بعد تحذيرات أوروبية.. كيف يهدد نظام الغذاء والزراعة أهداف المناخ 2040 و2050؟
بعد تحذيرات أوروبية.. كيف يهدد نظام الغذاء والزراعة أهداف المناخ 2040 و2050؟
حذّرت الهيئة الأوروبية الاستشارية العلمية بشأن تغير المناخ في تقرير حديث من أن نظام الغذاء والزراعة في الاتحاد الأوروبي يسهم بحوالي ثلث صافي انبعاثات غازات الدفيئة في التكتل، ما يجعله أحد أكبر العقبات أمام تحقيق الأهداف المناخية الأوروبية بحلول عامي 2040 و2050، وتشمل هذه الانبعاثات تلك الصادرة على طول سلسلة القيمة من إنتاج الأسمدة إلى استهلاك الغذاء، وتُعد هذه النسبة العليا بين مختلف القطاعات الاقتصادية في الاتحاد، مع أن الزراعة حققت تقدماً في السنوات الأخيرة في خفض بعض الانبعاثات.
وتؤكد الهيئة أن وتيرة التخفيضات الحالية غير كافية لتحقيق الهدف الجديد الذي تبناه الاتحاد بقطع الانبعاثات بنسبة 90 في المئة بحلول عام 2040 مقارنة بمستويات 1990، وهو هدف ملزم ضمن القانون الأوروبي للمناخ، وفق بيانات الاتحاد الأوروبي ومنظمة المستشارين المناخيين الأوروبيين.
التغير المناخي يفاقم مخاطر إنتاج الغذاء
يواجه نظام الغذاء والزراعة في أوروبا تحديات مناخية مباشرة تهدد الإنتاجية واستقرار الإمدادات الغذائية، مع تسجيل موجات حر وجفاف وفيضانات وأوبئة نباتية أوسع نطاقاً في السنوات الأخيرة تعطل مواسم الزراعة، وتشير التقديرات إلى أن الخسائر المتعلقة بالمناخ في الناتج الزراعي الأوروبي تصل إلى عشرات المليارات من اليورو سنوياً، مع توقعات بزيادة هذه الخسائر في العقود المقبلة كلما ازدادت شدة الظواهر المناخية، كما أن ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض متوسط هطول الأمطار المتسق في بعض المناطق الزراعية يقلّلان من خصوبة التربة عبر السنوات، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة الأسعار للمستهلكين، مع تأثيرات في الأمن الغذائي الأوروبي، وفق معهد بوتسدام للأبحاث المناخية.
اقتصاد المزارعين على المحك
يبرز معهد بوتسدام كذلك أن الاتجاهات الحالية لنظام الغذاء والزراعة لا تقتصر أضرارها على المناخ فحسب، بل تؤثر في معيشة المزارعين والاقتصاد الريفي، ويواجه المزارعون مخاطر متزايدة من تغير المناخ، منها تقلبات الإنتاج وانخفاض المحاصيل، ما يؤدي إلى عدم استقرار دخلهم، وتحذر الهيئة من أن الحفاظ على إنتاج الغذاء دون خطوات إصلاحية أوسع سيتطلب تكلفة أعلى بكثير في مراحل لاحقة، سواء من حيث الدعم الحكومي أو تكاليف إدخال التكنولوجيا والنظم المبتكرة، إضافة إلى الحاجة إلى زيادة إزالة الكربون في قطاعات أخرى لتعويض قصور نظام الزراعة في خفض الانبعاثات.
الحلول المقترحة
لتحقيق أهداف المناخ بحلول 2040 و2050، أوصت الهيئة بانتقال واسع نحو ممارسات زراعية مستدامة ومتكاملة. وتشمل التوصيات تقليص الدعم المباشر للممارسات عالية الانبعاثات، وفرض آلية تسعير للانبعاثات في القطاع الزراعي طبقاً لمبدأ “الملوث يدفع”، مع إعادة توجيه العائدات لدعم المزارعين في التحول إلى ممارسات صديقة للمناخ، كما دعت إلى تعزيز الأنظمة الغذائية المستدامة وتقليل هدر الغذاء، وتوفير دعم مالي وتقني للمزارعين للتكيف مع تغير المناخ واعتماد تقنيات أقل تلويثاً، وتؤكد الهيئة أن هذه الخطوات يجب أن تكون مدمجة في مراجعات السياسة الزراعية المشتركة والميزانية الأوروبية للفترة المقبلة لتحقيق التوازن بين المناخ والأمن الغذائي.
يُعد نظام الغذاء في الاتحاد الأوروبي جزءاً أساسياً من الأمن الغذائي الإقليمي، مع اعتماد المستهلكين على سلسلة إنتاج زراعي متكاملة، ومع التصاعد المستمر لدرجات الحرارة والتقلبات المناخية، تتزايد المخاطر على إنتاج المواد الأساسية مثل الحبوب والزيوت، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء وتقليل المخزونات الاستراتيجية. وتشير الدراسات إلى أن اضطرابات المناخ يمكن أن تسهم في نقص غذائي جزئي أو تقلبات في الأسعار في الأسواق الأوروبية في حال لم يتسارع التحول نحو نظم زراعية خضراء.
ردود فعل بيئية وحقوقية
علّقت منظمات بيئية دولية على تقرير الهيئة الخاصة بتغير المناخ، معتبرة أن الأهداف المناخية الحالية لا تعكس حجم الخطر الذي يتعرض له نظام الغذاء والزراعة، فقد دعت منظمة Climate Action Network Europe الحكومات الأوروبية إلى التحرك بشكل أسرع لتقليل الانبعاثات في كافة مراحل سلسلة القيمة الغذائية، ومنها الإنتاج والاستهلاك والنقل والتخزين، مع التركيز على حقوق المزارعين والعمال الريفيين، كما شددت منظمات حقوقية على ضرورة حماية المجتمعات المحلية من تداعيات تغير المناخ، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعتمد على الزراعة بوصفها مصدر دخل رئيسياً.
التزامات الاتحاد الأوروبي وأهداف 2050
يعد هدف الاتحاد الأوروبي للوصول إلى حياد الكربون بحلول عام 2050 جزءاً من التزام طويل الأمد بمواجهة تغير المناخ على مستوى الاقتصاد بأكمله، ومنه الزراعة والطاقة والنقل، وقد أدرج الاتحاد هدفاً مرحلياً جديداً لخفض الانبعاثات بنسبة 90% بحلول عام 2040، ما يشكل نقطة محورية على طريق تحقيق الحياد الكربوني بحلول منتصف القرن، وفق الاتفاقيات الأوروبية الحديثة، ولتحقيق ذلك يتطلب الأمر سياسات طموحة وإصلاحات اقتصادية عميقة في نظام الغذاء والزراعة تتجاوز التحسينات التقنية البسيطة إلى تغيير شامل في السياسات الزراعية والاقتصادية والبيئية، وفق مجلس الاتحاد الأوروبي.
أهمية التحول
أسهمت سياسات ما بعد الثورة الصناعية والاستهلاك المكثف للأسمدة الصناعية والوقود الأحفوري في زيادة انبعاثات غازات الدفيئة من قطاع الزراعة منذ عقود، رغم الجهود المبذولة في العقود الماضية لتحسين الكفاءة، ومع تزايد تأثيرات تغير المناخ في الإنتاج الزراعي العالمي، يتطلب النظام الغذائي في أوروبا إعادة تصميم تراعي حدود الكوكب مع ضمان الأمن الغذائي، ويؤكد الخبراء أن التحول نحو نظم غذاء مستدامة ليس خياراً بيئياً فقط، بل ضرورة لضمان رفاه المجتمعات المستقبلية في مواجهة تغير المناخ العالمي.
الاتحاد الأوروبي والدول الكبرى
في سياق المقارنة بين إسهام قطاع الزراعة في انبعاثات غازات الدفيئة على مستوى الاتحاد الأوروبي والدول الكبرى الأخرى، تكشف الإحصاءات الحديثة عن فروق واضحة في حجم وتأثير هذا القطاع في البلدان المختلفة، ما يعكس تحديات متنوعة في تحقيق الأهداف المناخية العالمية، وبحسب بيانات الوكالة الأوروبية للبيئة، فإن انبعاثات قطاع الزراعة في الاتحاد الأوروبي سجّلت اتجاهاً هبوطياً منذ عام 2005، حيث انخفضت انبعاثات الزراعة بحوالي 6٪ حتى عام 2023، مع توقع أن تنخفض بنسبة تصل إلى 10٪ إلى 13٪ بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات 2005 في ظل السياسات الحالية، ويُظهر هذا الانخفاض أن الزراعة في أوروبا تمثل جزءاً أقل من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة مقارنة بقطاعات أخرى مثل الطاقة والصناعة، إلا أن إسهاماتها تبقى مستقرة وتشكل عقبة أمام تحقيق أهداف خفض الانبعاثات الكلية بحلول 2040 و2050، وفق الوكالة الأوروبية للبيئة.
على مستوى الدول الكبرى، تختلف الصورة بشكل ملحوظ بحسب حجم الأنشطة الاقتصادية والسكانية؛ ففي الولايات المتحدة تُشكل الزراعة حوالي 10.6٪ من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة، وهي نسبة قريبة من إسهامات الاتحاد الأوروبي فيها، لكنها تأتي في سياق اقتصاد يُصدر سنوياً نحو 7 مليارات طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، ما يجعل الزراعة جزءاً من نظام اقتصادي كبير ينبعث منه غازات دفيئة بشكل عام. وتشير البيانات الأمريكية إلى أن القطاع الزراعي حافظ تقريباً على نسبته في الانبعاثات، دون أن يحقق خفضاً جوهرياً مقارنة بالسنوات الماضية، رغم تقدم بعض التقنيات التكنولوجية.
في المقابل، ترى الإحصاءات العالمية أن الصين والهند، بوصفهما أكبر اقتصادين ومنتجين للزراعة عالمياً، تسهمان بشكل كبير في الانبعاثات الزراعية ضمن سياق إجمالي أكبر للغازات الدفيئة. فعلى مستوى الدول الكبرى، تمثل الصين والولايات المتحدة والهند والاتحاد الأوروبي معاً نحو 61.8٪ من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة على مستوى العالم، بحسب تقرير EDGAR لعام 2025، منها نسبة كبيرة تعود إلى الأنشطة الزراعية وإطلاق الميثان وأكاسيد النيتروجين من الإنتاج الحيواني وإدارة الأراضي الزراعية.
وتُظهر هذه البيانات أن الفرق في هيكل الاقتصاد والحجم السكاني يؤدي إلى اختلافات في كيفية إسهام كل دولة في الانبعاثات الزراعية، وهو ما يبرز التحديات المشتركة في تنسيق سياسات خفض الانبعاثات على مستوى عالمي.








