بين الفرح والضجيج.. حفلات الشوارع في إندونيسيا تواجه رفضاً شعبياً

بين الفرح والضجيج.. حفلات الشوارع في إندونيسيا تواجه رفضاً شعبياً
حفلات الشوارع في إندونيسيا

في قرية نغانترو الصغيرة، لا يحتاج السكان إلى ساعة منبّه.. الأصوات الإلكترونية الممتزجة بإيقاعات الغاميلان التقليدية كفيلة بإيقاظهم من منتصف النهار حتى ساعات الفجر الأولى. 

"من الواحدة ظهرًا حتى الثالثة صباحًا.. لا يتوقف الصوت أبدًا"، يقول أحمد سليات، أحد سكان القرية، وهو يشير إلى جدران منزله المتشققة.. ثم يضيف بابتسامة مُرهقة: "مع الموسيقى يأتي الكحول والصخب.. إنها حفلة لا تنتهي"، بحسب ما ذكرت وكالة "فرانس برس"، اليوم الأحد.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، يتداول الإندونيسيون مقاطع فيديو تُظهر قراميد متساقطة وزجاج نوافذ متصدع بسبب قوة مكبرات الصوت العملاقة، التي يطلق عليها محليًا "ساوند هوريغ"، أي "الاهتزاز".

لكن الضحايا ليسوا الجدران وحدها. قبل أيام، توفيت امرأة في جاوة الشرقية إثر نوبة قلبية خلال كرنفال صاخب. وتكشف بيانات محلية عن ارتفاع حالات فقدان السمع المرتبطة مباشرة بهذه الحفلات.

منظمة الصحة العالمية حذرت منذ سنوات، قائلة: الأصوات التي تتجاوز 85 ديسيبل قد تسبب أذى سمعيًا طويل الأمد، أما ما يفوق 120 ديسيبل فيمكن أن يحدث ضررًا فوريًا.. ومع ذلك، تُظهر تطبيقات على هواتف السكان مستويات ضوضاء تصل إلى 130 ديسيبل في بعض المناسبات.

"حرام" أم "تراث"؟

لم يتأخر الموقف الديني، ففي يوليو الماضي، أصدر مجلس إسلامي محلي فتوى تقضي بأن الضوضاء المفرطة خلال حفلات الزفاف أو المهرجانات "حرام"، لأنها تُزعج الآخرين وتُشغلهم عن العبادة.

لكن بين الحظر والواقع مساحة رمادية واسعة… تقول دايني (61 عامًا) من مالانغ، وهي تتذكر ليلة طويلة العام الماضي: "تصدع زجاج نافذتي بسبب مكبرات الصوت.. ومع ذلك، لا بأس. الناس هنا يحبون الحفلات الصاخبة.. إنها جزء من تقاليدنا".

الاقتصاد الشعبي بدوره يضيف بعدًا آخر للقصة. شركات تأجير مكبرات الصوت التي انتعشت مجددًا بعد الجائحة تقول إنها توفّر مصدر رزق لآلاف الأشخاص. 

"في مالانغ وحدها، هناك عشرات الآلاف ممن يعتمدون على هذه الحفلات"، يوضح ديفيد ستيفان لاكسامانا (40 عامًا)، صاحب شركة تأجير.

هنا يظهر المأزق، فكل محاولة لتقييد الضجيج تُترجم عند البعض إلى تهديد لأرزاقهم.. أما لدى الجيران المتضررين، فالمسألة تتعلق بالقدرة على النوم.. أو البقاء بصحة جيدة.

خوف من الكلام

على الرغم من التعليمات الرسمية الأخيرة التي تحد من استخدام مكبرات الصوت بالقرب من المدارس والمستشفيات ودور العبادة، لا يزال كثيرون مترددين في الشكوى.. "لا أجرؤ على الحديث مع زعيم القرية"، يعترف أحمد، قائلا: "أخاف من التهديد إذا اشتكيت".

الصمت الذي يفرضه الخوف يضيف ثِقلاً آخر للضوضاء المتراكمة. الناس محاصرون بين جيران متحمسين، وسلطة متراخية، وفتوى دينية لا تجد طريقها إلى التطبيق.

وبين مكبرات الصوت التي تهزّ القلوب والجدران، وبين الفتاوى التي تجرّم الصخب، تبقى حياة ملايين الإندونيسيين معلّقة على إيقاع موسيقى لا يريد الجميع أن يسمعها.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية