوت مركزي يطالب بالكرامة والحقوق، غير أن أجواء الحرب أعادت ترتيب الأولويات الرسمية، حيث تُرفع شعارات "الأمن القومي" لتبرير مزيد من التضييق على الحريات العامة، بما في ذلك تشديد الرقابة على الملبس والتنقل والنشاط المدني والمشاركة الاجتماعية.

وتحت عنوان "الظروف الاستثنائية"، تُفرض قيود إضافية على الفضاء العام، إذ تزيد الاستدعاءات الأمنية للناشطات الحقوقيات، ويعتبر الخطاب الرسمي أن أي حراك داخلي يستهدف إضعاف الجبهة الداخلية، ففي مثل هذه الأجواء، يصبح الدفاع عن الحقوق مخاطرة مضاعفة وغير محسوبة العواقب.

تدبير الشؤون بأقل الإمكانات

واقتصاديًا، تتحمل النساء عبئا مضاعفا، فمع تصاعد العقوبات الدولية وتذبذب العملة وارتفاع الأسعار، تجد كثيرات أنفسهن مسؤولات عن تدبير شؤون أسر بأقل الإمكانات، وبعضهن يفقدن وظائفهن في قطاعات تأثرت بالأزمة، وأخريات يضطررن للعمل في ظروف غير مستقرة أو غير رسمية، بلا ضمانات أو حماية اجتماعية.

وفي المناطق القريبة من المواقع العسكرية أو الحساسة، تعيش النساء حالة ترقب دائم، حيث تغلق المدارس وتتعطل المواصلات وتنقطع الاتصالات لفترات طويلة، وترفع المستشفيات شعار "الطوارئ"، فيما يُفرض عليهن قيودا تتعلق بالحركة والانتقالات.

ولم تصادق إيران على اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة (CEDAW)، مع قوانين تمييزية واضحة ضد النساء والفتيات.

ووفق تقرير الأمم المتحدة لعام 2025، على الأقل 31 امرأة نُفّذت في حقّهن أحكام الإعدام عام 2024، بعضها في سياق اتّهامات مرتبطة بالعنف الأسري أو الزواج القسري.

وبحسب ما ذكرت منظمة "العفو الدولية"، فقد تم اعتقال 5 ناشطات وتهديد أخريات قبل اليوم العالمي للمرأة عام 2025.

وفي زمن التصعيد العسكري، تصبح حياة المرأة الإيرانية مرآة مكبرة لتعقيدات الدولة والمجتمع، فهي تتحمل آثار الحرب المباشرة وغير المباشرة، وتواجه في الوقت ذاته منظومة قانونية واجتماعية تحد من حركتها وخياراتها، إذ تواصل الحياة اليومية وهي تسير بصمت على خط النار والقيود، وتكتب يوميات ثقيلة، لكنها أيضًا يوميات صمود.

وبين صوت الانفجارات وهمس الأمهات في الليل، تبقى الحقيقة الأوضح أن النساء، حتى في أقسى اللحظات، لسن مجرد ضحايا للصراع، بل فاعلات في صنع المعنى والأمل، ولو من تحت الركام.

نساء في قلب الأوجاع

ومع هذا التقاطع بين التصعيد العسكري ومعاناة المرأة الإيرانية، تقرأ الناشطة النسوية الإيرانية هيفاء سارا الأسدي، واقع الإيرانيات لا بوصفهن أثرا جانبيا للصراع، بل معيارا حاسما لقياس طبيعة النظام الذي سيتشكل مستقبلا في بلادها، إذ تقول إن التصعيد العسكري لا يبقى حبيس الجبهات، بل يتسلل إلى تفاصيل البيوت، ويعيد تشكيل الحياة اليومية للنساء على نحو قاس وخفي.

وتضيف الأسدي، المعنية بالحريات والعدالة العرقية للإيرانيات، لـ"جسور بوست": "الحرب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو البيانات العسكرية، بل بما تتركه من أثر في المطابخ الضيقة، وفي قلق الأمهات، وفي أعين الفتيات اللواتي يتعلمن باكرا معنى الخوف، ففي أزمنة الحرب تُقيد الحريات باسم الأمن، وتُشدد القيود الاجتماعية، فتجد المرأة نفسها تدفع ثمنين معا وهما ثمن العسكرة، وثمن نظام قائم أصلا على التمييز".

وفي صباحات المدن الإيرانية، تستيقظ النساء على أخبار متلاحقة، بين انقطاع محتمل للكهرباء، وارتفاع جديد في الأسعار، وتحذيرات أمنية تُغلف المجال العام بطبقة إضافية من الرقابة، وفي مثل هذا المناخ، تصبح أبسط القرارات اليومية مثل الخروج إلى العمل، واختيار الملابس، والمشاركة في نقاش عام، محاطة بحسابات دقيقة، حيث تتحمل النساء العبء الأكبر والثمن الأفدح.

وترى أن مستقبل المرأة الإيرانية لا يتوقف على غياب شخص بعينه -في إشارة إلى المرشد الإيراني علي خامنئي- بل على شكل النظام الذي سيولد من رحم هذه المرحلة القاسية، فإذا جاء نظام ديمقراطي حقيقي قائم على المساواة وسيادة القانون واحترام التعدد، ستكون تلك فرصة تاريخية لتثبيت الحقوق، لا سيما حقوق النساء من حرية الاختيار، والحماية من العنف، والمشاركة الكاملة في السياسة والاقتصاد.

تكرار النموذج السلطوي

لكنها في الوقت ذاته تحذر من سيناريو مختلف إذا صعد نموذج سلطوي جديد، حتى لو ارتدى واجهة مغايرة، كملكية غير خاضعة فعليا للمساءلة، فإننا نخاطر بإعادة إنتاج المركزية ذاتها، والإقصاء ذاته، وتبقى حقوق المرأة معلقة بقرار السلطة لا بحكم القانون.

وتشير الأسدي إلى أن التحدي يصبح أكثر تعقيدا بالنسبة للنساء الأحوازيات العربيات داخل إيران، إذ يواجهن - بحسب قولها - تمييزا مركبا فهن لا يواجهن فقط التمييز القائم على النوع الاجتماعي، بل أيضا التهميش القومي واللغوي والاقتصادي، لافتة إلى أن غياب الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي يفاقم من هشاشة أوضاعهن، ويجعل الوصول إلى التعليم والفرص الاقتصادية والمشاركة السياسية أكثر صعوبة.

وتؤكد الأسدي أن أي تحول ديمقراطي حقيقي يجب أن يعترف صراحة بالتنوع داخل المجتمع الإيراني، وأن يضمن الحق في اللغة، والتعليم، والتنمية المتوازنة، والمشاركة السياسية المحلية لكل المكونات، لا سيما الشعوب غير الفارسية، ومن دون ذلك، ستظل المرأة العربية تعاني تمييزا مزدوجا، كامرأة وكمنتمية لقومية مهمشة.

وتخلص الأسدي إلى أن التصعيد العسكري لا يقرب الحقوق بل يؤخرها، لأن مناخ الطوارئ يبرر التضييق ويؤجل الإصلاح، إذ تقول "الطريق الأقصر نحو الحقوق ليس عبر المدافع، بل عبر انتقال سياسي شامل إلى دولة مدنية ديمقراطية تعترف بالتنوع، وتحمي الحقوق بنصوص واضحة وآليات تنفيذ فعالة".

وفي نهاية حديثها، تضع السؤال في صيغته الأعمق: "مستقبل المرأة سواء كانت فارسية أم غير فارسية مرتبط بنوع الدولة التي ستولد من هذه اللحظة: هل ستكون دولة مواطنة متساوية، أم سلطة جديدة بثوب قديم؟".

معضلة رحيل النظام

فيما سرد مدير مركز الدراسات العربية الإيرانية في لندن، الدكتور علي نوري زاده، في حديث لـ"جسور بوست"، واقعة تعكس صمود المرأة الإيرانية في ظل التصعيد العسكري، قائلا: "إحدى قريباتي في طهران تواصلت معي مؤخر، وأخبرتني أنها ذهبت للتسوق ففوجئت بأن الأسعار تضاعفت، ما اضطرها إلى شراء نصف الكمية فقط، كي يكفي ما اشترته وتواصل الصمود إلى أن يسقط هذا النظام"، بحسب تعبيرها.

ويرى زاده، الحاصل على اللجوء السياسي في بريطانيا، أن المرأة الإيرانية تقود الشارع في المرحلة الراهنة، مؤكدا أنها "باتت بألف رجل، وتتقدم الصفوف بشجاعة"، لا سيما أن المعضلة لدى النساء والرجال في إيران على حد سواء لم تعد متعلقة بالمعاناة أو شح الموارد أو التضخم، بل تتمحور حول تساؤل واحد هو: متى سيرحل هذا النظام؟

وأكد أن الشعب الإيراني شعب صامد، يشبه الشعب المصري في عراقته وامتداد حضارته، فهو شعب صاحب تاريخ عريق، وليس كيانا طارئا صنعه الاستعمار، على حد وصفه.

وأوضح زاده أن صمود الإيرانيين لا يهدف إلى حماية النظام، بل إلى إسقاطه، مشيرًا إلى أنهم ينتظرون ما ستسفر عنه التحركات والوعود الدولية، بما في ذلك التصريحات التي صدرت عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي دعا فيها الإيرانيين إلى التريث لفترة وجيزة، على حد قوله.

وفي سياق مقارنته بين الماضي والحاضر، أشار إلى أنه خلال الحرب بين إيران والعراق، كان الرجال على الجبهات، بينما اضطلعت النساء بدور المعيل ورئيس الأسرة، يتحملن مسؤولية توفير القوت ويقدمن التضحيات من أجل استمرار الحياة.

وأضاف: "أما اليوم، فإن الجيل الجديد من النساء الإيرانيات يتطلع إلى المستقبل لا إلى الماضي، ويسعى إلى بناء إيران جديدة لأبنائه وبناته".

وأشار إلى أنه "رغم سقوط نحو 40 ألف قتيل من الشباب الإيراني، واستمرار المعاناة، فإن كثيرين ما زالوا مستعدين لتقديم المزيد من التضحيات، واحدة تلو الأخرى، حتى يأتي يوم تحرير إيران من هذا النظام"، بحسب تعبيره.

وأوضح أن حالة الاستياء الشعبي لا تتركز على الهجمات الخارجية بقدر ما تنصب على استمرار النظام، لافتا إلى أن السؤال الجوهري المتداول هو: لماذا لا يرحل؟.

وأشار إلى استنكار قطاعات واسعة من الإيرانيين، وفي مقدمتهم النساء، لسياسات النظام الخارجية، ومهاجمة دول الجوار رغم دعم الأخيرة لطهران وسعيها لمساندتها حتى اللحظات الأخيرة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية