قيود طالبان تعمق الفجوة الجندرية في أفغانستان وتثير تحذيرات أممية
قيود طالبان تعمق الفجوة الجندرية في أفغانستان وتثير تحذيرات أممية
تتفاقم أزمة حقوق المرأة في أفغانستان بشكل متسارع منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، وسط تحذيرات أممية من اتساع فجوة العدالة بين النساء والرجال بصورة غير مسبوقة، وأظهر تقرير حديث صادر عن بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان "يوناما" أن النساء يواجهن صعوبات كبيرة في الوصول إلى المؤسسات القضائية وآليات العدالة الرسمية، في ظل القيود الاجتماعية والقانونية المفروضة عليهن.
ويأتي هذا التقرير في وقت تحيي فيه الأمم المتحدة اليوم العالمي للمرأة، مسلطاً الضوء على التحديات التي تواجه ملايين النساء الأفغانيات في ظل بيئة قانونية واجتماعية تزداد تقييداً.
تفاوت بين الرجال والنساء
تشير بيانات بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان إلى أن فرص النساء الأفغانيات في الوصول إلى آليات العدالة الرسمية تقل بنحو أربع مرات مقارنة بالرجال، فقد أظهر استطلاع أجرته الأمم المتحدة أن 14 في المئة فقط من النساء تمكنّ من الوصول إلى خدمات رسمية لحل النزاعات القانونية، مقابل 53 في المئة من الرجال، ويعكس هذا التفاوت فجوة كبيرة في القدرة على اللجوء إلى المؤسسات القضائية والشرطية، ما يترك ملايين النساء دون حماية قانونية فعالة في مواجهة العنف الأسري أو النزاعات الاجتماعية.
ترى هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن الوصول إلى العدالة يمثل ركناً أساسياً من كرامة المرأة وأمنها الشخصي، وأن حرمان النساء من هذا الحق يزيد من هشاشتهن ويعرضهن لمزيد من الانتهاكات، وتشير الهيئة إلى أن القيود المفروضة على حركة النساء ومشاركتهن في الحياة العامة تؤثر بشكل مباشر في قدرتهم على تقديم الشكاوى أو متابعة الإجراءات القضائية، ما يؤدي إلى تفاقم ظاهرة الإفلات من العقاب في قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي.
مؤشر النوع الاجتماعي
يؤكد مؤشر النوع الاجتماعي العالمي لعام 2024 أن أفغانستان تعد واحدة من أكثر الدول التي تعاني فجوة جندرية في العالم، فقد أظهرت نتائج المؤشر أن الفارق بين النساء والرجال في مجالات الصحة والتعليم والشمول المالي وصنع القرار يبلغ نحو 76 في المئة، كما يشير التقرير إلى أن المرأة الأفغانية تحقق فقط 17 في المئة من إمكاناتها الكاملة في مجالات اتخاذ القرار والحصول على الفرص الاقتصادية والاجتماعية، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 60.7 في المئة.
منذ عودة طالبان إلى الحكم، شهدت أفغانستان تراجعاً حاداً في الحقوق الأساسية للنساء، فقد فرضت السلطات قيوداً واسعة شملت حظر التعليم الثانوي والجامعي للفتيات في معظم المناطق، ومنع النساء من العمل في العديد من القطاعات، إضافة إلى تقييد حركتهن دون مرافقة أحد الأقارب الذكور، كما فرضت السلطات قواعد صارمة تتعلق بارتداء الملابس في الأماكن العامة. وقد أثارت هذه الإجراءات انتقادات واسعة من المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية.
وصف المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في أفغانستان وضع النساء في البلاد بأنه الأسوأ عالمياً، مشيراً إلى أن السياسات الحالية تمثل نمطاً من التمييز المنظم ضد النساء والفتيات، ويؤكد التقرير أن هذه السياسات لا تؤثر فقط على الحقوق المدنية والسياسية، بل تمتد إلى مجالات التعليم والعمل والرعاية الصحية، ما يؤدي إلى تقييد دور النساء في المجتمع بشكل واسع.
الوضع الاقتصادي
على الصعيد الاقتصادي، تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن القيود المفروضة على عمل النساء أدت إلى تقلص مشاركتهن في سوق العمل بشكل كبير، ففي المدن الأفغانية، أصبحت أسواق العمل شبه مغلقة أمام النساء، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر بين الأسر التي تعولها نساء، كما أدى هذا الوضع إلى زيادة اعتماد العديد من العائلات على المساعدات الإنسانية الدولية في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تشهده البلاد وفق برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية.
تواجه النساء في المناطق الحضرية غير الرسمية تحديات إضافية تتعلق بظروف السكن والخدمات الأساسية، فقد أظهر تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية أن التوسع الحضري في أفغانستان ترافق مع زيادة ملحوظة في عدم المساواة بين الجنسين داخل الأحياء الفقيرة والمناطق الهامشية، وتعيش نسبة كبيرة من النساء في هذه المناطق في ظروف سكنية غير مستقرة مع محدودية الوصول إلى المياه النظيفة والصرف الصحي والخدمات الصحية.
تشير التقارير الأممية إلى أن النساء اللاتي يعشن في المستوطنات الحضرية غير الرسمية يواجهن مخاطر متعددة تتعلق بالأمن الشخصي والاقتصادي، فضعف البنية التحتية وغياب الإضاءة الكافية وسوء حالة الطرق يجعل التنقل في الفضاءات العامة أكثر خطورة بالنسبة للنساء والفتيات، كما يؤدي نقص الخدمات الأساسية إلى زيادة الأعباء اليومية التي تتحملها النساء، خصوصاً في ما يتعلق بالحصول على المياه أو الوصول إلى المرافق الصحية.
تعاني النساء المعيلات للأسر والأرامل من تحديات إضافية مرتبطة بحقوق الملكية والسكن، فقد أظهرت التقارير الأممية أن هذه الفئات هي الأقل احتمالاً لامتلاك وثائق قانونية تثبت ملكية الأراضي أو المساكن، ما يزيد من مخاطر فقدان المأوى أو التعرض للنزاعات القانونية، ويؤدي هذا الوضع إلى تعميق الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية لدى النساء، خاصة في المناطق التي تعاني من الفقر والنزوح الداخلي.
أزمات متعددة للفتيات
كما تواجه الفتيات المراهقات مخاطر متزايدة تشمل الفقر والزواج المبكر، إضافة إلى القيود المفروضة على التعليم والحركة في الأماكن العامة، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الأعراف الاجتماعية التقليدية، إلى جانب القيود القانونية، تسهم في تقليص فرص الفتيات في الحصول على التعليم أو المشاركة في الحياة العامة.. ويؤدي هذا الوضع إلى تكريس دورة مستمرة من التهميش الاجتماعي والاقتصادي.
تاريخياً، شهدت أفغانستان تحولات متباينة في وضع المرأة، فخلال العقدين اللذين أعقبا عام 2001، تحققت بعض المكاسب في مجالات التعليم والعمل والمشاركة السياسية للنساء، حيث ارتفعت نسبة الفتيات الملتحقات بالمدارس إلى ملايين الطالبات، وشاركت النساء في البرلمان والمؤسسات الحكومية، إلا أن هذه المكاسب تعرضت لتراجع كبير بعد عودة طالبان إلى السلطة، ما أثار مخاوف من فقدان الإنجازات التي تحققت خلال تلك الفترة وفق تقارير البنك الدولي والأمم المتحدة.
تؤكد منظمات حقوق الإنسان الدولية وعلى رأسها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أن التحديات الحالية تتطلب تحركاً دولياً منسقاً لضمان حماية الحقوق الأساسية للنساء في أفغانستان، وتشدد هذه المنظمات على ضرورة دعم المبادرات التي تعزز وصول النساء إلى العدالة والتعليم والعمل، إضافة إلى تقديم المساعدات الإنسانية التي تراعي الفوارق الجندرية، كما تدعو إلى إشراك النساء في عمليات صنع القرار المتعلقة بالتنمية وإعادة الإعمار.
في ختام تقاريرها، تؤكد الأمم المتحدة أن إشراك النساء في تخطيط المدن وتحديد أولويات التنمية يمكن أن يسهم في الحد من الفجوات الجندرية وتحسين جودة الحياة في المجتمعات الحضرية، وترى المنظمة أن تمكين النساء اقتصادياً واجتماعياً يمثل خطوة أساسية نحو بناء مجتمعات أكثر استقراراً وعدالة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من أزمات سياسية واقتصادية معقدة مثل أفغانستان.











