عاملات المنازل بمصر.. استرقاق ناعم ووجع مشترك خلف الجدران المغلقة
يتطلب حماية قانونية ونقابية
في غرفة أشبه بالقبو مساحتها لا تتجاوز مترين في متر ونصف، داخل منزل فاخر في أحد الأحياء الراقية بالقاهرة، كانت "محاسن"، الشابة الريفية، تنام على فرشة متواضعة محاطة بالأدوات المنزلية وأشياء قديمة متراكمة.
جاءت محاسن (17 عاما) من إحدى قرى محافظة المنوفية (دلتا النيل - شمال) إلى العاصمة بحلم بسيط أن تعمل لعامين فقط حتى تؤمن تكاليف علاج والدتها المريضة والمصروفات المدرسية لشقيقها الصغير، لكن بمجرد استلامها للعمل أدركت أن الحلم تحول إلى سراب.
"أبدأ العمل من الخامسة صباحًا حتى منتصف الليل دون راحة تُذكر، لإنجاز مهام ترتيب المنزل والتنظيف وغسيل وكي الملابس وتلبية أية طلبات لجميع أفراد الأسرة، ورغم أنه لم يكن مسموحًا لي بالخروج من المنزل، إلا أنني كنت دائما في موضع الاتهام إذا اختفى شيء ثمين" تقول محاسن وعيناها ممتلئتان بالدموع.
وتضيف بصوت مرتجف لـ"جسور بوست": "كنت أعمل يوميا حوالي 18 ساعة مثل الآلة، فالكلام الكثير غير مسموح، والتحدث مع حارس العقار ممنوع، وتناول الطعام مع الأسرة مرفوض رفضاً باتاً، حُرمت من أبسط حقوقي في النوم الكافي أو الطعام المناسب أو الكلمة الطيبة.. لم أكن أسمع سوى كلمتين فحسب: اعملي، واسكتي".
انتهاكات صامتة
ورغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة، تشير التقديرات إلى أن عدد عاملات المنازل في مصر يتجاوز مليون امرأة وفتاة، معظمهن يعملن في ظروف غير مستقرة، ويفتقرن لأي شكل من أشكال الحماية القانونية أو الاجتماعية.
ولعقود طويلة، ظلت هذه الفئة تُعامل باعتبارها "خارج القانون"، نظراً لعدم التغطية القانونية والتأمينية، وغياب الرقابة الرسمية على الحقوق الأساسية لعاملات المنازل، إلى جانب عدم وجود مظلة نقابية تدافع عن حقوقهن في إقرار الحد الأدنى من الحقوق الأساسية؛ كالراحة الأسبوعية أو الأجر العادل أو الحق في تقديم الشكاوى دون خوف من التنكيل أو الانتقام.
وداخل الجدران المغلقة، تُمارس الانتهاكات والخروقات الحقوقية ضد عاملات المنازل في صمت، إذ تتراوح بين العمل القسري، وحجز الأجور، وفي بعض الحالات الاعتداء الجسدي والنفسي، دون أن تجد العاملة صوتاً يُدافع عنها، أو قانوناً يحميها، ولا سيما أن الكثير منهن فتيات قاصرات، جئن من القرى الفقيرة بحثًا عن لقمة عيش، فوجدن أنفسهن عالقات في دوائر من الاستغلال الممنهج.
ومع تصاعد الضغوط من منظمات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية، تزايد الحديث عن ضرورة إصدار قانون خاص لتنظيم أوضاع العاملين والعاملات في الخدمات المنزلية، حيث يسهم القانون –حال إقراره- في الاعتراف رسميًا بهذه المهنة وتوفير إطار قانوني يحدد ساعات العمل، ويُلزم أصحاب العمل بعقود مكتوبة، ويوفر آليات واضحة للشكوى والمحاسبة.
وحتى يتم ذلك، تبقى آلاف النساء والفتيات من الطبقات الاجتماعية الدُنيا يقبعن خلف جدران الصمت، ويعملن في الخفاء، وينتظرن من يدافع عنهن حيال الانتهاكات والتجاوزات التي يواجهنها.
مزاحمة متصاعدة
في السنوات الأخيرة، شهد سوق العمل المنزلي في مصر تزاحمًا متزايدًا من عاملات من جنسيات إفريقية وآسيوية، ولا سيما السودان، وإريتريا، وإثيوبيا، والفلبين، وإندونيسيا، تعود معظم أسبابها إلى التوترات الأمنية والسياسية التي تشهدها هذه الدول.
ورغم أن بعض العاملات الأجنبيات يدخلن مصر بطرق رسمية، إلا أن غالبيتهن يعملن بشكل غير قانوني، وبوساطة سماسرة أو مكاتب توظيف غير مرخصة، ما يُعمق حالة الفوضى وغياب الرقابة ويشجع على تنامي التجاوزات والانتهاكات في غيبة الحماية القانونية.
وخلق هذا التدفق المستمر حالة من المنافسة غير المتكافئة بين العاملات المصريات ونظيراتهن الأجنبيات، خاصة في المنازل الراقية أو لدى الأسر القادرة ماليًا، فالعاملات الأجنبيات غالبًا ما يُفضلهن أصحاب العمل بدعوى أنهن "أكثر التزامًا" أو "أقل تطلبًا"، في حين تجبر المصريات على القبول بأجور أقل وساعات أطول، أو يتم إقصاؤهن بالكامل من سوق العمل.
وتقول "إحسان" عاملة مصرية تبلغ من العمر 58 عامًا، لـ"جسور بوست": "كنت بشتغل في 3 بيوت بمرتب معقول، لكن دلوقتي كله عايز شغالة إثيوبية أو فلبينية، حتى لو مرتبها أكبر، بيشوفوهم أكثر طاعة وإنجاز للمهام المطلوبة ومعظم العاملات المصريات أصبحن مهمشين ومرفوضين".
وفي غياب أي تنظيم واضح يضبط إيقاع هذا القطاع غير الرسمي، لا توجد معايير عادلة تضمن تكافؤ الفرص أو تحمي العاملات المصريات من الإقصاء التدريجي، أو تحمي العاملات الأجنبيات من الاستغلال المزدوج سواء بسبب كونهن نساءً مهاجراتٍ، أو لعدم قانونية أوضاعهن.
ورغم أن بعض الأصوات تطالب بضرورة تنظيم وجود العمالة الأجنبية المنزلية ضمن إطار قانوني واضح، يشترط تصاريح عمل، وتأميناً صحياً، وتحديداً للمهام والأجور، إلا أن هذا الملف لا يزال عالقًا في أروقة التجاهل، تاركاً وراءه سوقًا غير منظم، وأوضاعًا هشة، وتنافساً لا تحكمه أية قواعد.
مساواة في التجاوزات
ورغم ما يبدو من تفاوتات سطحية في أوضاع عاملات المنازل من المصريات والأجنبيات، إلا أن الانتهاكات التي يتعرضن لها تضعهن في خانة واحدة، يواجهن نفس التحديات والمصير، حيث: عمل طويل بلا راحة، وأجور متقطعة أو متأخرة، وسوء معاملة قد يصل إلى حدود العنف الجسدي أو الترهيب النفسي.
وتروي "لوفي" وهي عاملة نيجيرية (27 عاماً) تعمل بالقاهرة منذ عامين،قصتها: "اشتغلت في بيت لمدة 7 شهور، وما أخدتش غير شهرين بس فلوس. ولما طلبت الباقي، قالولي روحي اشتكي لو تقدري، لأنهم عارفين أن وجودي في مصر غير شرعي ولا أملك أوراق للإقامة".
ومثلما تخشي عاملات المنازل المصريات فقدان لقمة العيش أو التنكيل والانتقام إذا تحدثن عن الانتهاكات والتجاوزات، تشاركهن العاملات الأجنبيات في تلك المخاوف بسبب الترحيل أو التوقيف إذا أبلغن عن العنف أو الاستغلال، خصوصًا إذا كن يعملن دون تصاريح إقامة أو عمل.
ويغذي هذا الصمت المفروض البيئة الحاضنة لارتكاب هذه الانتهاكات والإفلات من العقاب، حيث لا جهة رقابية فعلية تتابع ظروف العمل داخل البيوت، ولا آلية قانونية تتيح للعاملات الشكوى دون تعريض أنفسهن للخطر، في مقابل أن الطرف الوحيد القوي في هذه المعادلة هو صاحب العمل، الذي يمارس سلطته المطلقة مدعومًا بثقافة مجتمعية لا تعترف بكرامة العاملات ولا تنظر لهن كمواطنات كاملات الحقوق الإنسانية.
ولا تزال المبادرات التي طرحت فكرة دمج العاملات في مظلة قانون العمل، أو إنشاء نقابة أو رابطة لتمثيلهن، لا تجد طريقها للتنفيذ، وتظل حبيسة الأدراج أو رهينة المواقف السياسية والمجتمعية المحافظة التي ترفض الاعتراف بهذه المهنة رسمياً.
وقد تختلف اللغة والملامح واللهجة، لكن العاملات في الخدمة المنزلية يجمعهن وجع مشترك، يتمثل في الفقر، والتهميش، والاستغلال، وافتقار بيئة العمل للأمن، وغياب الحقوق.
في انتظار قانون منصف
بين طيات الصمت الطويل الذي أحاط لسنوات بأوضاع عاملات المنازل بمصر، تخرج منى عزت، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة النون لرعاية الأسرة، لتلقي الضوء على واقع شريحة تعيش وتعمل في الظل دون غطاء قانوني أو اجتماعي يحميها.
تقول منى: "وزارة العمل بالفعل تسعى حاليًا إلى إعداد قانون خاص بالعمالة المنزلية، لكنه ما يزال في طور الصياغة. المسألة ليست سهلة، فالتحديات عميقة، والجذور متشابكة".
وتشرح: "نحن نتحدث عن فئة تُصنف كعمالة غير منظمة، أي إن بياناتها شحيحة، وصعبة التتبع. لا نملك معلومات دقيقة عن عدد العاملات، ولا عن المهام التي يقمن بها، ولا عن ساعات العمل أو الأجور، الأمر أكثر تعقيدًا من أن يُضبط بنموذج واحد؛ لأن طبيعة العمل تختلف من منزل لآخر، ومن يوم لآخر".
وتتابع: "بعض العاملات يؤدين مهام التنظيف فقط، أخريات يقمن بالطهو أو برعاية كبار السن وذوي الإعاقة، وهناك من يُقمن بشكل دائم في منازل أصحاب العمل، لأن هذه المهنة لا تحمل نمطًا ثابتًا، وحتى ساعات العمل غير مستقرة، فقد تعمل إحداهن أربع ساعات يومًا وست ساعات في اليوم التالي، ولذلك وضع قانون يُنظم هذا المشهد المتغير باستمرار يحتاج إلى جهد كبير ورؤية دقيقة".
وتقف منى عند تجربة النقابات، وهي تتحدث بأسى: "بعد ثورة يناير 2011 كانت هناك محاولات لتأسيس نقابة لعاملات المنازل، لكنها لم تصمد، كما أن أغلب العاملات لا يمتلكن وعيًا كافيًا بحقوقهن، وكثير منهن لم يتعلمن القراءة أو الكتابة، إضافة إلى ذلك ضغوط العمل التي تستنزف وقتهن وصحتهن، فلا طاقة لديهن للمشاركة في أنشطة جماعية أو نقابية، وفي النهاية، تبقى كل واحدة منهن بمفردها في مواجهة الاستغلال، بلا دعم ولا ظهر يساندها".
وتوضح منى أن غياب القانون يمثل أكبر العقبات: "حين لا يكون هناك نص قانوني واضح يُحدد الحقوق والواجبات، تصبح كل محاولة لتنظيم العمل مجرّد جهد فردي ضعيف، ولذلك نحن بحاجة إلى قانون يُنصف هؤلاء النساء، ويُعرف بحقوقهن، ويمنح النقابات فرصة حقيقية للدفاع عنهن".
أوضاع العاملات الأجنبيات
وفيما يتعلق بالعاملات الأجنبيات، ترى منى أن الصورة أكثر وضوحًا مما تبدو: "العاملات الأجنبيات موجودات في مصر منذ سنوات، لكن وجودهن محصور في طبقة اجتماعية بعينها، سواء لدى الأسر الثرية أو في البيوت التابعة للبعثات الدبلوماسية".
وتابعت: "عقود العمل الخاصة بالعاملات الأجنبيات عادة ما تُبرم عبر السفارات، والأجور تُدفع بعملات أجنبية، ولذلك لا توجد منافسة حقيقية بينهن وبين العاملات المصريات".
وتختم منى حديثها برسالة واضحة: "العاملات المصريات هن العمود الفقري لهذا القطاع، خاصة لدى الطبقة المتوسطة، إذ يقمن بكل المهام من الطهو، إلى التنظيف، إلى رعاية الأطفال والمسنين وغيرها".
وأضافت: "حتى الأسر الراقية كثيرًا ما تستعين بهن لطهو الطعام المصري التقليدي حتى لو كانت هناك عاملة أجنبية بالمنزل، والفكرة أن القانون وحده هو ما يضمن لكل عاملة مكانها وكرامتها، سواء كانت مصرية أو أجنبية، لأنه ببساطة يعترف بها أولًا، ثم يحميها".
ووسط تفاصيل الحياة اليومية التي تمر بها عاملات المنازل بصمت، تبقى قصصهن شاهدة على واقع غير مرئي، مليء بالتحديات والإرهاق والغياب القانوني، فبين بيت تتركه لتخدم في آخر، وساعات عمل لا تُحسب، وأجر لا يوازي الجهد، تتشكل حياة امرأة ربما لا يعرف اسمها أحد، لكنها تترك أثرها في كل منزل تمر به، وتستحق أن يصدر من أجلها قانون يحمي حقوقها.











