«جسور بوست» داخل مركز إيواء عرمون بلبنان.. قصص نازحين فروا من «جحيم الحرب» (فيديو)

«جسور بوست» داخل مركز إيواء عرمون بلبنان.. قصص نازحين فروا من «جحيم الحرب» (فيديو)

لبنان- بلال نور الدين

مع تحذيرات الجيش الإسرائيلي، التي دعت اللبنانيين لمغادرة منازلهم قبل استهداف مناطق في الجنوب والبقاع، شهدت شوارع لبنان حركة نزوح واسعة فرارا من القصف وبحثًا عن الأمان. 

دفعت هذه الموجة الكبيرة من النازحين الحكومة اللبنانية والعديد من الجمعيات الأهلية إلى تفعيل خطط مسبقة لاستيعاب مئات الآلاف من المدنيين النازحين.

في منطقة عرمون بجبل لبنان، تم تحويل مدرسة خاصة إلى مركز إيواء.. وقد زارت "جسور بوست" المركز للقاء بعض النازحين الذين فروا من الجنوب، حيث عبرت عيونهم ووجوههم المتعبة عن معاناة الأيام الصعبة.

يقول علي الزين، الذي فر من منطقة العرقوب في جنوب لبنان، في ظل التهديدات الإسرائيلية المستمرة بحرب مدمرة: "نحن نزحنا نتيجة القصف الذي طال مناطقنا خلال اليومين الماضيين.. مناطقنا تعرضت لغارات عنيفة ككثير من مناطق الجنوب.. وقد قررنا النزوح لمنطقة عرمون، وقد وجدنا أن المدرسة مركز جيد، مثل الكثيرين الذين لم يجدوا منازلا ليسكنوا فيها". ويتابع “كانت هناك معاناة كبيرة، خاصة في رحلة الطريق التي امتدت لساعات طويلة، بسبب زحمة السير وحالة الهرج والمرج في الطرقات”.

واختم علي الزين، قائلا: “نحن لا نعرف حتى متى سنبقى في هذا المركز، إذ لا ندرك متى ستهدأ الأوضاع لنعود إلى بيوتنا”.

وفي غرفة أخرى تجلس أم لثلاث بنات على كرسي، ترفض الحديث إلى الكاميرا ولكن صوتها المرتبك ويديها المرتجفتين تحكيان الكثير من الحكايات. تتحدث السيدة لـ"جسور بوست" فتقول "لم أكن أتصور يوما أنني سأضطر لمغادرة منزلي في الجنوب.. للأسف لقد دُفعنا إلى الرحيل، وكان أقوى من قدرتنا على الصمود".

وتضيف: “والآن، نحن في هذه المدرسة، ونحاول أن نستوعب كل ما يجري.. بناتي يلعبن، لكنهن يخفين كل الحزن بداخلنا، أنا وزوجي نبذل قصارى جهدنا، لكننا متعبون للغاية، إن كل ما أريده هو أن تشعر بناتي بالأمان والسعادة مرة أخرى، وأن تلتم العائلة مجددا في المنزل، نحن لسنا مجرد نازحين؛ نحن نبحث عن الحياة التي كنا عليها من قبل”.

أما سارة، 23 سنة، والتي نزحت من محيط مدينة صيدا الجنوبية فتتحدث عن قصتها لـ"جسور بوست" قائلة: “لم أتخيل للحظة أن حياتي ستتغير بشكل جذري إلى هذا الحد، قبل بضعة أشهر فقط، كنت أدرس في الجامعة وأعمل بجد لبناء مستقبلي في جنوب لبنان. والآن، بت في مركز للنازحين، محاطة بالخوف وعدم اليقين بخصوص مستقبلي، يطاردني صوت القنابل وفكرة فقدان عائلتي ليلًا ونهارًا، أشعر بالضياع، وأتمنى أن تتوقف هذه المعارك، خصوصاً أني لم أعد أستطيع تحمل العيش في مركز للنازحين وأنا لا أملك إلا القليل من المال، ولا أستطيع تأجير منزل، كل ما أطمح إليه هو أن أعود إلى منزلنا الصغير لكي أشعر بالقليل من الأمان، لكي نبدأ حياتنا من جديد".

يذكر أن آلاف السيارات علقت لساعات طويلة على الطرقات التي تربط الجنوب ببيروت، ما دفع الكثير من المتطوعين للتوجه نحو تلك الطرقات لتقديم الطعام والماء للمواطنين تخفيفا عنهم. 

مبادرات فردية ومراكز حكومية

يشير مسؤول المركز، مصطفى محي الدين إلى أن “المركز، الذي يعمل فيه نحو 40 متطوعاً، فتح بقرار خاص من فعاليات المنطقة ومن دون قرار أو تواصل حكومي، وهو يتسع لما يزيد على عشرين عائلة، بمعدل 200 شخص تقريبا”. 

ويضيف في حديث مع "جسور بوست" إلى أنه “تم التجهيز قبل فترة، وتم تأمين لوازم النوم مثل الفرش، والوسادات والأغطية للجميع، إلى جانب تأمين الطعام من قبل أبناء المنطقة، في حين أن هناك حاجة لأدوات إضاءة ليلة وشواحن الهواتف وكذلك تجهيز حمامات للاغتسال وغسيل الثياب”.

وردا على سؤال حول توافر فرق الدعم النفسي للفارين من مآسي الحرب، يوضح محي الدين أنه حتى الآن “لا يوجد نشاطات دعم نفسي، لكن ذلك سيكون متوفرا في قادم الأيام، وقد تواصلنا مع بعض اختصاصي الإرشاد الصحي الاجتماعي للمساعدة في هذا الجانب”.

وكان وزير البيئة اللبناني ناصر ياسين قد أعلن في مؤتمر صحفي، خلال الساعات الماضية، أنه "تم فتح مدارس رسمية عدة لتصبح مراكز إيواء”، مشيرا إلى أنه “خلال الـ24 ساعة الماضية، تم البدء بتفعيل توزيع المساعدات الأساسية وحصص النظافة الشخصية ونظافة الأمكنة التي يوجد فيها النازحون، وكذلك الوجبات الغذائية لنحو 20 ألف شخص”.

وقال ياسين إن الحكومة فعّلت "عمل الهيئة العليا للإغاثة التي تقوم بإيصال المساعدات من مخزونها الآن ومستودعاتها، وبالعمل أيضا على تأمين الحاجات الأساسية لإيصالها إلى النازحين، بالتعاون مع المنظمات الإنسانية والصليب الأحمر والمنظمات الدولية تحت إدارة وتنسيق مكتب الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، والمنظمات الشريكة الأخرى كاليونيسف وبرنامج الغذاء العالمي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وغيرها من المنظمات الإنسانية، وكذلك الهيئات الدولية التي تعمل في لبنان".

وتابع ياسين "أجرينا اتصالات مع الدول المانحة والصديقة منذ الصباح لتأمين مساعدات فورية، بعض الدول العربية مستعد لإرسال مساعدات، لكننا الآن في مرحلة التحضير لأمرين: إمكانية قيام جسور جوية لتقديم مساعدات إنسانية ملحة خصوصا في ما يتعلق بمراكز الإيواء، إضافة إلى الموضوع الطبي والصحي والقضايا التي تهتم بالأطفال والأمور الملحة للعوائل، وأيضا القيام مع مكتب الشؤون الإنسانية في الأمم المتّحدة لطلب مساعدات مباشرة كي تكون مؤمنة خلال فترة سريعة".

وتغيب الكهرباء عن أغلب مراكز الإيواء في ساعات ليلا، في بلد يعاني من انقطاع في التيار الكهربائي لأكثر من 18 ساعة يوميا في أكثرية المناطق. وهذا ما دفع الكثير من مديري بعض مراكز الإيواء إلى تشغيل بعض المولدات رغم محدودية كميات المحروقات، في وقت رشحت معلومات صحفية عن أن الحكومة اللبنانية تعطي حاليا الأولوية لتوزيع المحروقات على المستشفيات والمخابز.

