في يوم التضامن.. العالم يصغي لآلام الفلسطينيين وشهادات تهزّ قاعة الأمم المتحدة
في يوم التضامن.. العالم يصغي لآلام الفلسطينيين وشهادات تهزّ قاعة الأمم المتحدة
في لحظةٍ امتزج فيها الشعر بالدمع، والذاكرة بالجرح، ارتفعت في مقر الأمم المتحدة بنيويورك أصوات فلسطينية مكسوّة برائحة الركام، لتعيد إلى العالم ما حاولت الحرب إخفاءه.. أن الفلسطينيين ليسوا أرقاماً، بل بشرٌ لهم وجوه وأسماء وأحلام، وأن الصمت ليس خياراً حين تتكلم الإنسانية.
البداية كانت مع الشاعر الفلسطيني مصعب أبو توهة الذي وقف أمام ممثلي دول العالم، حاملاً معه شطر بيتٍ واحد يكفي لفضح قرنٍ كامل من الألم، قائلاً: "نامت على سريرها.. لم تستيقظ مرة أخرى"، بحسب ما ذكر موقع أخبار الأمم المتحدة، اليوم السبت.
لم يكن ذلك مجرد شاعر يتلو نصاً، بل ناجٍ يروي ما يشبه وصية الأرض، بعدما نجا بنفسه من الأشهر الأولى مما وصفه بـ"إبادة جماعية مستمرة"، تحدث خلالها عن اختطافه وتعذيبه والاعتداء عليه جنسياً من قبل القوات الإسرائيلية، كما قال.
أبو توهة، الحائز جائزة بوليتزر للتعليق الصحفي لعام 2025، قدّم شهادة أكثر عمقاً من أي تقرير حقوقي، إذ حوّل الألم إلى لغة، والذاكرة إلى وثيقة، والقصائد إلى محاضر إثبات.
وخلال مشاركته ممثلاً عن المجتمع المدني، دعا إلى "خطة عدالة" لا "خطة سلام"، مؤكداً أن الشعوب لا تنجو بالتصالح فوق الدم، بل بإحقاق الحقوق أولاً.
صحفية تعيش في خيمة
وإلى جانب شهادته، جاءت رسالة مصوّرة من الصحفية شروق العيلة، أرملة الصحفي رشدي السراج الذي استشهد في قصف على غزة.
كانت كلماتها مثل شظايا زجاج، تحدّثت عن حياتها بوصفها أمّاً وصحفية تعيش في خيمة، وعن طفلتها التي لم تتجاوز عاماً واحداً حين سُحب والدها جثة من تحت الأنقاض.
قالت شروق وعيناها تتردد بين جسد الزوج المفقود ووجه الطفلة المتشبث بالحياة: "سحبت ابنتي من تحت الأنقاض مرتين.. وما زلت أبحث لها عن بيت، عن أمان، عن بلد تتوقف فيه السماء عن السقوط".
دعت الصحفية المكلومة إلى السماح بدخول الصحفيين الدوليين إلى غزة، مؤكدة أن وقف إطلاق النار لا يعني فتح الحدود مع الحقيقة. رسالتها لم تكن مجرد شهادة، بل كانت صرخة: "أنا صوت واحد من ملايين الأصوات، فلا تطفئوها".
رسالة غوتيريش
في رسالة تلاها رئيس ديوانه، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن حقوق الفلسطينيين في الكرامة والعدالة وتقرير المصير "انتهكت بشكل لا يُصدَّق خلال العامين الماضيين".
وأشار إلى أن وقف إطلاق النار يشكّل "بصيص أمل"، لكنه ليس نهاية الطريق، بل بداية واجبة نحو خطوات ملموسة تعيد شيئاً من العدالة إلى شعب تقطّعت به السبل.
ودعا غوتيريش إلى دعم الأونروا بوصفها "شريان الحياة" لملايين الفلسطينيين، وإلى إنهاء الاحتلال غير القانوني، وإحياء المسار السياسي استناداً إلى حل الدولتين، مؤكداً: "إقامة الدولة الفلسطينية حق أصيل، لا منّة فيه لأحد".
ولم يُغفل الأمين العام الإشارة إلى مفارقة "الاعتداء على مزارعي الزيتون"، تلك الشجرة التي أصبحت رمزاً للسلام، وللصمود، وفي الوقت ذاته رمزاً لجريمة تُرتكب سنوياً.
قال: "من المؤلم أن يتعرض رمز السلام للتدنيس.. لكنها مفارقة تلخّص كيف اهتزت مبادئ المجتمع الدولي على امتداد هذه المأساة".
وختم بنداء إنساني: "لنساعد غرسة الزيتون على الازدهار من جديد.. من أجل العدالة، ومن أجل الإنسانية، ومن أجل السلام".
الذكرى 78 للتقسيم
يأتي اليوم الدولي للتضامن هذا العام متزامناً مع مرور 78 عاماً على قرار التقسيم 181، القرار الذي بدأ معه فصل جديد من تاريخ اللجوء الفلسطيني.
وقالت رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك، إن العالم "فشل طوال هذه العقود في منح الفلسطينيين حقهم غير القابل للتصرف: تقرير المصير".
وأضافت: "تقرير المصير ليس امتيازاً يُمنح.. إنه حق تُهدر إنسانيته حين يُنتزع".
قدّمت بيربوك رؤية واضحة: دولتان، حدود معترف بها، إنهاء الاستيطان، وقف الهدم، انسحاب الجيش الإسرائيلي الكامل، ووحدة الضفة وغزة.
وتحدثت عن طفولتها التي شاهدت أطفالاً فلسطينيين مبتوري الأطراف في الدوحة بعد إجلائهم: "هؤلاء الأطفال فقدوا كل شيء وما زالوا يحاولون الابتسام".
ما جمعته الأمم المتحدة في قاعة واحدة لم يكن مجرد كلمات؛ كان صدى وطنٍ مُنهك يطالب العالم ألا يُشيّعه بصمت.. من الشاعر الناجي، إلى الأرملة التي تحرس أمل طفلتها، إلى أطفال فقدوا أطرافهم، إلى زيتونةٍ تبحث عن جذورها.
كان يوم التضامن هذا العام يوماً لكشف الحقيقة.. أن قضية فلسطين ليست نزاعاً سياسياً، بل مأساة إنسانية تتجدد كل يوم، وأن العالم أمام اختبار أخلاقي.. إمّا أن يصغي، أو يواصل الهروب من مرآته.











