العنف والنزوح والفقر في جنوب السودان.. مجلس حقوق الإنسان يدق ناقوس الخطر من جنيف

العنف والنزوح والفقر في جنوب السودان.. مجلس حقوق الإنسان يدق ناقوس الخطر من جنيف
مجلس حقوق الإنسان في جنيف

حذّر فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، اليوم الجمعة، من أن الوضع في جنوب السودان أصبح على شفا أزمة إنسانية وحقوقية حادة، حيث تصفه الأمم المتحدة بأنه إحدى أكثر الأزمات المنسية في العالم. 

وقال فولكر تورك خلال كلمته أمام الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف إن تصاعد العنف وانتهاكات حقوق الإنسان في جنوب السودان وصل إلى مستوى ينذر بكارثة إنسانية واسعة النطاق، مشيراً إلى أن المدنيين، وخصوصاً النساء والأطفال، يتحملون العبء الأكبر من الصراع، وأن النزاع قد يفاقم انعدام الأمن الغذائي ويزيد من حالات النزوح القسري على نطاق واسع.

تصاعد العنف وانتهاكات صارخة

أوضح المفوض السامي أنه خلال الأشهر الثلاثة الماضية، شنت القوات الحكومية وقوات المعارضة وميليشياتها هجمات على مناطق سكنية في الولايات المختلفة، بما في ذلك أعالي النيل وجونقلي والوحدة والاستوائية الوسطى وغرب بحر الغزال، ما أدى إلى نزوح أكثر من 280 ألف شخص بعد تعرض منازلهم ومدارسهم ومرافق الرعاية الصحية للقصف في يناير.

وأشار تورك إلى أن مكتب المفوضية وثّق مقتل 189 مدنياً وإصابة العديد، مؤكداً أن الانتهاكات تمثل تهديداً جاداً بموجب القانون الدولي، وأن الانضباط العسكري قد انهار في مناطق النزاع، ما أفضى إلى استهتار شبه تام بحماية المدنيين.

وأشار التقرير إلى زيادة بنسبة 40% في عدد القتلى والجرحى مقارنة بعام 2024، ليصل الإجمالي إلى أكثر من 5100 شخص، من بينهم موظفون في الأمم المتحدة، كما تم توثيق أكثر من 250 حالة عنف جنسي ضد نساء وفتيات، مع احتمال أن تكون الأرقام أعلى بكثير، كما سجلت حالات خطف المدنيين لتصل إلى 550 شخصاً، فضلاً عن خطاب كراهية يحرض على العنف على أساس عرقي.

ضغوط على الحيز المدني وانتهاكات حقوق الإنسان

وثّق تورك تزايد التهديدات ضد المدنيين في جنوب السودان، بما في ذلك مراقبة الإعلام والمجتمع المدني، وتهديد الصحفيين، واستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان، وتُبين الوثائق أن 27 حادثة ترهيب واعتقال تعسفي استهدفت 62 شخصاً بينهم 20 امرأة خلال عام واحد، مع احتجاز البعض لأسابيع وإطلاق آخرين دون توجيه أي تهم.

وأكد المفوض السامي أن الفضاء المدني المفتوح هو الأساس لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية في ديسمبر 2026، وأن السلام المستدام لن يتحقق دون محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وأوضح أن الحكومة اتخذت خطوات مهمة مثل إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة وهيئة التعويضات، مع دعوة لترجمتها إلى مؤسسات فاعلة تقدم العدالة للضحايا والناجين.

ملايين بحاجة للمساعدة

تحتل الأزمة الإنسانية مساحة كبيرة من التحذيرات، حيث يحتاج أكثر من 10 ملايين شخص إلى مساعدات عاجلة، بينهم 7.5 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأكد المفوض السامي أن جنوب السودان بيئة خطرة للعاملين في المجال الإنساني، مع تسجيل 350 حالة سطو على موظفين ومرافق في عام 2025، بزيادة تفوق الثلث مقارنة بالعام السابق.

وشدد على أن معالجة الأزمة الإنسانية لن تكون ممكنة دون تعزيز الأمن والحوكمة، وإزالة العقبات أمام تقديم الخدمات الأساسية، والاستثمار في قدرة السكان على الصمود والتعافي.

موقف الحكومة والمجتمع الدولي

من جانبه، أكد مايكل مكواي، وزير العدل والشؤون الدستورية في جنوب السودان، التزام الحكومة بتحقيق الاستقرار وتنفيذ الاتفاقية المنشطة، مشيراً إلى تحديات التنفيذ لكنه رفض ما وصفه بسرديات أحادية الجانب تتجاهل التقدم المحرز، مؤكداً استمرار الحكومة في العمل لإجراء انتخابات شاملة ونزيهة في ديسمبر 2026، وإنشاء لجنة الحقيقة وهيئة التعويضات، والبطاقة الهجينة للعدالة الانتقالية بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي.

وأكدت ياسمين سوكا، رئيسة لجنة حقوق الإنسان في جنوب السودان، أن المدنيين مستهدفون بشكل مباشر، وأن هناك نزوحاً جماعياً وتجنيداً قسرياً للأطفال، بالإضافة إلى انتشار العنف الجنسي على نطاق واسع، مشددة على أن الوضع يعكس تفكك اتفاق السلام وإمكان توسيع الصراع ليشمل دولاً مجاورة ويؤثر على استقرار القرن الإفريقي.