وبحسب وسائل إعلام لبنان، فإن عدد النازحين في الساعات الـ48 الأخيرة فاق الـ100 ألف شخص من مناطق عدة، وخصوصا الجنوب. في حين وصل عدد المدارس والمعاهد التي تحولت إلى مراكز إيواء لنحو 270 مدرسة.

يذكر أن وزارة الصحة كانت قد كشفت أن حصيلة الغارات الإسرائيلية التي طالت مناطق عدة خلال الساعات الماضية تجاوزت الـ570 ضحية وآلاف الجرحى.

استعدادات لأي طارئ 

من جهته، يتحدث المفوض السامي في جمعية الكشاف المسلم طارق الشامي لـ"جسور بوست" عن دور المتطوعين في المركز قائلا “نحن في جمعية الكشاف المسلم افتتحنا أول مركز إيواء لنا في مدينة عرمون لاستقبال النازحين من الجنوب، وهناك مراكز أخرى سوف نفتتحها تدريجيا. وإلى جانب توفير الإيواء لنوم النازحين، فإننا نعمل على ملف الإغاثة، لتوفير المواد الطبية والإسعافية والفرش وغير ذلك”.

ويتابع “حاليا، لدينا فريق من المسعفين، وبالتالي نحن قادرون على أن نعالج الإصابات والحروق والكسور لحين نقلها إلى الجهات الطبية المختصة، كما لدينا سيارة إسعاف موضوعة تحت تصرفنا في المركز على مدار الساعة”.

مبادرات إنسانية وتطوع

أحمد ياسين، أحد المشاركين في “مبادرة إنسانية"، يقول: "قمنا كمجموعة من الشبان في عرمون بالتطوع لمساعدة جمعية الكشاف المسلم، في المركز الذي يؤوي النازحين في الجنوب”.

ويضيف “قمنا بإطلاق حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، لكي نشجع الناس على تقديم ما يستطيعون من مساعدة”.

وبحسب ياسين فقد “استطاعت الحملة جمع ما لا يقل عن 3000 دولار خلال الساعات الأولى لإطلاقها من لبنانيين مقيمين في مناطق لبنانية عدة، بالإضافة إلى عدد من المغتربين”.

خلية نحل 

من جهتها، توضح مديرة أحد مراكز الإيواء في منطقة زقاق البلاط نجاح شقير أن "أعداداً هائلة من النازحين وصلت إلى منطقة زقاق البلاط، فمثلا، في مركز مدرسة الليسيه عبد القادر يوجد نحو 800 شخص، وكذلك الوضع لبقية المدارس التي امتلأت بمجرد فتحها من عائلات ومن ضمنهم أطفال ورضع".

وعمّا يُقدم في المركز تقول شقير: "نحن نحاول مساعدة الناس لجهة تأمين غرف لها، بل حتى إن هناك أفراداً يقدمون ما يستطيعون على حسب قدرتهم، كما أن الجمعيات تطوعت باللحظة نفسها وعرضت كل ما هو ممكن للمساعدة.. وتقريبا استطعنا تأمين أغلب الأمور ولكن ليس بكميات كبيرة. فمثلا، ما زلنا نعاني من موضوع نقص الفرش والوسادات وغيرها من الأمور".

ورغم ذلك الوضع المأساوي تؤكد شقير أن “معنويات الناس عالية، رغم التهجير الذي يصيب الناس بالقليل من التعب النفسي، كما أن عمل الجمعيات والمجهود الجبار من الناس أمور يرفع بها الرأس وتمنح الإنسان قوة لكي يستمر".

تكافل ولُحمة وطنية 

تحدثت الناشطة السياسية ديالا سري الدين، عضوة في حملة "سقف واحد"، في حوار مع "جسور بوست" عن المبادرة التي جاءت نتيجة لقناعة بأن “مصاب كل اللبنانيين هو مصاب واحد مشترك، فرغم كل شيء يبقى هناك سقف واحد يجمعنا”.

وأضافت أن “مجموعة من الناشطين اجتمعت لتقديم المساعدة للناس المحتاجين والنازحين نتيجة الحرب، حيث غابت الدولة عن القيام بدورها الطبيعي في حماية الناس وتلبية احتياجاتهم في هذه الظروف الصعبة".

وأوضحت سري الدين أن المبادرة تركز على ربط الأشخاص الراغبين بتقديم المساعدة من منازلهم مع النازحين، خاصة بعد ارتفاع الطلب على المساكن في المناطق الآمنة، مشيرة إلى أن قدراتهم لا تكفي لتلبية جميع الاحتياجات، نظراً لأنهم يعملون بشكل تطوعي.

وأضافت أن المبادرة تشمل فرق عمل ميدانية تعمل في عدة مناطق لبنانية لتأمين احتياجات النازحين في المدارس والمنازل والقرى، بالإضافة إلى جمع المعلومات عن أوضاعهم واحتياجاتهم.

من جانبها، أكدت جمعية "دارين" أنها فتحت مركزي إيواء في مدرستين لاستقبال النازحين، حيث تستقبل إحداهما نحو 250 شخصاً، وتوفر لهم الطعام عبر مطبخ يومي، كما تسعى الجمعية إلى جمع المساعدات العينية مثل الفرش والأغذية.

وفي منطقة عاليه، قالت فرح أبي مرشد، رئيسة جمعية "نون التضامن"، إنه تم تأمين وجبة العشاء للنازحين منذ اليوم الأول للأزمة، حيث تم مسح احتياجات المدرسة وتوفيرها، بما في ذلك شطافات الحمامات ومواد النظافة. وأكدت أبي مرشد أهمية التعاون مع جمعيات أخرى لتوفير مستلزمات الشتاء.

وذكرت المديرة التنفيذية لبنك الطعام، سهى زعيتر، أن البنك عقد اجتماعاً طارئاً لتوفير وجبتي الغداء والعشاء للنازحين، حيث تمكنوا من تقديم نحو 350 وجبة في اليوم الأول و1500 وجبة في اليوم الثاني.

 ورغم الجهود المبذولة، فإن بعض التجار استغلوا الأزمة لرفع الأسعار، مثل ارتفاع سعر الفرش الإسفنجي من نحو 7 دولارات إلى أكثر من 20 دولاراً. 

مصدر في وزارة الشؤون الاجتماعية أوضح في حديث مع "جسور بوست" أن “كل مركز يؤوي الناس يكون فيه موظفون تابعون لوزارة الشؤون أو عاملون اجتماعيون، وبالتالي، الوزارة موجودة في الميدان منذ اليوم الأول للأزمة، والتنسيق قائم بشكل كامل مع لجنة الطوارئ التابعة الحكومة".

وتابع المصدر “الوزارة تتواصل من كل الشركاء المحليين والدوليين والجمعيات الأهلية ومفوضية شؤون النازحين وغيرها من منظمات الأمم المتحدة، لجهة وجبات الغذاء وصناديق الطعام من أجل توفيرها للناس بالقدر الممكن، بالإضافة إلى العمل على توفير مستلزمات النوم ولوازم النظافة للصغار والكبار، وبعض المساعدات للمعوقين".

وختم المصدر بالقول إن “الوزارة تسعى لتوسيع نطاق مناطق المساعدة، ولكن الإمكانات ضئيلة بسبب ضعف ميزانية الوزارة”، مشيرا إلى أنه “قريبا سيعقد وزير الشؤون الاجتماعية مؤتمراً لكي يعلن عن الدعم النقدي الذي ستقدمه الوزارة خلال أيام للنازحين”.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية