"فورين أفيرز": عضوية الاتحاد الأوروبي و"الناتو" السبيل الوحيد لتحقيق الأمن الدائم لأوكرانيا

"فورين أفيرز": عضوية الاتحاد الأوروبي و"الناتو" السبيل الوحيد لتحقيق الأمن الدائم لأوكرانيا

كان القرار التاريخي الذي اتخذه زعماء الاتحاد الأوروبي، في ديسمبر، بفتح محادثات مع أوكرانيا بشأن الانضمام إلى المنظمة، بالنسبة لملايين الأوكرانيين، لحظة أمل بمستقبل أكثر إشراقا بعد سنوات من الحرب والمصاعب، وكانت الرسالة واضحة: أوكرانيا تنتمي إلى قلب أوروبا.

ووفقا لمجلة "فورين أفيرز" ما كانت هذه الرؤية لمستقبل أوكرانيا لتختلف عن تلك التي وصفها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو في نفس اليوم، حيث أصر بوتين خلال مؤتمر صحفي متلفز، ردا على أسئلة تم طرحها مسبقا من صحفيين ومواطنين، على أن الأهداف السياسية والعسكرية لروسيا لم تتغير منذ بداية الحرب، وأوضح أن روسيا ليس لديها مصلحة في السلام، بل فقط إخضاع أوكرانيا.

كان حديث "بوتين" يبث واقع روسيا المعاصرة: نظام لم يُبنَ على الشرعية الديمقراطية بل على الأكاذيب والقومية العسكرية، وحكومة تعتمد على الصراع الخارجي لصرف الانتباه عن الإخفاقات الداخلية.

ووفقا لـ"فورين أفيرز"، بينما يدفع بوتين نحو حرب طويلة، يعمل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أجل سلام مستدام، ولأن عواقب الغزو الروسي كانت عالمية -من ارتفاع تكاليف الطاقة إلى نقص الغذاء- فقد عمل المسؤولون الأوكرانيون مع نظرائهم من أكثر من 80 دولة لتنفيذ "صيغة السلام" في أوكرانيا، وهي خطة مكونة من 10 نقاط اقترحها "زيلينسكي" لأول مرة في نوفمبر 2022.

وفي 14 يناير الجاري، سيجتمع مستشارو الأمن القومي لقادة هذه الدول للمرة الرابعة في دافوس بسويسرا لمواصلة وضع إطار لسلام دائم وشامل، ويعتقد أن جميع البلدان المتحضرة في العالم ستدعم هذا المسعى.

وما دام "بوتين" في السلطة، فإن روسيا سوف تظل تهدد ليس أوكرانيا فحسب، بل وأيضاً أمن أوروبا بالكامل، لذا فمن الأهمية بمكان بالنسبة للعالم الديمقراطي أن يضمن سيادة أوكرانيا الحرة المستقلة، وللقيام بذلك، ينبغي لها أن تضع البنية الأمنية اللازمة لردع روسيا العسكرية والإمبريالية.

وإذا رأى "بوتين" أن الغرب يتعهد بالتزامات قوية تجاه أوكرانيا -من خلال المساعدات العسكرية، والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وعضوية حلف شمال الأطلسي- فسوف يفهم أخيراً أنه لا يستطيع أن يصمد بعد كييف، وعندها فقط ستكون هناك إمكانية لسلام مستدام.

الفوز بالحرب

ولتحقيق السلام الدائم، تحتاج أوكرانيا إلى هزيمة روسيا في ساحة المعركة واستعادة سلامة أراضيها، داخل حدودها المعترف بها دوليا.

وعلى مدى عامين، قاومت القوات المسلحة الأوكرانية بشكل بطولي الغزو الروسي، ومن خلال الاستفادة من الأسلحة التي زودها بها الغرب، تمكنوا من استعادة أكثر من 50% من الأراضي التي استولت عليها روسيا منذ فبراير 2022.

وفي الوقت نفسه، أدى توفير أنظمة الدفاع الجوي الحديثة إلى إضعاف فعالية الموجات الروسية الوحشية من الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار، على المدن الأوكرانية، وستكون أوكرانيا ممتنة إلى الأبد للدعم الذي أظهره العالم الديمقراطي خلال أحلك ساعات البلاد.

وعلى الرغم من هذه النجاحات، فإن روسيا لن تنهي حربها العدوانية في أي وقت قريب، وسوف يستمر جنرالاتها في إظهار التجاهل التام لحياة قواتهم، وإرسال عشرات الآلاف من الناس إلى الموت في حرب من اختيار "بوتين"، وستستمر الصواريخ الروسية والكورية الشمالية والطائرات بدون طيار إيرانية الصنع في استهداف المدنيين الأوكرانيين والبنية التحتية الحيوية.

وستكون العواقب وخيمة، إذا تعثر الدعم العسكري لأوكرانيا، بالنسبة لأوروبا وبقية العالم، وإذا سُمح لـ"بوتين" بتحقيق أي من أهدافه في أوكرانيا، فإنه لن يتوقف عند هذا الحد، وسوف تهدد روسيا المزيد من جيرانها، من مولدوفا إلى دول البلطيق، وزعزعة استقرار العالم.

وسوف تنتبه القوى الإقليمية والعالمية الأخرى إلى نجاحه وتستخدم تكتيكات مماثلة لتحقيق أهدافها.. إن هزيمة أوكرانيا سوف تكون بمثابة بداية تفكك النظام الدولي.

يُظهِر التاريخ أن استرضاء الطغاة لا يؤدي إلى السلام، فهو لا يؤدي إلا إلى الصراع في المستقبل، ولهذا السبب، من الضروري أن يعمل حلفاء أوكرانيا على تكثيف دعمهم في عام 2024 وإظهار أن عبارة "طالما استغرق الأمر" تعني أيضًا "بقدر ما يتطلبه الأمر".

وكانت هذه الفلسفة وراء ميثاق كييف الأمني الذي شاركنا في صياغته في عام 2022، وقد حددت تلك الخطة مبادئ أساسية لسلسلة من الضمانات الأمنية طويلة الأجل التي تحتاج إليها أوكرانيا من حلفائها لتحقيق النصر في الحرب ومنع العدوان الروسي في المستقبل.

وشكل هذا الاتفاق الأساس للإعلان المشترك لدعم أوكرانيا الذي تبنته دول مجموعة السبع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي التي استضافتها ليتوانيا في يوليو الماضي، وحتى اليوم، وقعت 32 دولة على هذا الإعلان المشترك وتجري مشاورات بشأن الاتفاقيات الثنائية مع أوكرانيا.

وستضمن هذه الاتفاقيات الثنائية حصول القوات الأوكرانية على الأسلحة التي تحتاج إليها لهزيمة روسيا في ساحة المعركة.. إن الالتزامات بحماية أوكرانيا على المدى الطويل تدحض رواية "بوتين" بأن الدعم الغربي لأوكرانيا بدأ يضعف.

وبالاعتماد على مزاياها الاقتصادية والديموغرافية، تأمل روسيا في هزيمة أوكرانيا من خلال حرب استنزاف، ولذلك، فإن النصر الأوكراني يعتمد على الاستخدام الأفضل للقوة الاقتصادية والصناعية للعالم الديمقراطي، والتي تتضاءل أمامها قوة روسيا وحلفائها.

ويتعين على الدول الأوروبية، على وجه الخصوص، إعداد صناعاتها الدفاعية حتى تتمكن بشكل فعال من مساعدة أوكرانيا على الفوز في هذه الحرب.

وللقيام بذلك، يتعين عليهم تقديم عقود متعددة السنوات للأسلحة، فضلاً عن الضمانات، لمنح شركات الدفاع اليقين الذي تحتاج إليه لزيادة الإنتاج، وتحتاج أوكرانيا أيضاً إلى دعم حلفائها في تطوير صناعتها الدفاعية.. ومعاً، يستطيع الغرب أن يتفوق على روسيا بشكل كبير، بل تحتاج فقط إلى إظهار الإرادة السياسية، حتى يفهم "بوتين" أن حربه لا يمكن تحقيق النصر فيها، وأن القوات الروسية سوف تُطرد خارج حدود أوكرانيا المعترف بها دولياً.

عضو في النادي

وبالإضافة إلى تأمين إمدادات طويلة الأجل من الأسلحة والذخائر إلى أوكرانيا، فمن الأهمية بمكان أن تبدأ أوروبا والولايات المتحدة في إنشاء الهياكل اللازمة لضمان عدم قدرة روسيا على تهديد أمن أوروبا مرة أخرى.

ويشكل تحريك أوكرانيا على طريقها نحو عضوية الاتحاد الأوروبي ضرورة أساسية لأنه يوفر الإطار السياسي والمالي اللازم لأوكرانيا للتعافي وإعادة البناء، إن أوكرانيا المزدهرة التي هي جزء من الاتحاد الأوروبي قادرة على العمل كحصن ضد روسيا الاستبدادية العدوانية، ومن الناحية الأيديولوجية فإن الديمقراطية الناجحة والنابضة بالحياة في أوكرانيا تشكل أيضاً توبيخاً قوياً لحكم "بوتين" الاستبدادي.

وسوف تجلب العضوية طبقة إضافية من الأمن لأوكرانيا أيضاً، من خلال فقرة الدفاع المشترك المدرجة في المعاهدات التي تحكم الاتحاد الأوروبي، حيث ينص هذا البند على أنه "إذا وقعت دولة عضو ضحية لعدوان مسلح على أراضيها، فإن الدول الأعضاء الأخرى ملزمة تجاهها بتقديم العون والمساعدة بكل الوسائل المتاحة لها"، إن التهديد بالرد المباشر من جانب الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على أي عدوان روسي في المستقبل على أوكرانيا سوف يشكل رادعاً قوياً.

إن الضمانات الأمنية طويلة الأجل وعضوية الاتحاد الأوروبي من شأنها أن تقطع شوطاً طويلاً نحو حماية أوكرانيا، ولكن أياً منهما لا يستطيع أن يحل محل المادة الخامسة من المعاهدة التأسيسية لمنظمة حلف شمال الأطلسي، والتي تلزم الأعضاء باعتبار أي هجوم مسلح ضد أي منهم بمثابة هجوم ضد الجميع، ويظل ضم أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي أفضل وسيلة لتحقيق السلام والأمن الدائمين في أوروبا.

وفي المؤتمر الصحفي الذي انعقد في 14 ديسمبر، صرح "بوتين" بأن روسيا شنت غزوها -أو ما يسمى “العملية الخاصة”- لأن أوكرانيا كانت على وشك الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، ولكن العكس هو الصحيح: فلم يكن بوسع روسيا أن تغزو أوكرانيا إلا لأنها لم تكن مشمولة بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي.

وإذا ظلت أوكرانيا في نهاية الحرب في المنطقة الرمادية بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، فسوف يكون ذلك بمثابة وصفة لمزيد من عدم الاستقرار والعدوان الروسي، وهذه حقيقة أدركتها كل من فنلندا والسويد بسرعة، حيث رأى كلا البلدين، بعد غزو فبراير 2022، أنه في مواجهة روسيا الإمبريالية، لم يعد الحياد خيارًا وأن عضوية "الناتو" هي وحدها القادرة على ضمان سيادتهما، والشيء نفسه ينطبق على أوكرانيا.

وفي قمة حلف شمال الأطلسي في يوليو 2023، أعلن الأعضاء أن دعوة أوكرانيا للانضمام إلى الحلف لن يتم إصدارها إلا بعد "استيفاء شروط" غير محددة، وكانت أوكرانيا تأمل في شيء أكثر واقعية من ذلك.

وإذا كان "بوتين" يعتقد أن أوكرانيا لن يُسمح لها بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي إلا بعد انتهاء القتال، فإن ذلك يعطيه الحافز لمواصلة الحرب إلى أجل غير مسمى، ومع ذلك، إذا تمت دعوة أوكرانيا للانضمام إلى التحالف مسبقًا، فقد يجبره ذلك على التوقف.

ورغم أن قمة "فيلنيوس" لم تقدم لأوكرانيا مساراً واضحاً نحو عضوية حلف شمال الأطلسي، فقد حدثت تطورات إيجابية، واتفق الأعضاء على السماح لكييف بتخطي جزء "خطة عمل العضوية" من عملية الانضمام التقليدية، حيث تقدم الدول تقارير سنوية حول التقدم الذي أحرزته في مختلف المقاييس المتعلقة بالأمن.

وهذا الإعفاء، الذي مُنح أيضاً لفنلندا والسويد، من شأنه أن يعجل بانضمام أوكرانيا في نهاية المطاف، وفي فيلنيوس، عقد مجلس أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي المنشأ حديثا أيضا اجتماعه الأول، وهو يعمل بالفعل على جعل القوات المسلحة الأوكرانية متوافقة مع معايير "الناتو".

ومع ذلك، في قمة حلف شمال الأطلسي هذا العام في واشنطن العاصمة في يوليو، كان زعماء الحلف حريصين على تقريب العالم من السلام من خلال احتضان عضوية أوكرانيا بكل إخلاص.

لقد حان الوقت لإصدار دعوة لأوكرانيا للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وهذا لا يعني أن أوكرانيا سوف تصبح عضواً بين عشية وضحاها، ولكنه من شأنه أن يبعث برسالة لا لبس فيها إلى "بوتين" مفادها أن حربه قد خسرها بالفعل.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية