فن اللامبالاة.. العودة من الاستهلاكية إلى الإنسانية

فن اللامبالاة.. العودة من الاستهلاكية إلى الإنسانية

 

 

عن منشورات الأمل في تونس صدرت هذه النسخة المترجمة من الطبعة الإنجليزية لكتاب “فن اللامبالاة” لمؤلفه مارك مانسون، المؤلف والمدون الأمريكي، صغير السن، والذي شاغب عقول الكثيرين بكتابه هذا غير المألوف، وربما التفت العالم إليه بنوع خاص، بعد أن ظهر اللاعب المصري العالمي محمد صلاح وهو يقرأ صفحاته، ما أعطى الكتاب دعاية مجانية عريضة ومثيرة.

ما الذي يقدمه لنا هذا العمل؟

الشاهد أنه ظل يقال لنا طيلة عشرات السنوات أن التفكير الإيجابي هو المفتاح إلى حياة سعيدة ثرية، لكن مارك مانسون لا يعتد بتلك الإيجابية، ويقول: فلنكن صادقين مع أنفسنا، هناك أشياء سيئة وعلينا أن نتعايش معها.

لا يتهرب مانسون من الحقائق ولا يغلفها بالسكر، بل يقولها لنا كما هي، جرعة من الحقيقة الفجة الصادقة المنعشة هي ما ينقصنا اليوم.

ينصحنا ماسون بأن نعرف حدود إمكاناتنا وأن نتقبلها وأن ندرك مخاوفنا ونواقصنا وما لسنا واثقين منه، وأن نكف عن التهرب والفرار من ذلك كله ونبدأ مواجهة الحقائق الموجعة، حتى نصير قادرين على العثور على ما نبحث عنه من جرأة ومثابرة وصدق ومسؤولية وتسامح وحب للمعرفة.

عند المؤلف أن كل شخص لا يستطيع أن يكون متميزاً متفوقاً، ففي المجتمع ناجحون وفاشلون، وقسم من هذا الواقع ليس عادلاً وليس نتيجة غلطتك أنت.

وصحيح أن المال شيء حسن لكن اهتمامك بما تفعله بحياتك أحسن كثيرا فالتجربة هي الثروة الحقيقية.

إنها لحظة حديث حقيقي لشخص يمسكك من كتفيك وينظر في عينيك.. هذا الكتاب صفعة منعشة لهذا الجيل حتى تساعده في عيش حياة راضية.

قبل الخوض في غمار هذا العمل المثير للقراءة سواء اتفقنا معه أو افترقنا عنه يمكننا أن نتساءل، هل كل ما فيه ينفي كل ما قرأناه من قبل في كتب التنمية البشرية؟ الشاهد أن الكاتب ينطلق من جزئية مثيرة للعجب وهي أن كل أحاديث التنمية البشرية هي تجاوزات بلاغية -إن جاز التعبير- وأنه لا مكان لها في أرض الواقع، وهذا حديث قد يراه نفر كثير مغلوطاً وغير جدير بالنظر والعناية، فهناك الآلاف من الكتب والآلاف من الخبراء الذين طوروا رؤى لتطوير الذات، ولم يقتصر الأمر على هؤلاء الخبراء فقط، بل امتد الأمر أيضاً إلى علماء النفس والأطباء، وبات هناك متخصصون كثيرون في هذا السياق، وكل منهم قدم لنا نظرية أو أكثر في التعاطي مع فنون الحياة.

ولعل أول كاتب أمريكي لفت الانتباه في العالم العربي إلى هذا النوع من التطوير الذاتي إنما كان الكاتب الأمريكي ديل كارنيجي صاحب أشهر كتابين في هذا السياق: الكتاب الأول “دع القلق وابدأ الحياة”، والكتاب الثاني “كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس”.

ولعل الأجيال التي ولدت في ستينيات القرن المنصرم قدر لها أن تطلع على هذين الكتابين في الثمانينيات، وترك لديهم تأثيراً إيجابياً، ومكنهم من نجاحات بعينها، ما يعني أن كل ما يقوله مارك مانسون ليس أحاديث في ألواح محفوظة، إذ يمكن للقارئ أن يتقبل ما جاء به في هذا الكتاب، وللقارئ أيضا أن يرفض… ما الذي يلفت الانتباه في أحاديث مانسون في كل الأحوال؟

يخبرنا مانسون أنه كثيرا ما يأتي النجاح والتطور الذاتي مترافقين معا، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهما شيء واحد.

تركز ثقافتنا اليوم تركيزاً مفرطاً يكاد يكون حصرياً على التوقعات والآمال الإيجابية إلى حد غير واقعي: كن أكثر سعادة.. كن أكثر صحة.. كن الأفضل.. كن أحسن من الآخرين.. كن أكثر ذكاء وأكثر سرعة وأكثر ثراء وأكثر إغراء وأكثر شعبية وأكثر إنتاجية وأكثر استقطابا لحسد الناس وأكثر جلباً لإعجابهم.. كن كاملا مدهشا، وتبرز سبيكة ذهبية من عيار أربعة وعشرين قيراطا قبل إفطارك كل يوم وأنت تمنح زوجتك الجميلة وأطفالك قبلة الصباح ثم انطلق بطائرتك الهليكوبتر الخاصة إلى عملك الرائع الذي يرضي طموحك حيث تمضي أيامك في أداء مهام كبيرة المغزى إلى حد لا يصدق، أعمال من المحتمل أن تنقذ هذا الكوكب ذات يوم… هل هذه ثقافة واقعية أم أن مانسون يدعونا للاستفاقة من تلك الأوهام؟ وإذا كان ذلك كذلك فما الذي لديه ليقدمه لنا كبديل؟

الشاهد أنك إذا توقفت وفكرت في الأمر ملياً ستجد أن النصائح التقليدية للحياة (كل تلك الأشياء الإيجابية الفرحة المصممة للمساعدة الذاتية التي نسمعها طيلة الوقت) هي في واقع الأمر نصائح تركز على ما أنت مفتقر إليه. إنها موجهة توجيها دقيقا مثل شعاع من الليزر إلى ما تراه نقائصك الشخصية ومواضع فشلك، وهي تشدد عليها حتى تراها جيدا.

أنت تتعلم أشياء عن أفضل الطرق لكسب المال لأنك تحس أن المال الذي تجنيه ليس كافيا، وأنت تقف أمام المرآة وتكرر عبارات تؤكد بها لنفسك أنك شخص جميل لأنك تحس كما لو أنك لست جميلا حقا، وأنت تتبع النصائح المتعلقة بالعلاقات والمواعدة لأنك تحس نفسك شخصا لا يمكن أن يحبه أحد على نحو طبيعي. وأنت تجرب تمرينات غبية حمقاء تتصور نفسك من خلالها شخصا أكثر نجاحا لأنك لا ترى نفسك ناجحا بما فيه الكفاية.

والمفارقة المضحكة في ذلك كله أن هذا التركيز الشديد (على ما هو أفضل، وعلى ما هو أكثر تفوقا) لا يفعل شيئا غير تذكيرنا مرة بعد مرة بما لسنا عليه، أو بما نحن مفتقرون إليه، أو بما يجب أن نكونه لولا فشلنا. وفي آخر المطاف، ندرك كلنا أن ما من امرأة سعيدة حقا تجد في نفسها حاجة إلى الوقوف أمام المرآة لتكرر القول إنها سعيدة بالفعل، من غير حاجة إلى ذلك، ولا يجد رجل واثق من نفسه حاجة إلى البرهنة أنه واثق من نفسه، ولا تجد امرأة ثرية حاجة إلى إقناع أي كان بأنها ثرية. إمّا أن تكون شيئا أو لا تكونه، وإذا كنت تحلم بشيء ما، طيلة الوقت، فأنت تعزز الواقع نفسه مرة بعد مرة.. أنك لست كذلك.

 

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية