ترامب يُطفئ شاشة «الحرة».. هل تنسحب واشنطن من معركة العقول بالعالم العربي؟

ترامب يُطفئ شاشة «الحرة».. هل تنسحب واشنطن من معركة العقول بالعالم العربي؟
قناة الحرة- أرشيف

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذ قرار إغلاق قناة الحرة، إحدى أبرز النوافذ الإعلامية الناطقة بالعربية والممولة حكوميًا، في خطوة مفاجئة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الإعلامية والسياسية. 

هذه القناة، التي انطلقت عام 2004 في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق، كانت تمثل ذراعًا رئيسيًا لواشنطن في إيصال رؤيتها إلى العالم العربي، حيث سعت إلى تقديم خطاب يتماهى مع القيم الأمريكية، ويُعزز الفهم المتبادل بين الولايات المتحدة والجمهور العربي. 

لكن قرار الإغلاق، الذي جاء ضمن استراتيجية أوسع تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب لتقليص حجم النفقات الحكومية، يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراءه، ومدى تأثيره على المشهد الإعلامي والسياسي، داخليًا وخارجيًا.

تلقى موظفو القناة إشعارات رسمية تفيد بمنحهم مهلة 30 يومًا قبل تنفيذ القرار بشكل نهائي، دون أي توضيحات رسمية بشأن البدائل المحتملة أو مستقبل الخطاب الإعلامي الأمريكي الموجه إلى الشرق الأوسط. 

وبينما تُبرر إدارة ترامب هذه الخطوة بضرورة تقليص الميزانية وتوجيه الموارد إلى أولويات داخلية أكثر إلحاحًا، يرى منتقدو القرار أنه يندرج ضمن نهج أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل المؤسسات الإعلامية الممولة حكوميًا، بل وتفكيك بعضها تحت ذريعة إصلاحها أو الحد من الإنفاق عليها.

هيكلة المؤسسات الفيدرالية

يأتي هذا القرار في إطار سياسة أوسع تنتهجها إدارة ترامب منذ توليها السلطة عام 2017، حيث سعت إلى إعادة هيكلة العديد من المؤسسات الفيدرالية، لا سيما تلك المرتبطة بالسياسة الخارجية، في هذا السياق، طالت التخفيضات الميزانية المخصصة للوكالة الأمريكية للإعلام العالمي (USAGM)، وهي الجهة المسؤولة عن تمويل قناة الحرة، إضافة إلى إذاعات أخرى مثل صوت أمريكا وراديو أوروبا الحرة وراديو آسيا الحرة وراديو مارتي، التي تستهدف الجمهور الكوبي الناطق بالإسبانية. 

وبحسب البيانات الصادرة عن مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض، فإن الاقتطاعات المقترحة في ميزانية الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي قد تصل إلى 30% من إجمالي تمويلها، وهو ما دفع العديد من المراقبين إلى التحذير من تأثير ذلك على قدرة واشنطن في إيصال رسالتها إلى الخارج.

من الناحية المالية، يكلف تشغيل الحرة الحكومة الأمريكية ما يقارب 120 مليون دولار سنويًا، وهو جزء من ميزانية الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي التي بلغت نحو 810 ملايين دولار في العام المالي 2023، وفق تقرير صادر عن مكتب الميزانية في الكونغرس. 

وعلى الرغم من أن هذه الأرقام قد تبدو ضئيلة مقارنة بالنفقات الضخمة الأخرى في الميزانية الفيدرالية، فإن إدارة ترامب اعتبرت أن مثل هذه القنوات لا تحقق العائد السياسي أو الاستراتيجي المطلوب، خصوصًا في ظل تراجع التأثير الإعلامي الأمريكي أمام صعود منصات إعلامية منافسة، مثل الجزيرة القطرية وروسيا اليوم.

قرار الإغلاق يثير تساؤلات حول مستقبل النفوذ الإعلامي الأمريكي في الشرق الأوسط، حيث لعبت الحرة دورًا رئيسيًا في تغطية قضايا المنطقة، بما في ذلك الحراك الديمقراطي والملفات الحقوقية، من منظور أمريكي؛ فالقناة، التي تبث من واشنطن وبيروت ودبي، كانت تقدم محتوى موجهًا إلى العالم العربي، متبنية خطابًا يروج للقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإن كان ذلك ضمن رؤية تتماشى مع السياسة الأمريكية.

ورغم الانتقادات التي وُجهت إليها بسبب انحيازها للسياسات الأمريكية في بعض الملفات الحساسة، مثل الصراع العربي الإسرائيلي، فإنها ظلت مساحة إعلامية مؤثرة، خصوصًا في أوقات الأزمات السياسية الكبرى، مثل الربيع العربي وصعود الجماعات المتطرفة في المنطقة.

إغلاق القناة يحمل دلالات سياسية تتجاوز البعد المالي، إذ يعكس انسحابًا أمريكيًا تدريجيًا من بعض أدوات القوة الناعمة التي استخدمتها واشنطن لعقود في التفاعل مع العالم العربي هذا التوجه يتماشى مع رؤية ترامب التي ركزت على الأولويات الداخلية، حيث رفع شعار "أمريكا أولًا" منذ بداية ولايته، داعيًا إلى تقليص الدور الأمريكي في القضايا الخارجية، سواء عبر خفض الالتزامات العسكرية أو تقليص الإنفاق على المؤسسات الإعلامية والدبلوماسية.

ويرى خبراء إن إغلاق الحرة يمثل خطوة تعكس التحولات العميقة في المشهد الإعلامي والسياسي الأمريكي، سواء من حيث إعادة ترتيب الأولويات، أو من حيث طبيعة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية ووسائل الإعلام التي تمولها وبينما قد يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها إجراء تقشفي، إلا أن تداعياتها تتجاوز البعد المالي، لتشمل تأثيرات سياسية وإعلامية.

تقييد الإعلام وحقوق العاملين

قال خبير حقوق الإنسان التونسي البارز، مصطفى عبد الكبير، إن القرارات التي اتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إغلاق بعض النوافذ الإعلامية، ومن بينها قناة الحرة، تُشكل جزءًا من نهج أوسع يهدف إلى إعادة هيكلة الإنفاق الحكومي وتقليص الالتزامات المالية الدولية للولايات المتحدة، إلا أن هذه الخطوة، ورغم تبريرها باعتبارات اقتصادية وسياسية، تنطوي على تداعيات خطيرة تتجاوز البعد المالي، لتشمل التأثير على حرية الإعلام، والحقوق المهنية للعاملين في القطاع الصحفي، والصورة الدولية للولايات المتحدة كداعم لمبادئ الديمقراطية وحرية التعبير.

وتابع في تصريحات لـ"جسور بوست"، القرار لم يكن مجرد إجراء تقشفي بل امتد تأثيره ليشكل انتهاكًا للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لعدد كبير من العاملين الذين فقدوا وظائفهم دون ضمانات كافية لحماية مستقبلهم المهني، فالصحفيون والمنتجون والمحللون وغيرهم من العاملين في هذه المؤسسات الإعلامية وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة البطالة، دون أن تُطرح أي خطط بديلة لاستيعابهم أو تعويضهم، وهو ما يُخالف المبادئ الأساسية للعدالة الاجتماعية والحق في العمل، المنصوص عليهما في المواثيق الدولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 23) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وأشار إلى جانب التأثير المباشر على العاملين، فإن إغلاق الحرة وغيرها من الوسائل الإعلامية المستقلة يمس بحق الجمهور في الحصول على المعلومات والتعددية الإعلامية، وهو ما يُعتبر من الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي، هذه القرارات تؤدي إلى تقييد مساحات النقاش العام وتقليص البدائل الإعلامية المتاحة أمام الجمهور العربي، ما يفتح المجال لاحتكار السرديات الإعلامية من قبل جهات أخرى قد لا تلتزم بالمعايير المهنية أو الموضوعية.

وأضاف الخبير الحقوقي أن تقليص الحضور الإعلامي الأمريكي في الشرق الأوسط وإضعاف الدعم للمنظمات الدولية يرسل إشارات متضاربة بشأن التزام واشنطن بالقيم التي طالما رفعت لواءها، مثل حرية الصحافة، وحقوق الإنسان، ودعم الديمقراطية، هذه التوجهات لا تؤثر فقط على صورة الولايات المتحدة لدى حلفائها وشركائها الدوليين، بل تُضعف كذلك من قدرتها على التأثير في الرأي العام العالمي، ما يمنح منافسيها، مثل الصين وروسيا، مساحة أكبر لتوسيع نفوذهم الإعلامي والدبلوماسي.

وقال إن إغلاق الحرة ليس مجرد إجراء بيروقراطي لتوفير النفقات، بل هو قرار سياسي يحمل دلالات أعمق حول مستقبل السياسة الإعلامية الأمريكية ومدى التزام واشنطن بالحفاظ على تعددية الأصوات ودعم الصحافة الحرة، في ظل هذه المعطيات، فإن هذه القرارات تبدو غير مدروسة، حيث إنها لم تأخذ في الاعتبار التداعيات بعيدة المدى على المستوى الإعلامي والسياسي والدبلوماسي، فضلًا عن التأثير المباشر على العاملين الذين وجدوا أنفسهم خارج منظومة العمل دون حماية كافية.

وأتم: على الإدارة الأمريكية أن تعيد النظر في مثل هذه السياسات من خلال مقاربة أكثر توازنًا تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط الاعتبارات المالية، بل أيضًا القيم والمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، بما في ذلك دورها في دعم الإعلام المستقل وتعزيز حرية التعبير على المستوى الدولي، إن أي توجه نحو تقليص هذه المساحات الإعلامية يجب أن يكون مصحوبًا بحلول عادلة لضمان حقوق العاملين وتأمين بدائل تضمن استمرار الدور التنويري للإعلام، بدلًا من إلغائه بطريقة قد تؤدي إلى نتائج عكسية تتعارض مع المبادئ التي تدعي الولايات المتحدة الدفاع عنها.

تقشف أم انتقام من الإعلام؟

قال الإعلامي سعيد السبكي، رئيس تحرير موقع “تايم نيوز أوروبا”، إن إغلاق قناة "الحرة"، له دوافع أخرى غير معلنة تتعلق بعلاقة ترامب المتوترة مع وسائل الإعلام فمنذ توليه السلطة، لم يتردد في انتقاد المؤسسات الإعلامية التي سلطت الضوء على قراراته المثيرة للجدل، وسلوكه السياسي المندفع، سواء في ما يتعلق بتصريحاته غير المدروسة أو سياساته الاقتصادية المتقلبة، كفرض تعريفات جمركية على الواردات الصينية والأوروبية، أو تأجيجه التوترات مع دول حليفة تقليديًا للولايات المتحدة، مثل كندا، كما زادت حدة انتقاداته لوسائل الإعلام بعد أحداث اقتحام أنصاره مبنى الكابيتول، حيث واجه تغطية إعلامية فضحت مسؤوليته عن تحريض الجماهير على العصيان.

وتابع السبكي، في تصريحات لـ"جسور بوست"، يؤكد سلوك ترامب المتكرر أنه لا يعير اهتمامًا كبيرًا لحقوق الإنسان، إذ يبدو أن أولوياته تدور حول المصالح الاقتصادية والنفوذ المالي، فهو ينظر إلى السياسة من منظور مادي بحت، حيث تُقاس العلاقات الدولية والمواقف الدبلوماسية بمقدار المكاسب والخسائر الاقتصادية، ويظهر هذا بوضوح في موقفه من الحرب الروسية الأوكرانية، إذ تعامل مع الملف الأوكراني.

واسترسل: لم يقتصر نهج ترامب على العلاقات الدولية فقط، بل امتد إلى التضييق على مؤسسات المجتمع المدني، حيث قام بوقف التمويل الأمريكي للبرامج التي تدعم حرية الصحافة وتدريب الصحفيين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو إجراء يتماشى مع سياسته العامة في تقييد الإعلام، الذي لطالما شكّل مصدر إزعاج له، خاصة مع تصاعد الانتقادات لطريقة تعامله مع القضايا المحلية والدولية.

لافتًا إلى أن موقف ترامب من حرية الصحافة لم يكن مفاجئًا، فقد أظهر مرارًا نزعة استبدادية في التعامل مع الإعلاميين، وصلت إلى حد منع بعض الصحفيين المستقلين من حضور المؤتمرات الصحفية في البيت الأبيض، لمجرد أنهم وجهوا له أسئلة محرجة أو انتقدوا سياساته بشكل مباشرـ فنهجه يقوم على مبدأ السيطرة على الرواية الإعلامية وتوجيهها لصالحه، وهو ما تجلى بوضوح في دعمه لمنصته الخاصة "تروث سوشيال"، التي أنشأها كبديل لمنصات التواصل الاجتماعي التي فرضت قيودًا على منشوراته المثيرة للجدل، حتى أصبحت هذه المنصة أداة يستخدمها لتعزيز خطابه السياسي دون التعرض للمساءلة أو النقد.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية