بين الحصار والاحتياجات الإنسانية.. مرضى غزة يخشون فقدان الرعاية الصحية الحيوية

بين الحصار والاحتياجات الإنسانية.. مرضى غزة يخشون فقدان الرعاية الصحية الحيوية
فلسطينية تتلقى خدمات طبية في أحد مراكز أطباء بلا حدود في غزة

يعيش مستشفى ناصر في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة منذ أشهر تحت ضغط غير مسبوق، مع تزايد أعداد المرضى الذين يخشون فقدان الرعاية الصحية الحيوية في حال أُجبرت منظمة أطباء بلا حدود على مغادرة القطاع، إثر قرار إسرائيلي يحدد مارس المقبل موعداً نهائياً لتنفيذه، ويشكل القرار تهديداً مباشراً لعمل الخدمات الطبية في غزة، بحسب ما نقلته وكالة فرانس برس الأحد، ويزيد المخاوف بين الأهالي والمرضى من فقدان الدعم الطبي المنقذ للحياة، خصوصاً للأطفال والمرضى المصابين بأمراض مزمنة أو جراء القصف.

مرضى الأطفال في قلب الأزمة

الطفل آدم عصفور، البالغ من العمر 10 سنوات، أحد أولئك المرضى الذين يواجهون خطر فقدان الرعاية، فقد ثُبتت ذراعه اليسرى بقضبان معدنية بعد إصابته بشظايا نتيجة قصف إسرائيلي وقع في سبتمبر الماضي على قطاع غزة، ويقول الطفل إن توقف أطباء بلا حدود عن تقديم الرعاية سيكون صدمة كبرى، مضيفاً أن المنظمة وقفت إلى جانب المرضى طوال الحرب، وأن معرفته باحتمال توقف خدماتهم سببت له حزناً شديداً، وإلى جانب ذلك قصص مشابهة يرويها الأهالي عن أطفال أصيبوا بحروق شديدة أو جروح نتيجة الانفجارات، ما يجعل استمرار الرعاية الطبية أمراً حيوياً للبقاء على قيد الحياة.

قرار إسرائيل والمخاوف الدولية

في ديسمبر الماضي، أعلنت إسرائيل عزمها حظر أنشطة 37 منظمة إنسانية دولية في قطاع غزة، من بينها أطباء بلا حدود، بزعم رفض المنظمة تقديم معلومات دقيقة وقابلة للتحقق حول موظفيها، واتهمت وزارة شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية موظفين اثنين في المنظمة بالارتباط بحركتي حماس والجهاد الإسلامي، وهو ما نفته المنظمة بشكل قاطع، وأثار القرار إدانة واسعة من قبل المجتمع الدولي، حيث حذّرت منظمات إغاثة من أن القرار سيؤثر بشكل كبير على إمدادات الغذاء والدواء، لا سيما أن القطاع يعاني منذ سنوات من نقص حاد في المواد الإغاثية والخدمات الأساسية، بعد أكثر من عامين من الحرب والدمار.

العمل الميداني في مستشفى ناصر

يواصل طاقم أطباء بلا حدود العمل اليومي في مستشفى ناصر، حيث تنتقل الفرق بين الأقسام المزدحمة لتقديم العلاج للأطفال والبالغين الذين يعانون من جروح ناتجة عن شظايا الحرب وأمراض مزمنة، بالإضافة إلى تقديم خدمات الدعم النفسي للمرضى وعائلاتهم، وتقول فيروز برهوم، وهي جدة الطفل جود رشوان البالغ من العمر 18 شهراً، إن توقف المنظمة سيكون أمراً لا يُحتمل، ويضيف أن حفيدها أصيب بحروق نتيجة انسكاب ماء ساخن عليه أثناء الرياح العاتية التي ضربت مأوى العائلة المؤقت، وتطالب برهوم بمواصلة تقديم الرعاية للأطفال حتى الشفاء الكامل، مؤكدة أن استمرار المنظمة يمثل أملها الوحيد في إنقاذ حياة أحفادها.

أهمية المنظمة وخدماتها

يشدد مسؤولو أطباء بلا حدود على أن المنظمة توفر نحو 20 في المئة من أسرة المستشفيات في قطاع غزة، وتدير نحو 20 مركزاً صحياً، وأجرت خلال عام 2025 أكثر من 800 ألف استشارة طبية وأكثر من 10 آلاف عملية ولادة، كما توضح كلير نيكوليه، المسؤولة في المنظمة، أن العمل يشمل توزيع مياه الشرب على السكان، إذ يعاني كثيرون من نقص حاد بعد سنوات من الحرب، وتشدد على أن من شبه المستحيل تعويض كل ما تقوم به المنظمة عبر أي جهة أخرى، نظراً لحجم الخدمات الطبية والإغاثية المقدمة، والاعتماد الكبير عليها من قبل آلاف المرضى يومياً.

القيود الإسرائيلية وتأثيرها في الإغاثة

تواصل إسرائيل منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 توجيه اتهامات لحركة حماس باستخدام المرافق الطبية كمراكز قيادة، ما أدى إلى فرض قيود على عمل المنظمات الإنسانية، وتحذّر المنظمات الإنسانية من أن أي انسحاب لأطباء بلا حدود سيؤدي إلى انهيار الخدمات الحيوية، بما يشمل الرعاية الطارئة، والعناية بصحة الأمهات، وعلاج الأطفال، ما يترك مئات الآلاف من السكان دون أي رعاية طبية حيوية، وتقول كيلسي ميدن، مديرة الخدمات اللوجستية في المنظمة، إن الطواقم ستواصل العمل قدر استطاعتها، لكنها أشارت إلى أن القيود المتزايدة ستمنع إدخال مزيد من الموظفين الدوليين والإمدادات الأساسية إلى القطاع.

أحوال المرضى وعائلاتهم

يعيش المرضى وعائلاتهم في مستشفى ناصر ساعات طويلة من القلق والضغط النفسي، وسط استمرار الحرب ونقص الخدمات الطبية، ويجلس إياد يوسف بجانب سرير ابنه الذي يتعافى من حروق أصيب بها إثر سقوطه في قدر ماء ساخن، متضرعاً إلى الله أن تظل أطباء بلا حدود موجودة في غزة، ويقول يوسف إن جهود المنظمة الإنسانية لا تُقدّر بثمن، وأن استمرارها يعني إنقاذ حياة آلاف الأطفال والمرضى. القصص الإنسانية تتكرر يومياً في المستشفى، إذ يحتاج كثيرون من الأطفال والرضع إلى علاج مستمر وعمليات جراحية عاجلة، وهو ما يجعل أي توقف للمنظمة أمراً كارثياً.

قطاع غزة يعاني منذ سنوات من أزمات متراكمة تشمل الحروب المتكررة والحصار الإسرائيلي ونقص الموارد الطبية والإنسانية، وقد أدى ذلك إلى أزمة مستمرة في تقديم الرعاية الصحية، مع تفاقم أوضاع الأطفال والنساء وكبار السن الذين يواجهون نقصاً شديداً في الغذاء والدواء، إضافة إلى انهيار المراكز الطبية والمستشفيات، وتشكل المنظمات الدولية، مثل أطباء بلا حدود، دعامة أساسية للنظام الصحي المحلي، حيث توفر الرعاية الطبية، والإمدادات الغذائية، والمياه، والدعم النفسي للسكان المحاصرين، ويؤكد خبراء إنسانيون أن أي انسحاب لهذه المنظمات سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الصحية، ويزيد من معاناة السكان، ويترك مئات الآلاف بلا رعاية حيوية في ظل ظروف إنسانية قاسية.

في ضوء هذه المعطيات، يمثل استمرار عمل أطباء بلا حدود في غزة مسألة حياة أو موت لمئات الآلاف من السكان، ويشكل عنصراً أساسياً في حماية المدنيين وتوفير الرعاية الطبية الأساسية، وهو أمر تحذر المنظمات الإنسانية والدولية من أن توقفه سيترك القطاع في أزمة صحية لا تقل خطورة عن سنوات الحروب والدمار الماضية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية