عودة "الإلغاء الجيبي".. ترامب يفجّر معركة بتجميد 4.9 مليار دولار من المساعدات الخارجية
في مناورة قانونية جديدة مع الكونغرس
في خطوة وُصفت بأنها واحدة من أكثر خطواته إثارة للجدل في ملف التمويل الحكومي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء 4.9 مليار دولار من المساعدات الخارجية التي سبق أن وافق عليها الكونغرس، مستندًا إلى آلية قانونية نادرة تُعرف باسم "إلغاء الجيب" (Pocket Rescission)، وهي مناورة لم تُستخدم منذ نحو 50 عامًا.
القرار الذي صدر مساء الخميس عبر رسالة رسمية من ترامب إلى رئيس مجلس النواب مايك جونسون وضع البيت الأبيض في مواجهة مباشرة مع الكونغرس، وأثار عاصفة من الانتقادات من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وسط تحذيرات من أن هذه الخطوة قد تزيد احتمالات إغلاق الحكومة الفيدرالية مع نهاية السنة المالية في 30 سبتمبر.
وبحسب ما نشرته "فايننشيال تايمز"، اليوم السبت، فإن ترامب استخدم ما يُعرف بـ"الإلغاء الجيبي"، وهي آلية تسمح للرئيس بإرسال طلب استرداد للكونغرس، وحجب الأموال لمدة 45 يومًا بانتظار قرار المشرعين، لكن توقيت استخدام هذه الأداة جاء في أقل من 45 يومًا على نهاية السنة المالية، وهو ما اعتبره البيت الأبيض وسيلة كافية لحرمان الكونغرس من التصرف، وبالتالي ضمان انتهاء التمويل من تلقاء نفسه.
هذه الخطوة تعني عمليًا أن الرئيس تجاوز الكونغرس في واحدة من أبرز سلطاته الدستورية: سلطة الاعتماد والإنفاق.
وقالت الإدارة الأمريكية في بيان إن هذه الإجراءات تأتي ضمن التزامها "ترتيب البيت المالي وخفض الإنفاق الحكومي المُسرف"، مشيرة إلى أن كثيرًا من برامج المساعدات الخارجية "لا تصب في مصلحة الولايات المتحدة"، على حد تعبير البيان.
سابقة في عهد كارتر
وفقًا لتغطية "أسوشيتد برس"، لم يشهد النظام السياسي الأمريكي استخدام هذه الآلية منذ عهد الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر عام 1977، ما يضفي على خطوة ترامب بعدًا تاريخيًا نادرًا.
وقالت الوكالة إن اللجوء إلى "الإلغاء الجيبي" يُعد جزءًا من توجه أوسع لإدارة ترامب في سعيها لتوسيع صلاحياتها التنفيذية على حساب الكونغرس وهيئات حكومية أخرى، بدءًا من محاولات إقالة محافظين في الاحتياطي الفيدرالي، وصولًا إلى قرارات فرض الرسوم الجمركية دون العودة إلى المشرعين.
تفاصيل الأموال الملغاة
وفقًا للبيانات التي نشرتها "فايننشيال تايمز" و"بوليتيكو"، فإن الأموال المستهدفة بالقرار موزعة على عدة بنود:
- 3.2 مليار دولار من منح المساعدات التنموية عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.
- 393 مليون دولار من تمويل بعثات حفظ السلام.
- 521 مليون دولار من الإسهامات الأمريكية في منظمات دولية، مثل منظمة التجارة العالمية، منظمة العمل الدولية، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، واليونسكو.
وأعلن وزير الخارجية، ماركو روبيو، عبر منصة X أن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية "في طريقها إلى الإغلاق"، وهنأ مدير مكتب الميزانية في البيت الأبيض، راسل فوت، على قيادته لهذه العملية، وكتب أن الوكالة "خرجت عن مسارها منذ زمن طويل".
رد الكونغرس
أحدثت الخطوة ردود فعل متباينة داخل الكونغرس، حيث سارع مشرعون من الحزبين إلى انتقاد القرار.
وصفت كبيرة الجمهوريين في لجنة المخصصات بمجلس الشيوخ السيناتور سوزان كولينز الخطوة بأنها "انتهاك واضح للقانون"، مؤكدة أن الدستور يحدد بوضوح أن الكونغرس هو صاحب السلطة في اعتماد الإنفاق.
أما السيناتور الديمقراطية باتي موراي، فقد اعتبرت الخطوة "محاولة وقحة للاستيلاء على سلطة الكونغرس"، مؤكدة أن البيت الأبيض يسعى لتسويق "تكتيك غير قانوني على أنه إجراء إداري مشروع".
وذهب زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، أبعد من ذلك، محذرًا من أن الجمهوريين "لن يكونوا مجرد ختم مطاطي لهذه المذبحة"، ومشيرًا إلى أن استخدام ترامب لهذا الأسلوب قد يقود إلى "إغلاق مؤلم وغير ضروري على الإطلاق".
خطر إغلاق الحكومة
بحسب "بوليتيكو"، فإن توقيت إعلان البيت الأبيض جاء في لحظة حساسة، حيث يقترب الموعد النهائي لإقرار ميزانية جديدة أو مواجهة إغلاق حكومي شامل.
وحذّر مشرعون ديمقراطيون وجمهوريون من أن هذه الخطوة تعقّد المفاوضات الثنائية الجارية حول حزمة تمويل لتفادي الإغلاق، وتضع البيت الأبيض في مواجهة ليس فقط مع الديمقراطيين، بل مع جزء من الجمهوريين في الكونغرس أيضًا.
وقال النائب الديمقراطي بريندان بويل، كبير الأعضاء في لجنة الميزانية بمجلس النواب، إن "الاستيلاء غير القانوني على السلطة من شأنه أن يدفع الولايات المتحدة نحو إغلاق حكومي وشيك"، محملًا الرئيس ترامب ومدير مكتبه فوت المسؤولية المباشرة.
معركة قضائية مرتقبة
لن يتوقف الملف عند حدود الخلاف السياسي، إذ دخل أيضًا ساحة القضاء، فبحسب "بوليتيكو"، قُدمت مذكرة إلغاء إلى المحكمة الفيدرالية، وهو ما يفتح الباب أمام جولة قضائية جديدة حول صلاحيات الرئيس في حجب التمويل الذي أقره الكونغرس.
وسبق أن انتهت القضية التي ينظرها القاضي الفيدرالي أمير علي، المعين في عهد بايدن، إلى اعتبار حجب أموال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية "غير قانوني"، ومن المتوقع أن تعود مجددًا إلى محكمة الاستئناف وربما المحكمة العليا لتحديد مدى قانونية قرارات ترامب.
ونقلت "أسوشييتد برس" عن خبراء قانونيين تأكيدهم أن قانون مراقبة الحجز لعام 1974 لا يمنح الرئيس حق إلغاء الأموال من جانب واحد، وأن النص القانوني "لا يقبل أي استثناءات"، ما يضعف موقف البيت الأبيض في أي معركة قضائية مقبلة.
سياق أوسع لسياسات ترامب
تشير التغطيات إلى أن هذا القرار ليس معزولًا، بل يندرج ضمن سياسة أوسع يتبناها ترامب لإعادة تشكيل دور الحكومة الفيدرالية.
وسبق أن سعت إدارته إلى تقليص تمويلات البث العام، وأعلنت في فبراير الماضي خططًا لإلغاء عقود مساعدات خارجية تقترب قيمتها من 60 مليار دولار. كما حاولت الإدارة مرارًا تجميد برامج الصحة العالمية ومكافحة الإيدز، قبل أن تجبرها المحاكم على التراجع في بعض الحالات.
ويرى مراقبون، بحسب فايننشيال تايمز، أن هذه الخطوات تعكس توجهًا واضحًا لتعزيز شعار "أمريكا أولًا"، حتى وإن أدى ذلك إلى صدامات حادة مع الكونغرس، أو أضرّ بسمعة الولايات المتحدة على الساحة الدولية نتيجة خفض إسهاماتها في برامج التنمية وحفظ السلام.
صراع بين البيت الأبيض والكونغرس
يُلقي القرار الأخير الضوء على واحدة من أقدم وأعمق معارك السياسة الأمريكية: الصراع على سلطة المال بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، فالبيت الأبيض يرى في "الإلغاء الجيبي" أداة قانونية مسموحًا بها، في حين يؤكد الكونغرس أن أي تجاوز لدوره في اعتماد الإنفاق يُمثل مساسًا مباشرًا بالتوازن الدستوري للسلطات.
وبينما يصرّ مسؤولو الإدارة على المضي قدمًا مؤكدين أن لديهم "حججًا قانونية قوية" للدفاع عن القرار، يتمسك مشرعو الكونغرس، من الجمهوريين والديمقراطيين، بموقفهم الرافض.
ولخّصت السيناتور كولينز الموقف بقولها: "الطريقة المناسبة للحد من الإنفاق المفرط هي عملية الاعتمادات المشتركة بين الحزبين، لا عبر تقويض القانون".
بهذا القرار، فتح ترامب جبهة سياسية وقانونية جديدة قد تمتد تداعياتها لأسابيع وربما لأشهر، في وقتٍ حساس يشهد مفاوضات حول تجنب إغلاق الحكومة، وبين مناورة قانونية نادرة لم تُستخدم منذ نصف قرن، وردود فعل غاضبة من الكونغرس، ومعركة قضائية محتملة أمام المحاكم العليا، تبدو الولايات المتحدة أمام اختبار جديد لحدود سلطات الرئيس، ولصلابة الضوابط والتوازنات التي يقوم عليها النظام الدستوري الأمريكي.