"فورين بوليسي": سياسات الصين التكنولوجية "جيوسياسية" أكثر منها "اقتصادية"

"فورين بوليسي": سياسات الصين التكنولوجية "جيوسياسية" أكثر منها "اقتصادية"

وجّه المستثمرون العالميون أنظارهم نحو بكين، في مارس الماضي، حيث اجتمع 2977 مندوباً من مختلف أنحاء الصين لحضور الدورة السنوية للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، حيث يلقي رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانج "التقرير السنوي عن عمل الحكومة"، والإعلان عن الأولويات التي يجب أن توجه أنشطة الدولة الصينية خلال العام المقبل، أو هذا ما كان يأمله الممولين في الداخل والخارج؟

ووفقا لمجلة "فورين بوليسي"، في الواقع كانت هناك علامات قليلة تبعث على الارتياح، وكان تقرير 2023 قد وضع "توسيع الطلب المحلي" كأولوية قصوى لذلك العام، استجابة للضرر الذي أحدثته سياسات القضاء على كوفيد-19، والبيروقراطية التي أصيبت بالشلل بسبب عمليات التطهير والارتباك بسبب البيئة الاقتصادية غير المواتية، والفقاعة العقارية الأكبر من أن تنفجر، ولم يحذُ تقرير 2024 حذوه، وبدلاً من ذلك، وضعت خريطة طريق ليس للتعافي الاقتصادي، بل لأهداف أوسع وأكثر عدوانية.

يعطي التقرير الجديد الأولوية لهدفين آخرين: أولا، يتعين على الحكومة الصينية أن "تسعى جاهدة إلى تحديث النظام الصناعي وتطوير قوى إنتاجية جديدة عالية الجودة بوتيرة أسرع"، ثانياً، يتعين عليها أن تعمل على "تنشيط الصين من خلال العلم والتعليم وتعزيز أسس التنمية عالية الجودة".

وبتعبير أكثر صراحة، فإن المهمة المركزية للدولة الصينية هي بناء نظام صناعي وعلمي قادر على دفع البشرية إلى حدود تكنولوجية جديدة، وقد تركت هذه الاستراتيجية المراقبين الغربيين في حالة من الشك، ويكافحون من أجل فهم كيف يمكن لأي سياسة صناعية قومية تكنولوجية أن تتعامل مع أي من المشاكل الاقتصادية التي يحددونها.

ووفقا لـ"فورين بوليسي"، لكي نفهم خطط المكتب السياسي، فيتعين علينا أولاً أن نفهم السرد التاريخي الذي ينير هذه الخطط، تنبع هذه الرواية من عدة مصادر: المادية التاريخية لكارل ماركس، ومحاولات مفكري "الثقافة الجديدة" في أوائل القرن العشرين لشرح سبب سقوط الصين ضحية للإمبريالية، وروايات دعائية منتصرة عن صعود الصين الحديثة، ودراسة وثيقة للدراسات الغربية حول صعود وسقوط القوى العظمى.

هذه المجموعة من الأفكار، والتي تحظى بشعبية كبيرة بين نخب السياسة الصينية، تجادل بأن هناك نقاطاً مفصلية في تاريخ البشرية؛ تعتقد القيادة الصينية أن التكنولوجيات الناشئة يمكن أن تطيح بالنظام الاقتصادي القائم، وأن التغيرات الكبرى تعني فرصاً عظيمة: فقد صعدت الإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة إلى الهيمنة العالمية لأن كلاً منهما كانت رائدة في ثورة تكنولوجية اقتصادية عالمية، والآن يتكرر الماضي وتجد الإنسانية نفسها مرة أخرى على شفا ثورة علمية.

تهدف الصين الآن إلى أن تصبح "القوة العلمية الرائدة في العالم"، وأوضح "شي" المنطق الكامن وراء هذا الهدف أمام تجمع من العلماء الصينيين عقد في ذلك العام وزعم أن "التجربة التاريخية تظهر أن هذه الثورات التكنولوجية تغير بشكل عميق نمط التنمية العالمية".

وأوضح أن بعض الدول "تغتنم" هذه "الفرصة النادرة"، وأولئك يعملون بسرعة على زيادة قوتهم الاقتصادية، وقوتهم العلمية والتكنولوجية، وقدراتهم الدفاعية، وبالتالي تعزيز قوتهم الوطنية المركبة بسرعة.

بالنسبة لشي، كما هي الحال مع معظم الصينيين، فإن أسرة تشينغ هي المثال النموذجي للقوة العظمى التي رفضت رؤية الثورة تتكشف أمامها، وقال شي في عام 2016: "لأسباب داخلية وخارجية مختلفة، فاتت بلادنا الثورة التكنولوجية مرارا وتكرارا".

وكانت النتيجة ما يسميه القوميون الصينيون "قرن الإذلال الوطني"، وهي الفترة التي وقعت فيها الصين ضحية القوى الإمبريالية والقوى الاستعمارية، ممزقة بسبب أمراء الحرب المتنافسين، ومن خلال الفشل في اغتنام الفرص التي تتيحها التكنولوجيات الناشئة، تحولت الصين من قوة عالمية إلى دولة شبه مستعمرة وشبه إقطاعية خاضعة للبلطجة.

وإذا كانت أسرة تشينغ تمثل أي دولة قوية تتخلف في السباق التكنولوجي، فإن الولايات المتحدة تشكل رمزا حيا للإمكانات التكنولوجية.

إن التركيبة السكانية الملائمة، ومخزونات الموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي كلها عوامل أساسية للقوة الوطنية، ولكن في ظل الظروف الحديثة، تأتي القوة من احتلال "المركز المهيمن في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا".

وبموجب هذا المخطط، فإن "الابتكار العلمي والتكنولوجي، يخدم كمؤشر حاسم للقوة الفعلية لأي قوة عظمى"، وبالتالي، يتعين على القوة العظمى الصاعدة أن تدمج نفسها أولاً في "مركز الأسواق العالمية والتكنولوجيات الأساسية"، ثم تصبح "قوة تصنيعية كبرى"، وأخيراً "تأخذ زمام المبادرة في الابتكار" و"تتصدر صناعات التكنولوجيا المتقدمة" إذا رغبت في الصعود إلى القمة.

وفي هذا الصدد، يعترف المؤلفون بأن "الصين لا تزال لديها فجوة ليست بالهينة لسدها مع الولايات المتحدة في مجالات العلوم والتكنولوجيا"، لكنهم واثقون من أن الصين لديها "الفرصة لتصبح مركزا للعلوم والتكنولوجيا العالمية والرائدة على مستوى العالم في التنمية التكنولوجية العلمية"، وذلك لأن "جولة جديدة من الثورة التكنولوجية العلمية والتحول الصناعي تختمر حاليًا".

وبالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي، يحدد الحزب الشيوعي الصيني مجالات علوم المواد، وعلم الوراثة، وعلم الأعصاب، والحوسبة الكمومية، والطاقة الخضراء، وهندسة الفضاء الجوي باعتبارها ركائز لهذه الثورة.

زعم شي في عام 2021 أن الصين "تمتلك الأساس والثقة والإيمان والقدرة على اغتنام الفرص التي توفرها الجولة الجديدة من الثورة التكنولوجية والتحول الصناعي" في كل من هذه المجالات.

 

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية