جراح لا تندمل.. حكاية نسبت سليمان تروي مأساة الأيزيديين بعد فرمان شنكال
جراح لا تندمل.. حكاية نسبت سليمان تروي مأساة الأيزيديين بعد فرمان شنكال
في فجر الثالث من أغسطس 2014، بدا كل شيء هادئًا في قرية تل قصب، لم تكن نسبت سليمان، الشابة القادمة من قرية كوجو بعد زواجها، تتخيل أن ذلك اليوم سيحوّل حياتها إلى سلسلة طويلة من الفقد والخوف والانتظار.
عند الساعة الثامنة صباحًا، دوّى الرصاص، واجتاح مقاتلو داعش القرى الأيزيدية في شنكال، ومنذ تلك اللحظة، تحولت الحياة العادية إلى جحيم من الإبادة الممنهجة، بحسب ما ذكرت وكالة "JINHA"، اليوم الجمعة.
تتذكر نسبت اللحظات الأولى: "انطلقنا على الأقدام نحو منحدرات شنكال، لكنهم لحقوا بنا وأسرونا جميعًا، فصلوا الرجال عن النساء والأطفال، ثم اقتادونا إلى بعجة ومنها إلى الموصل".
في الموصل، قضت ثلاثة أشهر أسيرة، محاطة بالخوف والذعر، كانت تشهد يوميًا كيف يُنتزع الفتيات الأصغر سنًا من بينهن، وكيف يُفصل الرجال ليختفوا إلى الأبد، ومن بين من فُصلوا، كان زوجها، الذي لم تعد تعرف مصيره.
حياة تحت التهديد
في تل عفر، وُضعت نسبت مع عائلات أخرى تحت رحمة مقاتلي داعش، أجبروا الأسر على خدمة التنظيم، رعاية المواشي، والقيام بالأعمال المنزلية.
تقول نسبت: "كنا نعيش تحت تهديد دائم، بين الإذلال والبحث المستمر عن أي سبيل للنجاة، ذات مرة جاؤوا بجثة رجل مسن قُتل لأنه حاول الهرب، أرادوا أن يزرعوا فينا الرعب".
لم تستسلم نسبت وزوجها، رغم قسوة الشتاء وحملها بطفل جديد، قررا الهرب، في أول محاولة، مشيا طوال الليل، لكنهما عادا خائبين.
وفي المحاولة الثانية، أعطت أطفالها حبوبًا منومة كي لا يكشفهم بكاؤهم، وانطلقوا تحت جنح الظلام، هذه المرة وصلوا إلى بر الأمان، وصلوا إلى زاخو، ثم إلى مخيم قاديا حيث عاشوا سبع سنوات بين الألم والانتظار.
فقد العائلة والمقابر الجماعية
عندما عادت نسبت إلى شنكال بعد سنوات، لم تجد سوى الأطلال، أكثر من عشرين فردًا من عائلتها أُبيدوا في قرية كوجو، "قتلوا والدي وأمي وإخوتي الخمسة وأطفالهم، حتى أمي، ألقوا بها حية في حفرة المقبرة الجماعية.. لم يبقَ لي سوى أخ واحد نجا بأعجوبة".
لا تزال نسبت تبحث عن عظام أحبائها. لم يُعثر سوى على جثة والدها واثنين من إخوتها. أما والدتها وإخوتها الآخرون، فما زالت رفاتهم مفقودة، "نحن لا نطلب المستحيل، فقط نريد أن ندفن أحباءنا بكرامة".
ورغم مرور 11 عامًا على فرمان شنكال، لا تزال المقابر الجماعية مطمورة، وآلاف النساء والأطفال الإيزيديين مجهولو المصير. العراق لم يعترف رسميًا بالإبادة، والعدالة لا تزال بعيدة المنال.
تقول نسبت بمرارة: "الحكومة تجمع عينات دم كل عام لمطابقة الهويات، لكننا لم نتسلم شيئًا.. الدولة تخدعنا، والجرح ما زال مفتوحًا".
ذاكرة جماعية تنزف
قصة نسبت ليست استثناءً، بل هي صوت جماعي للإيزيديين الذين ما زالوا يعيشون على أنقاض الماضي، آلاف النساء في قبضة داعش، آلاف المفقودين بلا أثر، والمقابر الجماعية شاهدة على جريمة لم تُمحَ.
وبالنسبة لنسبت، الحرية لم تكتمل بعد: "لن أشعر بالسلام حتى أجد عظام أمي وإخوتي، وحتى تتحرر كل امرأة ما زالت أسيرة".