ويمثل المجتمع المدني صوتاً حيوياً في هذه الأزمة، كما ذكرت ميموري بانديرا، مديرة البرامج في منظمة ديفيند ديفندرز، مشيرة إلى تضييق مساحة الحراك المدني وتهديدات مستمرة للمدافعين عن حقوق الإنسان، مؤكدة ضرورة دعم المجتمع الدولي وتمديد ولاية اللجنة وحماية الناشطين.

ردود فعل الدول والمنظمات

عبرت الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان عن قلقها البالغ بشأن تصاعد النزاع في جنوب السودان وأكدت أيسلندا، والاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، ومالاوي، وكينيا، وأوغندا، وأنغولا، وغيرها، أن الانتهاكات الجسيمة والاعتقالات والمحاكمات ذات الدوافع السياسية، والعنف المستمر، واستهداف المدنيين يشكل تهديداً خطيراً للسلام والاستقرار، داعية إلى وقف فوري للأعمال العدائية وضمان المساءلة وحماية حقوق المدنيين.

كما أشارت اليونيسف إلى خطورة الوضع على الأطفال، مشيرة إلى تجنيد فتيان دون 13 عاماً وتعرضهم للعنف والاستغلال، مؤكدة على ضرورة احترام حقوق الإنسان وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي.

وشددت هيئات الأمم المتحدة للمرأة على تزايد تعرض النساء والفتيات للعنف الجنسي واستخدام العنف كسلاح حرب، داعية إلى ضمان مشاركة النساء في العملية السياسية والانتخابية بنسبة لا تقل عن 35% كما نصت اتفاقية السلام المنشطة.

الدول الإفريقية، بما فيها جنوب إفريقيا وإريتريا والسودان ورواندا، أكدت ضرورة تعزيز المؤسسات الوطنية، وتنفيذ اتفاق السلام، وتفعيل العدالة الانتقالية، بما في ذلك المحكمة المختلطة لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.

أهمية المساءلة والعدالة الانتقالية

تتفق معظم الجهات الدولية على أن تحقيق سلام مستدام يرتبط ارتباطاً مباشراً بالمساءلة، ووضع حد للإفلات من العقاب، وتعزيز مؤسسات الدولة، والحرص على حماية المدنيين، كما أكدت كل من سويسرا وسريلانكا وألمانيا على أهمية التعاون مع جنوب السودان والاتحاد الإفريقي لضمان تنفيذ اتفاقية السلام بشكل كامل، مع تعزيز الدعم التقني وبناء القدرات الوطنية، لضمان مستقبل مستقر وآمن.

تعد جنوب السودان، التي نالت استقلالها في 2011، واحدة من أفقر دول العالم، وتشهد منذ توقيع اتفاقية السلام الأصلية عام 2018 تصاعداً مستمراً في العنف والنزاعات المسلحة بين القوات الحكومية والمعارضة وميليشيات محلية، وتؤدي هذه النزاعات إلى انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، بما في ذلك القتل خارج نطاق القانون، والاغتصاب المنهجي، واستخدام الأطفال في النزاعات المسلحة، وتدمير البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات.

تفاقمت الأزمة الإنسانية بسبب الانقسامات السياسية، وضعف المؤسسات، والفساد، والافتقار إلى نظام قضائي فعال، مما يؤدي إلى إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب، ويهدد جهود إعادة البناء، ويجعل أكثر من نصف السكان بحاجة إلى مساعدات غذائية وطبية عاجلة، وفق تقديرات الأمم المتحدة لعام 2025.

وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن السلام الدائم لا يمكن تحقيقه دون إصلاح شامل للمؤسسات، وإنهاء الإفلات من العقاب، وضمان العدالة الانتقالية، بما في ذلك إنشاء محكمة هجينة ولجنة الحقيقة، وضمان مشاركة المجتمع المدني وحماية حقوق المرأة والفتيات، مع التركيز على الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

تشكل الدورة الحادية والستون لمجلس حقوق الإنسان في جنيف منصة دولية مهمة لمناقشة قضايا حقوق الإنسان على المستويين الإقليمي والعالمي، حيث تجمع الدول الأعضاء والمنظمات الدولية والمجتمع المدني لتقييم الانتهاكات الحقوقية وتقديم توصيات فعالة لحماية المدنيين وتعزيز المساءلة.

 تركز الدورة على الحالات الإنسانية العاجلة والنزاعات المسلحة، بما في ذلك الوضع في جنوب السودان، وسلطت الضوء على الانتهاكات الجسيمة التي تستهدف النساء والأطفال والمدنيين بشكل عام، مع التأكيد على ضرورة احترام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، كما ناقشت الدورة سبل تعزيز مؤسسات العدالة الانتقالية، وتوفير الحماية للمدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان تنفيذ اتفاقيات السلام، مع التأكيد على الدور الحاسم للمجتمع الدولي في دعم الحكومات الوطنية وتعزيز الشفافية والمساءلة لضمان سلام دائم واستقرار مستدام.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية