التصعيد العسكري يفاقم أزمات الخدمات الصحية وسط موجات نزوح جنوب لبنان
التصعيد العسكري يفاقم أزمات الخدمات الصحية وسط موجات نزوح جنوب لبنان
يواجه جنوب لبنان أزمة إنسانية متفاقمة مع استمرار التصعيد العسكري منذ مطلع مارس 2026، حيث تتصاعد الغارات الإسرائيلية والعمليات العسكرية في المناطق الحدودية، ما أدى إلى سقوط مئات الضحايا ونزوح مئات الآلاف من السكان، وفي ظل هذه التطورات، يجد القطاع الصحي اللبناني نفسه أمام تحديات غير مسبوقة، في وقت يعاني فيه أصلاً من هشاشة مزمنة نتيجة الأزمات الاقتصادية المتراكمة ونقص الموارد البشرية والطبية، الأمر الذي يهدد بانهيار الخدمات الصحية في المناطق المتضررة ويضاعف المخاطر التي تواجه المدنيين، وفق منظمة الصحة العالمية.
ضحايا الهجمات
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة الوزراء اللبنانية إلى ارتفاع حصيلة ضحايا الهجمات إلى نحو 570 قتيلاً و1444 جريحاً، في حين تجاوز عدد النازحين داخلياً 759 ألفاً و300 شخص، وهو رقم يعكس حجم الأزمة الإنسانية التي تتسع بشكل متسارع، وتفيد السلطات بأن أكثر من 122 ألف نازح يقيمون في مراكز إيواء رسمية تشرف عليها الحكومة بعد تحويل المدارس والمرافق العامة إلى ملاجئ مؤقتة، في حين يلجأ عشرات الآلاف إلى الإقامة لدى أقارب أو في مساكن غير مجهزة لاستقبال هذا العدد الكبير من السكان.
ومع اتساع نطاق النزوح، تتزايد الضغوط على النظام الصحي في لبنان الذي يعاني من نقص حاد في الموارد والكوادر، وأكد ممثل منظمة الصحة العالمية في لبنان في بيان أن القطاع الصحي يواجه تحديات خطيرة نتيجة الهجمات العسكرية والضغوط المتزايدة الناجمة عن النزوح الجماعي، مشيراً إلى أن النظام الصحي يعاني أساساً من ضعف مزمن بسبب الأزمات الاقتصادية وهجرة الأطباء والممرضين خلال السنوات الماضية، ما يقلص قدرته على الاستجابة للزيادة الكبيرة في أعداد المصابين والمرضى.
أزمة بالأرقام
وتشير تقارير وزارة الصحة اللبنانية إلى أن الهجمات التي استهدفت المرافق الصحية تسببت في مقتل 14 من العاملين في القطاع الطبي وإصابة 24 آخرين، إضافة إلى تضرر 56 منشأة صحية بين مستشفيات ومراكز رعاية أولية، ويؤدي تضرر هذه المنشآت إلى تقليص القدرة الاستيعابية للنظام الصحي في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خدمات الطوارئ والرعاية الطبية، خصوصاً في المناطق التي تشهد كثافة سكانية مرتفعة نتيجة موجات النزوح المتتالية.
وتحذر وكالات الأمم المتحدة من أن الاكتظاظ في مراكز الإيواء جراء التصعيد العسكري قد يؤدي إلى تفاقم المخاطر الصحية بين النازحين، حيث يعيش آلاف الأشخاص في ظروف صعبة تفتقر إلى الخدمات الصحية الأساسية والمياه النظيفة والصرف الصحي الملائم، وتشير التقديرات إلى أن هذه الظروف تزيد من احتمالات انتشار الأمراض المعدية مثل التهابات الجهاز التنفسي والأمراض المنقولة عبر المياه، إضافة إلى ارتفاع مخاطر تدهور حالات المرضى المصابين بأمراض مزمنة نتيجة تعطل خدمات المتابعة والعلاج المنتظم بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنساني.
وفي هذا السياق، أكدت منظمات إنسانية أن العديد من مراكز الرعاية الصحية الأولية في المناطق الجنوبية اضطرت إلى تعليق عملها بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية أو نتيجة المخاطر الأمنية، في حين تعمل مستشفيات أخرى بقدرات محدودة بسبب نقص الوقود والإمدادات الطبية، ويؤدي هذا الوضع إلى حرمان آلاف المدنيين من الحصول على خدمات صحية أساسية، ومنها رعاية الحوامل والأطفال وخدمات الطوارئ.
قلق حقوقي
على المستوى الحقوقي، أثارت الهجمات التي طالت المنشآت الطبية قلقاً واسعاً لدى المنظمات الحقوقية الدولية، فقد أكدت منظمة العفو الدولية أن استهداف المرافق الصحية والعاملين الطبيين خلال النزاعات المسلحة يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني الذي يفرض حماية خاصة للمستشفيات وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، ودعت المنظمة إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في الهجمات التي أدت إلى تضرر المرافق الصحية في لبنان.
كما شددت منظمات حقوقية أخرى على أن تدمير البنية التحتية الصحية أو تعطيلها خلال العمليات العسكرية يفاقم المعاناة الإنسانية للمدنيين ويزيد من معدلات الوفيات غير المباشرة الناتجة عن نقص الرعاية الطبية، ويؤكد خبراء القانون الدولي الإنساني أن اتفاقيات جنيف تنص بوضوح على ضرورة حماية المنشآت الطبية وضمان وصول الجرحى والمرضى إلى العلاج دون معوقات، وفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر والقانون الدولي الإنساني.
الأزمة الاقتصادية
وتأتي هذه الأزمة في وقت يعاني فيه لبنان من واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، وفق البنك الدولي، فمنذ عام 2019، أدى الانهيار الاقتصادي إلى تدهور كبير في القطاع الصحي نتيجة نقص التمويل وتراجع القدرة الشرائية للمستشفيات وارتفاع تكاليف المعدات الطبية والأدوية، كما أدت الأزمة إلى هجرة آلاف الأطباء والممرضين إلى الخارج، ما ترك فراغاً كبيراً في الكوادر الصحية داخل البلاد.
دمار متكرر
ولا يمكن فصل الأزمة الصحية الحالية عن الخلفية التاريخية للنزاعات التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية، حيث تعرضت البنية التحتية في هذه المناطق لدمار متكرر خلال جولات التصعيد العسكري، ومنها حرب عام 2006 بين إسرائيل وحزب الله، والتي أسفرت حينها عن دمار واسع في المنشآت المدنية والخدمات الأساسية، وتشير تقارير دولية إلى أن تكرار النزاعات في المنطقة يعرقل جهود إعادة بناء البنية التحتية الصحية ويجعلها أكثر هشاشة أمام الأزمات الجديدة.
مخاطر بيئية متزايدة
في موازاة ذلك، حذرت منظمة الصحة العالمية من مخاطر بيئية متزايدة مرتبطة بتوسع الصراع في الشرق الأوسط، حيث أدت الهجمات التي استهدفت منشآت النفط في بعض دول المنطقة إلى اندلاع حرائق واسعة وانبعاث ملوثات قد تؤثر في جودة الهواء والصحة العامة. وتشير المنظمة إلى أن تدهور جودة الهواء قد يزيد من انتشار الأمراض التنفسية، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الصحية.
وتؤكد تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن استمرار العمليات العسكرية دون تهدئة قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في لبنان، في ظل تزايد أعداد النازحين وتراجع قدرة المؤسسات الصحية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة، وتشير التقديرات الإنسانية إلى أن النظام الصحي اللبناني يقف اليوم أمام أحد أكبر التحديات في تاريخه الحديث، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى دعم دولي عاجل لضمان استمرار الخدمات الطبية الأساسية للمدنيين المتضررين من النزاع.











