بين حق الورثة وواجب المتاحف.. هل يمكن تحقيق العدالة الفنية في استرداد الأعمال المنهوبة؟

بين حق الورثة وواجب المتاحف.. هل يمكن تحقيق العدالة الفنية في استرداد الأعمال المنهوبة؟
أعمال فنية- أرشيف

في قاعة مهيبة بمتحف "تايت بريطانيا"، حيث تُعرض روائع الفن العالمي، تقف لوحة "إينيس وعائلته يهربون من طروادة المحترقة" للفنان هنري غيبس (1654) شاهداً على مفارقة تاريخية عميقة. 

أصبحت اللوحة التي تصور هروب بطل أسطوري من مدينة تحترق، جزءاً من قصة هروب مختلفة - هروب مالكها الأصلي، جامع التحف اليهودي صمويل هارتفيلد، من براثن النازية تاركاً خلفه إرثاً فنياً تم نهبه أمام أعين العالم.

قرار إعادة اللوحة إلى ورثة هارتفيلد، الذي أعلنته وزارة الثقافة البريطانية مؤخراً، يفتح جرحاً تاريخياً لا يزال ينزف، ويثير أسئلة وجودية حول مفهوم العدالة الفنية في مواجهة مظالم الماضي.

تشير سجلات "المؤتمر الدولي لتعويض ضحايا الهولوكوست" (2023) إلى أن أقل من 30% من القطع الفنية المنهوبة خلال الحقبة النازية قد أعيدت إلى أصحابها الشرعيين. 

وتكشف هذه الإحصائية الصادمة عن فجوة هائلة بين الخطاب الأخلاقي للمؤسسات الثقافية والواقع العملي، ومتحف تايت نفسه، وفقاً لتقرير "لجنة استرداد الممتلكات الفنية" الصادر عام 2022، يمتلك 45 عملاً فنياً على الأقل ذات تاريخ مثير للشكوك حول ملكيتها خلال الحرب العالمية الثانية، لم يُتخذ أي قرار إلا بشأن 6 منها فقط.

القضية تتجاوز مجرد إعادة ملكية مادية، فقد توصلت دراسة أجرتها "جامعة كامبريدج" (2024) على 200 حالة استرداد فني بين 1945-2023، إلى أن متوسط الوقت الذي تستغرقه عملية الاسترداد القانوني يصل إلى 11.7 سنة، بينما تصل التكاليف القانونية في بعض الحالات إلى 300 ألف جنيه إسترليني، مما يجعلها بعيدة المنال عن معظم العائلات المتضررة هذه العقبات النظامية تحول دون تحقيق العدالة الحقيقية، حتى عندما تُظهر المؤسسات الثقافية "حسن النية" بإعادة بعض القطع.

المأساة تكمن في أن كل عمل فني منهوب يحمل قصة إنسانية مفجعة، فصمويل هارتفيلد، وفقاً لوثائق "أرشيف متحف الهولوكوست" في واشنطن، لم يكن مجرد جامع تحف، بل كان راعياً للفنون أنشأ صالوناً ثقافياً في أنتويرب اجتذب أهم الفنانين والمفكرين في عصره فقدانه لمجموعته الفنية، التي تضم 187 عملاً فنياً وفق سجلات "المؤسسة الأوروبية لتراث الهولوكوست"، لم يكن خسارة مادية فحسب، بل طمساً متعمداً لإرث ثقافي كامل

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن لاستعادة لوحة واحدة أن تعيد الاعتبار لرحلة إبداعية بأكملها؟

المعضلة الأخلاقية تتعمق عند النظر إلى السياق التاريخي الأوسع فتقارير "اليونسكو" تشير إلى وجود ما يقارب 1.67 مليون قطعة فنية وأثرية مسروقة من مستعمرات سابقة موجودة حالياً في متاحف أوروبا وأمريكا الشمالية، وهذه الأرقام تضعنا أمام مفارقة صارخة: كيف يمكن للمؤسسات الثقافية أن تتبنى موقفاً أخلاقياً من نهب الحقبة النازية بينما تتجاهل المطالبات المتزايدة بإعادة الممتلكات الثقافية للشعوب المستعمرة؟

ويعاني النظام القانوني الحالي من تناقضات عميقة فمبادئ واشنطن" (1998) التي وُقعت من قبل 44 دولة لمعالجة قضية الفن المنهوب في الحقبة النازية، تظل مجرد إطار استرشادي غير ملزم قانوناً، وفي المقابل، تجعل تشريعات مثل "قانون الحصانة السيادية للمتاحف" في العديد من الدول من الصعب مقاضاة المتاحف لاستعادة القطع الأثرية. 

وهذه الازدواجية القانونية تخلق نظاماً غير متكافئ، حيث تعتمد إمكانية الاسترداد أكثر على الضغط الإعلامي والحس الأخلاقي للمؤسسات، بدلاً من نظام قضائي عادل ومنصف.

الجانب النفسي للضحايا وعائلاتهم يشكل بعداً آخر مغيباً في هذه المعادلة، فقد أوضحت دراسة نشرتها "الجمعية الدولية لعلم النفس التحليلي" (2023) أن عملية استرداد الممتلكات المنهوبة تحمل تأثيراً عاطفياً عميقاً على الناجين وأحفادهم، حيث تعيد إحياء الصدمات العابرة للأجيال، وبعض المشاركين في الدراسة وصفوا العملية بأنها "إعادة دفن للرفات" أكثر منها استعادة لممتلكات هذا البعد النفسي نادراً ما يُؤخذ في الاعتبار عند صياغة سياسات الاسترداد.

التحدي الأكبر يكمن في غياب رؤية شاملة للعدالة الفنية، فقد أوضح الخبير القانوني في مجال الفنون د. ماركوس أوسترفالدر في حديث لـ"مجلة القانون الثقافي الدولي" (2024) أن "العدالة الحقيقية تتطلب نظاماً ثلاثي الأبعاد: الاسترداد المادي، التعويض الرمزي، والإصلاح المؤسسي" والنموذج الحالي يركز على البعد المادي فقط، متجاهلاً الحاجة إلى اعتذارات رسمية، وبرامج تثقيفية، وإصلاحات هيكلية تمنع تكرار هذه الانتهاكات.

في ظل هذه التعقيدات، تبرز مبادرات فردية تحاول سد الفجوة، ويعمل "مشروع أورفيوس" التابع لـ"المجلس الأوروبي للاجئين" على توثيق القصص الإنسانية وراء القطع الفنية المنهوبة، محولاً إياها من مجرد كائنات مادية إلى حكايا إنسانية حية، وهذه المقاربة السردية قد تشكل جسراً بين العدالة القانونية والعدالة التاريخية.

القضية في جوهرها تتعلق بكيفية تعامل المجتمعات مع ذاكرتها الجمعية، ويبقى قرار متحف تايت، رغم أهميته الرمزية، قطرة في محيط من المظالم التاريخية التي تتطلب مقاربة أكثر جرأة.

العدالة الفنية الحقيقية لن تتحقق بمجرد إعادة اللوحات إلى جدران مختلفة، بل بإعادة كتابة التاريخ نفسه ليشمل أصواتاً ظلت لعقود مهمشة ومغيبة، ربما يكون الفن المنهوب هو الشاهد الأصدق على أن بعض الجروح لا تندمل بمجرد إعادة الممتلكات، بل تحتاج إلى مصالحة أعمق مع شظايا الماضي التي لا تزال تنزف في الحاضر.

بين الاسترداد والحفاظ على الإرث الثقافي 

وقال الناقد التشكيلي الدكتور صلاح بيصار إن استرداد الأعمال الفنية المنهوبة مسألة معقدة تتطلب موازنة بين الحقوق التاريخية والعدالة الفنية فإذا وُجد ورثة أصليون من الدرجة الأولى أو الثانية، فمن الطبيعي أن يتم استرداد الأعمال إليهم، لكن الحل الأمثل هو بقاء هذه القطع في المتاحف مع تعويض أصحابها تعويضًا عادلاً وبهذا تتحقق العدالة الفنية، إذ يظل العمل الفني متاحًا للعرض أمام الجمهور بدلاً من أن ينتهي به المطاف في صالات المزادات حيث قد يصبح مجرد سلعة بين أيدي الأثرياء، مما يثير تساؤلًا جوهريًا: أي الخيارين أكثر نفعًا للتراث الثقافي الإنساني؟

وفي تصريحاته لـ"جسور بوست"، يشير بيصار إلى تجربة لوحة "جورنيكا" الشهيرة لبيكاسو، التي تُعتبر صرخة احتجاج ضد التسلط والإرهاب، وهذه اللوحة تعرضت لمحاولات استرداد عدة، إلا أن بيكاسو نفسه اشترط ألا تعود إلى إسبانيا إلا بعد زوال الحكم الفاشي الذي كان جاثمًا على البلاد آنذاك، وهذه الواقعة تبرز مفهومًا عميقًا يُعرف بقومية الفن، حيث يمكن للأعمال الفنية أن تحمل معاني سياسية ورمزية تمتد أبعد من الملكية الفردية، ما يستدعي ضرورة الحفاظ عليها في المؤسسات الثقافية الكبرى مع احترام حقوق ورثة الفنانين.

واسترسل قائلاً: عبر التاريخ، لطالما كانت سرقة الأعمال الفنية جزءًا من مسار الفن التشكيلي فمثلاً، لوحة "الموناليزا" لدافنشي، التي تُعد من أشهر اللوحات في العالم، تعرضت للسطو أكثر من مرة، مما زاد من شهرتها العالمية كان دافنشي قد أهدى هذه اللوحة لفرنسا خلال إقامته هناك، وبقيت منذ ذلك الحين في متحف اللوفر، لكنها سُرقت وضُبطت على الحدود عدة مرات، والأمر ذاته ينطبق على لوحة "الصرخة" للفنان النرويجي إدوارد مونش، التي كانت هدفًا متكررًا للسرقة، إلى جانب ذلك، تطور مفهوم حقوق الملكية الفكرية عبر الزمن ليشمل حماية الإبداع الفني فقبل ظهور هذه القوانين، عانى العديد من الموسيقيين والفنانين من الفقر بسبب عدم وجود آليات تحمي حقوقهم، أما اليوم، فهناك قوانين تحمي ورثة الفنانين وتضمن لهم عائدات من أعمال أسلافهم، وفي بعض الحالات، يصبح المتحف نفسه الوريث الشرعي للعمل الفني، مما يضع إشكالية جديدة حول مفهوم الملكية وإعادة الاعتبار.

وأوضح أن القضية لا تقتصر على اللوحات فقط، بل تمتد إلى التراث الأثري أيضًا، فالمتحف القومي العراقي، على سبيل المثال، تعرّض لسرقة نحو 15 ألف قطعة أثرية خلال الغزو الأمريكي للعراق، ولم يُسترد منها سوى 5 آلاف قطعة حتى الآن، وفقًا لتقارير رسمية صادرة عن القائمين على المتحف هذه المسألة تُظهر أن النهب الفني ليس مجرد قضية فردية بل قضية قومية تتعلق بهوية الشعوب وذاكرتها التاريخية، وفي السياق ذاته، يُطرح مثال تمثال نفرتيتي، أحد أهم الأيقونات المصرية القديمة، والذي لا يزال معروضًا في ألمانيا وسط اهتمام كبير، وبينما تطالب مصر باستعادته، يرى بعض المختصين أنه يمكن أن يبقى في المتحف الألماني بشرط اعتراف الحكومة الألمانية رسميًا بملكيته الأصلية لمصر، مما يعزز فكرة أن بعض القطع الأثرية يمكن أن تؤدي دورًا دعائيًا وثقافيًا للدولة الأصلية حتى لو لم تكن معروضة على أراضيها.

وتابع: تعقيدات استرداد الأعمال الفنية تزداد عندما تختفي سلالة بعض الورثة، كما هو الحال في الكثير من الحالات منذ زمن النازية، وفي الوقت نفسه، هناك رموز تاريخية مصرية مثل المسلات، حيث توجد 11 مسلة مصرية في دول مثل فرنسا وإيطاليا، وهذه المسلات رغم وجودها خارج مصر، لا تزال تُعتبر أيقونات مصرية معترف بها عالميًا، وتثير الحكومات قضايا قانونية عند تعرضها لأي انتهاك.

ويؤكد بيصار أن حماية هذه الأعمال الفنية والقطع الأثرية تتطلب إجراءات أمنية مشددة، فكلما زاد عدد حراس المتاحف، ارتفعت مستويات تأمين اللوحات. كما أن التقنيات الحديثة مثل البوابات الإلكترونية وكاميرات المراقبة أصبحت ضرورية لحماية هذه الكنوز من السرقة، خاصة أن بعض الأعمال لا يزال مصيرها مجهولًا مثل "زهرة الخشخاش" لفان جوخ، التي تعرضت للسطو ولم يُعرف مصيرها حتى اليوم.

وأتم: بهذا يتضح أن مسألة استرداد الأعمال الفنية لا يمكن أن تُحسم بقرار واحد، بل تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الاعتراف بحقوق الورثة، وحماية التراث الثقافي، وضمان استمرار عرض هذه الأعمال للجمهور. فالعدالة الفنية لا تقتصر على الاسترداد، بل تشمل حماية الفن ذاته، وحفظ تاريخه، وضمان بقائه متاحًا للأجيال القادمة.

خطوة نحو العدالة التاريخية

من جانبه، قال فنان الكاريكاتير سمير عبد الغني، إن إعادة القطع الفنية المنهوبة تمثل خطوة جوهرية نحو تحقيق العدالة؛ إذ إنها ليست مجرد مسألة استرداد ممتلكات ثقافية، بل إعادة الحق لأصحابه وتصحيح لمسار التاريخ. وأوضح أن اللصوص أو الدول المنتصرة في الحروب غالبًا ما تبرر استيلاءها على هذه الأعمال باعتبارها مكسبًا مشروعًا، غير أن المكسب الحقيقي الذي يمكن أن يحققه العالم اليوم هو إعادة هذه اللوحات إلى مواطنها الأصلية، حيث تنتمي ثقافيًا وتاريخيًا.

وأكد عبد الغني، في تصريحاته لـ"جسور بوست"، أن عودة هذه القطع يجب أن تتم من بوابة حقوق الإنسان، إذ يعد الحق في المعرفة والثقافة الروحية جزءًا لا يتجزأ من الحقوق الأساسية للشعوب. إلا أن هذه العودة، برأيه، لا تكتمل إلا بالتعويض المعنوي من خلال الاعتراف والاعتذار عمّا حدث، إلى جانب تسليط الضوء على الأهمية التاريخية والفنية لهذه القطع المنهوبة. وأشار إلى أن الاهتمام بالمتاحف التي ستحتضن هذه القطع يجب أن يكون التزامًا عالميًا، وليس مجرد مسؤولية محلية، لأن الحفاظ على التراث الثقافي لا يمثل واجبًا وطنيًا لدولة أو مملكة بعينها، بل هو مسؤولية مشتركة تفرض على العالم بأسره تقديم الدعم المادي لضمان حماية هذه القطع في بيئتها الأصلية.

وشدد عبد الغني، على أهمية الاتفاقيات الدولية التي تنظم مسألة استرداد الممتلكات الثقافية، مثل اتفاقية اليونسكو لعام 1970، التي تهدف إلى حظر ومنع الاتجار غير المشروع في الممتلكات الثقافية. وأكد أن وجود تشريعات وطنية فعالة يعد أمرًا ضروريًا لضمان نجاح عمليات الاسترداد، شرط أن تصب هذه القوانين في مصلحة الإبداع والحفاظ على التراث.

وعلى الصعيد الأخلاقي، عبر عبد الغني، عن أمله في أن يكون الاعتراف بحق الشعوب في استعادة تراثها الثقافي واقعًا ملموسًا، وليس مجرد نصوص بلا تنفيذ، وأبدى قلقه من أن تكون الدول الغنية والمهيمنة هي صاحبة القرار في هذه المسألة، متسائلًا عن كيفية تمكين الدول الفقيرة من استعادة مقتنياتها المنهوبة دون أن تتعرض لضغوط من القوى المسيطرة التي لا تعترف إلا بمنطق القوة. وتابع قائلًا إنه يحلم بعالم تسوده قوانين تعيد الحقوق إلى أصحابها، معتبرًا أن مثل هذه القوانين يمكن أن تكون نقطة انطلاق نحو عالم أكثر عدالة.

وأضاف أن التأثير المحتمل لهذه القوانين لا يقتصر على إعادة القطع الفنية فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة كتابة التاريخ من منظور أكثر إنصافًا، وإعادة إحياء روح الشعوب التي حُرمت من جزء من ذاكرتها الثقافية. ورأى أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب أن يكون المسؤولون عن هذا الملف في العالم هم الكتاب والمبدعون والمفكرون الذين يؤمنون بمجتمع عالمي ينشد السلام والمحبة.

وختم عبد الغني، حديثه بالتأكيد على أن إعادة هذه الأعمال إلى موطنها الأصلي ليست مجرد استعادة لمقتنيات فنية، بل هي خطوة نحو إعادة البحث في التاريخ وربما إعادة كتابته من جديد، بما يمنح الشعوب المظلومة انتصارًا يعيد إليها الأمل. وأشار إلى أن المتاحف العالمية التي تعج بالبرديات والقطع الأثرية المنهوبة تشكل أكبر دليل على الحاجة الملحة إلى إعادة الحقوق إلى أصحابها، ودعا إلى تعاون دولي حقيقي لضمان تحقيق هذه العدالة الثقافية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية